لم تُغلق الهدنة باب الحرب على إيران بقدر ما فتحت باب الأسئلة على مصراعيه، حيث يتساءل محللون عن أسباب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب دخول الحرب، وعن الأهداف التي كان يريد تحقيقها.
ففي قراءات أمريكية وبريطانية تناولت شأن ما بعد الحرب، لا تظهر هذه القضية بوصفها نقاشا حول مَن قصف أكثر أو مَن دمّر أكثر، بل بوصفها اختبارا لما إذا كانت الولايات المتحدة قد خرجت من هذه المغامرة أقوى أم أضعف.
وفي هذا الامتحان تحديدا، تميل الكفة، في نظر عدد من المعلقين والباحثين، إلى أن ترمب لم يحصد نصرا، بل ورّط نفسه وبلاده في حرب اختيارية أخذت من هيبة واشنطن أكثر مما منحتها.
تميل الكفة، في نظر عدد من المعلقين والباحثين، إلى أن ترمب لم يحصد نصرا، بل ورّط نفسه وبلاده في حرب اختيارية
ويذهب كاتب الرأي في صحيفة نيويورك تايمز كارلوس لوزادا، في نقاش له مع الكاتب إيه جي ديون، إلى أن السؤال الصحيح حول ما بعد الحرب ليس: هل انتصرت الولايات المتحدة أم هُزمت عسكريا؟ بل: هل أصبحت أقوى أم أضعف؟
وهنا يجيب ديون بأن الحصيلة "سلبية جدا"، ويرى لوزادا أن ما جرى لا يرقى إلى نصر، بل يكشف عن فشل حقيقي، لأن الإدارة الأمريكية لم تبلغ الأهداف التي رفعتها في البداية: فلا هي منعت إيران نهائيا من تطوير قدرتها النووية، ولا هي قضت على قدرتها الصاروخية، ولا هي دفعت الداخل الإيراني إلى انتفاضة تغيّر النظام.
ومن هذا الباب بالذات، تولد فكرة "حرب الندم". إذ يلفت لوزادا إلى أن إعادة فتح مضيق هرمز، التي تحولت لاحقا إلى عنوان ملحّ في الخطاب الأمريكي، لم تكن أصلا الهدف الذي شُنّت الحرب من أجله.
وبذلك لم تعد الإدارة الأمريكية تسعى إلى إنجاز جديد، بل راحت تحاول معالجة مأزق أوجدته هي بنفسها. فالحرب، بهذا المعنى، لم تحل أزمة قائمة، بل أوجدت أزمة جديدة، ثم طالبت العالم بأن يتعامل معها وكأنها ضرورة لا مفر منها، كما يقول الكاتب.
يلفت المحلل لوزادا إلى أن إعادة فتح مضيق هرمز، التي تحولت لاحقا إلى عنوان ملحّ في الخطاب الأمريكي، لم تكن أصلا الهدف الذي شُنّت الحرب من أجله
أما الصحفي الدبلوماسي باتريك وينتور، في تحليله بصحيفة غارديان، فيدفع هذا الاستنتاج إلى مدى أبعد. فهو يرى أن ترمب لم يخرج من الحرب بترتيب سياسي واضح، بل اندفع إلى الهدنة بعدما اكتشف أن الدبلوماسية القسرية لم تُخضع إيران، وأن مضيق هرمز لم يُفتح بالقوة أو بالتهديد.
وينقل وينتور عن دبلوماسيين إيرانيين قولهم إن ترمب، حين أدرك حجم المأزق، بالغ في الوعود التي مررها عبر الوسطاء الباكستانيين، لا لأنه كان يريد تسوية متماسكة، بل لأنه كان يبحث عن مخرج سريع من الورطة.
وهكذا لم تظهر الهدنة تتويجا لنفوذ أمريكي حاسم، بل بدت أقرب إلى سلّم هبوط اضطراري لرئيس أراد أن ينجو من تبعات قراره.
وفي مقال آخر بصحيفة غارديان، يقدّم سيدني بلومنتال، المستشار السابق للرئيس الأسبق بيل كلينتون، صورة أكثر قسوة لترمب وهو يواجه نتائج حربه.
فترمب، بحسب بلومنتال، دخل الحرب وهو يظن أنها ستنتهي خلال أيام، وأن إيران ستخضع سريعا، لكن الواقع أظهر له أن التفوق العسكري لا يكفي حين تصطدم القوة بالجغرافيا وبمصالح السوق العالمية وبقدرة الخصم على تحويل الممرات البحرية إلى نقطة اختناق دولية.
ومن هنا يختصر بلومنتال المشهد بعبارة لافتة: "امتلك ترمب القنابل، لكنه لم يمتلك الأوراق الرابحة".
ثم يلاحظ بلومنتال أن خطاب ترمب أخذ يتدرج من إعلان النصر إلى نبرة أكثر توترا وتهديدا، كلما اتسعت الفجوة بين ما وُعد به وما أمكن تحقيقه فعليا.
فبدل أن يقدّم مخرجا سياسيا واضحا، لجأ إلى التصعيد اللفظي والوعيد بتدمير البنية التحتية، في خطاب رآه بلومنتال تجاوزا خطيرا يلامس التهديد بجرائم حرب.
بلومنتال: خطاب ترمب أخذ يتدرج من إعلان النصر إلى نبرة أكثر توترا وتهديدا، كلما اتسعت الفجوة بين ما وُعد به وما أمكن تحقيقه فعليا
مع ذلك، لم تفضح الحرب، في هذه القراءات، حدود القوة الأمريكية فحسب، بل فضحت كذلك طريقة اتخاذ القرار داخل إدارة ترمب نفسها.
ففي نقاش نيويورك تايمز الذي استعاد ما كشفه الصحفيان جوناثان سوان وماغي هابرمان، يظهر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قدّم لترمب وفريقه تصورا لحرب تبدأ بتدمير القدرة العسكرية الإيرانية، وقد تنتهي -بحسب رهانه- إلى انتفاضة داخلية تُسقط النظام.
غير أن ما تكشفه الرواية هو أن شخصيات بارزة داخل الإدارة، من نائب الرئيس جيه دي فانس إلى وزير الخارجية ماركو روبيو ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، أبدت شكوكا وتحفظات إزاء هذا المسار، أو على الأقل إزاء أهدافه القصوى. ومع ذلك، مضى ترمب في اختياره.
وهنا تبرز المشكلة الأعمق: لم يكن القرار ثمرة نقاش مؤسسي صارم بقدر ما كان امتدادا لإيمان شبه مطلق بحدس الرئيس.
وقد توقف لوزادا عند العبارة التي نُقلت عن ترمب في حديثه مع المذيع تاكر كارلسون قبل الحرب، حين قال إن الأمور ستكون على ما يرام "لأنها دائما ما تكون كذلك".
في هذه الجملة، كما يفهمها لوزادا، يتكثف منطق كامل في الحكم: منطق يقدّم الثقة الشخصية على المراجعة، والحدس على التحذير، ويعامل السياسة الخارجية كما لو كانت نسخة مكبرة من معارك ترمب الداخلية التي اعتاد فيها الإفلات من العواقب.
غير أن الحروب، كما قال ديون في النقاش نفسه، ليست أزمة علاقات عامة يمكن لرئيس أن يحلها بالكلام فحسب.
ولا تقف علامات الخلل عند هذا الحد. فالرواية نفسها تثير أسئلة حادة بشأن بنية القرار حين يظهر جاريد كوشنر حاضرا في الغرف الحساسة من دون صفة رسمية، وتغيب مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد عن الاجتماعات الكبرى.
وهذا ما يجعل الحرب، في نظر منتقديها، نتيجة لاضطراب أوسع من مجرد خطأ تقدير: إنها ثمرة مؤسسة حكم تتداخل فيها الدائرة العائلية والسياسية والشخصية على حساب القنوات المفترض أنها تصنع القرار في قضايا الحرب والسلم.
ولا تتوقف الخسارة، في هذه القراءات، عند حدود إدارة المعركة، إذ يرى لوزادا أن الولايات المتحدة لم تفقد قدرتها الصلبة بعد، لكنها تفقد شيئا آخر أكثر دقة: شرعية استخدام هذه القوة.
ويشير الكاتب إلى أن الهيمنة الأمريكية التي قامت بعد الحرب العالمية الثانية لم تستند إلى السلاح وحده، بل إلى شبكة من الثقة والتحالفات والمؤسسات، وإلى اقتناع الحلفاء بأن واشنطن، مهما أخطأت، ما زالت تتصرف ضمن إطار يمكن توقعه والتفاهم معه.
وهذه الشرعية، كما يقول، تتآكل حين تتصرف أمريكا على نحو أحادي، وتشن حربا من دون تشاور حقيقي مع الحلفاء، ثم تعود إليهم لاحقا طلبا للمساندة في احتواء نتائجها.
ما كشفته الحرب لم يكن حدود القوة الأمريكية فقط، بل حدود القرار حين يُبنى على الحدس أكثر مما يُبنى على الحساب
ويعزز ديون هذا التقدير حين يقول إن الحرب أضعفت التحالفات الأمريكية الهشة أصلا، وكسرت ما تبقى من المكانة الأخلاقية لواشنطن بعدما لوّح ترمب بتدمير حضارة كاملة، كما ألحقت ضررا بالاقتصاد العالمي.
وحتى الذين يراهنون على آثار بعيدة المدى قد تضر إيران لاحقا، يقرّون -ولو ضمنيا- بأن المشهد الراهن لا يبدو مشهد نصر، بل صورة هزيمة إستراتيجية أو هزيمة مرشحة لأن تتسع آثارها بمرور الوقت.
ومن هذا المنظور، يطرح وينتور بدوره سؤالا تاريخيا ثقيلا: هل تواجه الولايات المتحدة لحظة شبيهة بأزمة السويس؟ أي لحظة لا تسقط فيها الإمبراطوريات بضربة واحدة، لكنها تكتشف فيها فجأة أن القوة لم تعد تكفي لفرض الإرادة كما كانت في السابق.
ويذكّر بأن الحروب المضللة لا تنشئ التحولات الكبرى وحدها، لكنها تسرعها وتفضح ما كان يتشكل تحت السطح.
ولذلك يربط بين هذه الحرب وبين اتساع الهوة مع أوروبا، وتراجع النظر إلى الولايات المتحدة بوصفها حليفا موثوقا به، ويخلص إلى حقيقة إستراتيجية بسيطة: قد تستطيع القوة الجوية تدمير دولة، لكنها لا تستطيع احتلالها أو إعادة صياغة مجتمعها من الجو فحسب.
وفي قراءة أخرى، يحذر سكوت سترغاسيتش، الباحث في قضايا الدفاع والبرنامج النووي الإيراني والكاتب في مجلة ناشيونال إنترست، من أن أخطر ما في الحرب ربما لم يقع بعد.
فهو يرى أن المقارنة الأصح ليست مع العراق، بل مع فيتنام؛ أي مع حرب بدأت محدودة في ظاهرها، ثم دفعتها الوقائع على الأرض إلى "زحف المهمة" رويدا رويدا.
ويشرح سترغاسيتش أن أي محاولة أمريكية للسيطرة على الساحل الإيراني، أو الوصول إلى مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، لن تكون عملية جراحية قصيرة، بل قد تستلزم توغلا أعمق وقوات أكبر، مما يفتح الباب أمام حرب برية لم تكن واشنطن تخطط لها أصلا.
ويستند هذا التحذير إلى فكرة واضحة: حين تدخل قوة كبرى حربا بأهداف قصوى وأدوات محدودة، فإنها كثيرا ما تجد نفسها مضطرة إلى توسيع المهمة كي تبرر ما بدأته.
وهنا بالضبط تكمن إحدى مفارقات حرب ترمب: لقد أرادها خاطفة، فإذا بها تهدد بأن تصبح استنزافًا؛ وأرادها حاسمة، فإذا بها تكشف أنه لا يملك تصورا واضحا لما بعد الضربة الأولى.
ولم تُنتج الحرب، وفق هذه القراءات، التغيير الذي راهن عليه داعموها داخل واشنطن وتل أبيب.
فبدل أن تدفع النظام الإيراني إلى التهاوي، يبدو أنها منحت طهران -ولو مؤقتا- فرصة لإعادة شد العصب الداخلي تحت وطأة الحرب.
فمن جهته، يلفت وينتور إلى أن النظام الإيراني لم يخرج فاقدا لأدواته الأساسية في السيطرة، وأن مخزون اليورانيوم المخصب بقي قائما، في حين بدأت واشنطن تلمح إلى تنازلات تفاوضية كانت ترفضها قبل الحرب.
وبذلك لا تبدو الحرب قد أنجزت اختراقا إستراتيجيا جديدا، بل ربما أعادت إنتاج النقاط نفسها التي كانت مطروحة على طاولة التفاوض قبل اندلاعها.
وفي الوقت نفسه، يرى لوزادا أن هذا التراجع في الثقة بالقيادة الأمريكية لا يضر واشنطن وحدها، بل يفتح المجال لقوى أخرى، على رأسها الصين، كي تقدم نفسها بوصفها طرفا أكثر اتزانا وقدرة على الاستفادة من الارتباك الأمريكي.
فحين تتصرف القوة العظمى بقدر أقل من الشرعية والانضباط، لا يختفي العالم القديم دفعة واحدة، لكنه يبدأ في البحث عن ترتيبات جديدة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة