في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
"نشأ الفقه السياسي الشيعي عند تقاطع 3 أنماط من السلطة: السلطة اللاهوتية المستندة إلى مفهوم الإمامة، والسلطة السياسية للدولة، والسلطة الإمبريالية المفروضة منذ القرن التاسع عشر".
لا يمكن فهم الفقه السياسي الشيعي دون التطرق إلى المعضلة الكبرى التي واجهته منذ عصر "الغيبة الكبرى" عام 329 هـ، وهي الفترة اللي تلت وفاة آخر سفراء الإمام الثاني عشر ونهاية "الغيبة الصغرى". تتعلق هذه المعضلة بمصدر الشرعية السياسية في فترة غياب "الإمام المعصوم"؛ فالإمامة في العقيدة الإمامية الاثنا عشرية ليست مجرد منصب سياسي، بل هي نيابة عن "المعصوم" ومقصدها الأسمى تأسيس الحكومة العالمية. وعندما غاب الإمام الثاني عشر، نشأت حالة فراغ نظري في مسألة السلطة، إذ لم يعد هناك إمام معصوم يُرجع إليه أو يُمارس الحكم نظريا، أو يُتنبأ له بممارسة السلطة عمليا.
ومن هنا تشكلت عبر القرون صيغة فقهية انتظارية، تقول إن السلطة الشرعية الكاملة مؤجلة إلى زمن ظهور الإمام، وأن وظيفة الفقيه تقتصر على ما هو "حسبي" فقط، أي على إدارة الشؤون الدينية والاجتماعية للمجتمع. ومع أن هذا المبدأ تم خرقه وتجاوزه في مراحل مثل عهد الصفويين الذين استعانوا بأمثال الشيخ المحقق الكركي (توفي عام 1534/940 هـ) الذي عزز شرعيتهم وأباح العمل السياسي والتعامل مع السلطان وأخذ هداياه وجراياته، إلا أن مبدأ الانتظار ظل ثابتا وأصيلا في الفكر السياسي الشيعي. بيد أن القرن التاسع عشر أدخل "فقه الانتظار" في أزمة عميقة، لأن العالم الإسلامي حينئذ أصبح جزءا من النظام الإمبريالي العالمي، ولم يعد ممكنا الاكتفاء بالحياد السياسي أو الانسحاب من المجال العام.
ومن ثم ظهرت سلسلة من التحولات الفكرية في قلب الحوزة الشيعية، بدأت مع حركة التنباك في أواخر القرن التاسع عشر (1892)، وبلغت ذروتها مع الثورة الدستورية الإيرانية (1905)، حيث حاول الفقهاء لأول مرة صياغة تصور دستوري للسلطة السياسية. وقد كان أبرز منظري هذا الاتجاه الميرزا محمد حسين النائيني (توفي عام 1936/1355 هـ) صاحب كتاب "تنبيه الأمة وتنزيه الملة"، وكان أول فقيه شيعي يخرج من المسلمات المعهودة قبله كفقه الانتظار السلبي والنأي بالنفس عن السياسة كلها، وكذلك الرضا بالاستبداد كقدر حتمي حتى ظهور المعصوم، وحتى ولاية الفقهاء ووصايتهم على العامة.
"ظهرت سلسلة من التحولات الفكرية في قلب الحوزة الشيعية، بدأت مع حركة التنباك في أواخر القرن التاسع عشر (1892)، وبلغت ذروتها مع الثورة الدستورية الإيرانية (1905)".
أصّل النائيني لفقه سياسي شيعي يقوم على تقييد السلطة السياسية عبر الرقابة الشعبية "مقبولية المؤمنين" والمؤسسات الدستورية، وهي أول محاولة دستورية جادة وحقيقية في الفقه السياسي الشيعي، وقيل حينئذ إنه تأثر بالشيخين الأفغاني ومحمد عبده، وهو ما ألمح إليه مرتضى مطهري أيضا.
تعود هذه الإشكالية إلى الواجهة مع الحرب الدائرة اليوم بين إيران من جانب، والولايات المتحدة وإسرائيل من جانب آخر. فهذه الحرب لا يمكن فهمها فقط باعتبارها صراعا عسكريا أو جيوسياسيا فقط، بل ينبغي قراءتها أيضا من زاوية الخلفية اللاهوتية والسياسية للنظام الإيراني، والخلفية اللاهوتية للولايات المتحدة وإسرائيل أيضا، وفي إطار تاريخ الصراع الإمبريالي على بلدان الشرق الأوسط.
في النصف الأول من القرن التاسع عشر، أرسلت إيران بعثات علمية إلى أوروبا تأثرا ببعثات محمد علي في مصر، وبزغت أنفاس إصلاحية وتنويرية بعد رجوع طلبة تلك البعثات، لا سيما بعدما تولى بعضهم مناصب في الدولة. وبحلول النصف الثاني من القرن نفسه، باتت إيران ساحة تنافس بين الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية، وأدت تلك المنافسة إلى فرض سلسلة من الامتيازات الاقتصادية والسياسية "الاستعمارية" التي قيدت سيادة الدولة القاجارية وأضعفت بنيتها الاقتصادية، على نحو تلك الامتيازات التي فرضها الأجانب في مصر في عهد الخديوي إسماعيل، ونالت من السيادة المصرية.
بلغت هذه السياسة ذروتها مع امتياز التبغ عام 1890 الذي منح شركة بريطانية احتكار تجارة التبغ في إيران، مما أثار موجة واسعة من الاحتجاجات الشعبية، لأنه لم يكن فقط صفقة اقتصادية، بل كان رمزا لفقدان السيادة الوطنية.
أرسل جمال الدين الأفغاني حينها رسالة شديدة اللهجة إلى الميرزا الشيرازي في سامراء يحثه فيها على إصدار فتوى بخصوص التنباك، فأصدر الشيرازي فتواه الشهيرة التي حرم فيها استعمال التبغ، وتحولت هذه الفتوى إلى حركة جماهيرية واسعة أجبرت الشاه على إلغاء الامتياز. كانت هذه الفتوى فارقة في تاريخ التشيع الحديث والمعاصر، إذ أدرك فقهاء الشيعة قوتهم ومكانتهم في المجتمع، فأحدثت الفتوى تحولا داخل الحوزة أولا، ثم في علاقة الفقهاء بالعامة والمجتمع ثانيا، فباتت الحوزة فاعلة في حياة الناس، ومركزية في المشهد السياسي.
"كانت فتوى تحريم التبغ فارقة في تاريخ التشيع المعاصر، إذ أدرك فقهاء الشيعة قوتهم ومكانتهم في المجتمع".
وإذا أردنا معرفة مطالب حركة التنباك، وجب أن ننظر في فلسفة منظريها. ويعد جمال الدين الأفغاني أبرز المنظرين ممن وقفوا وراء فتوى الشيرازي وهو الذي ذهب إلى إيران مرارا ليقنع الشاه بدولة دستورية برلمانية، ويحث النخب الدينية والسياسية على المطالبة بدولة دستورية برلمانية، كما فعل في مصر مع الخديوي إسماعيل ثم توفيق. وهكذا يمكن فهم حركة التنباك ضمن صورتها الأوسع، أي باعتبارها تمهيدا للدستورية. فالأفغاني لما يئس من استجابة الشاه الإيراني، حث الشعب على مقاومته، كما نقل سكاون بلنت الدبلوماسي البريطاني السابق أنه أيضا أراد اغتيال إسماعيل في القاهرة، بغية تأسيس جمهورية دستورية من بعده.
كذلك يمكن قراءة حركة التنباك في إطار أوسع، بوصفها أول مواجهة اجتماعية-دينية واسعة مع الإمبريالية الاقتصادية الغربية في إيران الحديثة. فالامتيازات الاقتصادية التي منحتها الدولة القاجارية للشركات الأجنبية لم تكن فقط عقودا تجارية، بل كانت جزءا من نظام تبعية اقتصادية فرضته القوى الأوروبية على الدول الضعيفة في القرن التاسع عشر. لذلك تحولت فتوى الشيرازي من حكم فقهي جزئي إلى أداة مقاومة سياسية ضد الاختراق الإمبريالي.
"هكذا كانت التنباك حركة تمهيدية للثورة الدستورية عام 1905، التي طالبت بدولة دستورية برلمانية، وتقييد الحكم المطلق للشاه، وتفعيل الدور الرقابي للشعب، والحق السياسي للأمة".
ومن منظور فلسفي وسياسي، يمكن فهم حركة التنباك باعتبارها لحظة تأسيس/ نشوء وعي جديد بالسيادة؛ إذ أدركت الجماعة الإيرانية أن السيطرة الأجنبية قد تأتي عبر الاقتصاد والتجارة لا عبر الاحتلال العسكري وحده. هنا في تلك اللحظة تشكل تيار وطني ديني سيظهر أثره بعد سنوات قليلة في الثورة الدستورية، ثم في خطابات مناهضة للغرب في القرن العشرين قبل الثورة الإسلامية وبعدها.
كانت الثورة الدستورية عام 1905 لحظة فارقة في تاريخ إيران والجماعة الشيعية بل والعالم الإسلامي، ولا يمكن فهمها بعيداً عن تشكل وعي الجماعة الإيرانية والشيعية في أحداث التنباك، أو ما سماه آية الله الطالقاني بـ"النهوض العظيم".
كانت رسائل جمال الدين الأفغاني السابقة للميرزا الشيرازي وكفاحه ضد ناصر الدين شاه ودعوته إلى دولة دستورية، قد آتت أكلها بين النخب الدينية والثقافية الإيرانية، كما آتت أكلها من قبل في مصر، فانقسم الناس في الثورة الدستورية إلى فريقين: فريق يدعم الدستورية ويؤصل لها من داخل الشريعة والإرث الشيعي، وفريق يشنع على