آخر الأخبار

"اقتصاد البقاء".. عائلة غزية تحوّل خيمة نزوح إلى مصنع إسمنت

شارك

غزة- تحدثتُ هاتفيًا مع إبراهيم أبو جبل (39 عامًا)، لترتيب مقابلته، وحين سألت عن مكان إقامته، أجابني: "تعالي إلى شارع الرشيد، مفترق النابلسي، نحن هناك".

وحين وصلت، لم أجد بيتًا بالمعنى الذي يوحي به العنوان، بل خيمة تتكئ على ما تيسّر من القماش، أما بابها، فلم يكن سوى قطعة شادر علّقها أبو فارس (إبراهيم) بأسلاك، لتفصل على نحو هشّ بين الداخل والخارج كما أغلب غيام قطاع غزة.

ما إن رفعتُ الشادر ودخلت، حتى بدا المشهد كخلية نحل صغيرة تشتغل بلا توقف؛ أم فارس وأطفالها، يتقدمهم فارس (16 عامًا)، منهمكون في غربلة الإسمنت بأكفّ عارية، بلا قفازات ولا أدوات حماية.

في هذا المكان الواحد، تجتمع حياة كاملة تحت قماش واحد، خيمة للسكن، وورشة للعمل، ومساحة ضيقة تحاول فيها الأسرة أن تنتزع من أقسى الظروف سببًا للبقاء.

مصدر الصورة المرحلة الأولى من تصنيع الإسمنت المتحجّر (الجزيرة)

أداة الطرق بقايا قذيفة

جلس إبراهيم، وهو معيل لـ9 أفراد، بملابس اختلط فيها غبار الإسمنت بتعب الأيام، وكفّين أكلتهما الجروح والجفاف على الأرض، وبقطعة حديد صلبة ومطرقة صنعها يدويًا من مخلفات قذيفة دبابة إسرائيلية، بدأ يتعامل مع الإسمنت المتحجّر، الذي فقد كيميائيًا أكثر من نصف خصائصه، وتراجع معه كثير من قدرته على التماسك في البناء.

يطرق الرجل الكتل القاسية من الإسمنت المتحجّر واحدة تلو الأخرى، مفككًا إياها كمرحلة أولى للبدء بتصنيعه، بينما ابنه فارس صاحب فكرة المشروع يقوم بتجهيز المرحلة الثانية وهي تحميصه على لوح معدني ونار مشتعلة، يزيح عن عينيه الدخان ويكرر سعلته نتيجة تطاير غبار الإسمنت ثم يقول: "والله يابا هالشغلانة مش شغلتنا، ولا شغلة إخوتي الصغار، أنا حابب هالشغل بس تعبان منه".

سألنا فارس عن المكان الذي يجلب منه الإسمنت الحجري، فارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة، بدت كأنها تختصر اعترافًا صامتًا بأن عمله اليومي محفوف بالخطر "كل يومين تقريبًا أتوجه إلى منطقة المغراقة في المحافظة الوسطى بقطاع غزة، حيث يحفر تحت البيوت المدمرة بحثًا عن هذه الكتل، ثم يحملها على "توك توك" ويعود بها لتبدأ رحلة العمل".

إعلان

وبينما كان يقلب الإسمنت على النار، كانت والدته تناديه ليناولها المصفاة والشبك ذي المسامات الدقيقة جدًا، تجهيزًا للمرحلة الثالثة من التصنيع.

مصدر الصورة مرحلة تكسير الإسمنت المتحجّر بمطرقة صنعت من بقايا قذيفة دبابة إسرائيلية (الجزيرة)

مشروع من قلب الزنزانة

كان الأب اليد الأولى التي ساندت فارس في المشروع منذ بدايته، فشجعه على المضي فيه بعد خروجه من الأسر قبل أيام، وتولى إدارة العمل من تأمين مواده إلى متابعة مراحله.

يقول فارس: "تم اعتقالي لدى سجون الاحتلال لمدة شهرين، وحاولت بكل الطرق التخلص من الآثار النفسية التي تركها السجن والتعذيب في داخلي".

يضيف وهو يزيد حطبًا للحفاظ على استمرار شعلة النار: "ذهبت إلى 10 أطباء نفسيين، لكن أحدًا منهم لم يجدِ نفعًا لا شيء أعاد لي نفسيتي وحسّنها مثل هذا المشروع، فقد أنقذني بنسبة 90% من معاناتي النفسية".

لكن ما يواجه إبراهيم، شأنه شأن كثيرين في غزة، يتجاوز الجهد الفردي؛ فغياب المدارس والتعليم وضيق سبل العيش يجعل سعيه إلى حياة كريمة لأبنائه أقرب إلى معركة يومية مع العجز المفروض.

مصدر الصورة عائلة أبو جبل تتشارك العمل لتوفر لنفسها مصدر دخل (الجزيرة)

كل العائلة تعمل

بعد تحميص الإسمنت، بدأ فارس ووالده بنقله إلى مفرش كبير، لتلتف العائلة كلها حوله في المرحلة التالية من العمل: الغربلة بأدوات بدائية، وبأكفّ عارية، كان كل فرد يعرف مهمته جيدًا، وبينما كانت الأم تتابع ما يفعله أطفالها، قالت بنبرة أثقلها التعب: "هؤلاء الأطفال من المفترض أن يحظوا بتعليمهم الدوري والاهتمام بهم، لكن للأسف هم يشاركوننا في هذا العمل الشاق، لأننا لا نملك القدرة على دفع أجرة لأيدٍ عاملة".

تحاول أم فارس أن تجمع بين أن تكون امتدادًا لدور أمومة أُجبرت الحرب والظروف المعيشية على أن تختلط فيه الرعاية بالتعب، والتربية بمقتضيات البقاء، وبين محاولة تعويض ما فقدوه من تعليم وحياة طبيعية، وبين سد النقص في العمل داخل المشروع.

وفي قلب هذا المشهد يقف أحمد، الشقيق الأصغر البالغ 13 عامًا، وقد ذاق بدوره خوفًا مبكرًا حين احتجزه الجنود الإسرائيليون قرب حاجز موراغ 4 ساعات كاملة، من دون أن تعلم والدته عنه شيئًا، قبل أن يتصل الصليب الأحمر ويبلغها بضرورة الحضور لتسلّمه.

يحاول أحمد أن يكون سندًا لعائلته داخل المشروع؛ يحمل أكياس الإسمنت ويعبئها، وفي الوقت نفسه، يلتفت إلى شقيقتيه الصغيرتين، رهف وتالا، محاولًا أن يخفف عنهما، وأن يمنحهما شيئًا من الترفيه والدفء وسط حياة أثقلتها الخيمة والعمل والخوف.

ولا تقف حكاية هذه الأسرة عند حدود الكفاح الشخصي، بل تكشف أيضًا جانبًا من الأزمة الاقتصادية والهندسية الأوسع التي فرضها غياب الإسمنت عن غزة.

مصدر الصورة فارس خلال البدء بالمرحلة الثانية من تصنيع الإسمنت وهو تحميصه على النار (الجزيرة)

اقتصاد البقاء

وينتج المشروع العائلي نحو 7 أكياس من الإسمنت يوميًا تتراوح أوزانها بين 25 و70 كليوغراما، ويصل سعر الكيس الكبير منها إلى نحو 200 دولار.

ويرى الباحث والمختص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أن ما تفعله هذه العائلة يندرج ضمن ما يمكن تسميته "اقتصاد البقاء"، أي التكيف مع الواقع القائم وخلق فرصة عمل تتيح الحد الأدنى من تلبية الاحتياجات.

إعلان

ويوضح في حديث -للجزيرة نت- أن الإسمنت يمثل المفتاح الأساسي لتحريك دورة اقتصادية كاملة؛ فدخوله يعني، بالضرورة، تشغيل عامل البناء والدهان والسباك وسائر المهن المرتبطة بعملية الإعمار، بما يجعله، في نظره، أشبه بمنقذ من عنق الزجاجة الاقتصادية.

ويضيف أن إسرائيل تدرك هذه الحقيقة جيدًا، ولذلك ظلّ منع دخول الإسمنت أحد أدوات خنق إعادة الإعمار والحد من أي انتعاش اقتصادي محتمل في القطاع.

وبحسب أبو قمر فإن الوضع الاقتصادي في غزة بات، إلى حد بعيد، قائمًا على "كيس إسمنت"، فقبل الحرب، وخلال مرحلة الحصار، ارتفع سعره من نحو 20 شيكلًا إلى 80 شيكلًا (الدولار يساوي 3.14 شيكل)، أما اليوم، فقد وصل سعر الكيلو الواحد فقط إلى 35 شيكلًا، في مؤشر على عمق الأزمة واتساع أثرها على الناس والسوق معًا.

ويشير إلى أنه حتى خلال سنوات الحصار السابقة، لجأ الناس إلى بدائل محدودة، من بينها تقنيات الكسّارات لإعادة إنتاج الإسمنت، بوصفها محاولات اضطرارية للبحث عن بدائل، مع التأكيد على أنه لا غنى عن الإسمنت الأصلي في حلول البناء المتماسك.

وقال: "من الناحية الفنية لا يشكل بديلًا كاملًا، لكنه في غزة صار حلًا اضطراريًا تفرضه الندرة وشح البدائل"، لكنها تبقى محدودة الأثر إذا ما قيست بحجم الدمار الهائل في قطاع غزة.

مصدر الصورة تالا ورهف يساعدان والدهما خلال تعبئة الإسمنت لبيعه (الجزيرة)

كفاءة الإسمنت لا تتجاوز 20%

ومن الناحية الهندسية، يوضح المهندس المدني نائل المدهون أن مدة صلاحية الإسمنت في الظروف الطبيعية لا تتجاوز 6 أشهر، في حين لم يدخل إلى قطاع غزة، منذ نحو 3 سنوات، كيس إسمنت واحد، مما جعل المادة المتاحة اليوم بعيدة عن خصائصها الأصلية.

ويبين أن الإسمنت يمثل المادة الرابطة الأساسية بين الرمل والحصى في أعمال الباطون، كما يشكل عنصر التماسك في القصارة والتشطيبات، غير أن الإسمنت المتحجر يفقد جزءًا كبيرًا من كفاءته، وقد لا تتجاوز المتبقي منها 20%.

ويضيف متحدثا للجزيرة نت أن الإسمنت المعاد تصنيعه يتحول في واقع غزة إلى حل اضطراري تفرضه الحاجة وشح البدائل، خاصة عند إضافة بعض المواد المساعدة التي قد تحسن أداءه نسبيًا، مثل بعض المواد الرابطة المستخدمة محليًا، رغم ندرتها وارتفاع أسعارها.

وحين ينتهي النهار، تبقى الخيمة شاهدة على عائلة لم تجد ما تتكئ عليه سوى جهدها، أب وأم وأطفال يحيطون بالركام؛ ليصنعوا منه ما يسند يومهم التالي، ويمنحهم، وسط هذا الضيق كله، سببًا آخر للبقاء.

وتشير أحدث التقديرات الأممية إلى أن حجم الركام في قطاع غزة بلغ نحو 60 إلى 61 مليون طن، في حين تضرر أو دُمّر ما بين 78% و81% من المباني والمنشآت، في واحدة من أوسع موجات الدمار التي عرفها القطاع.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا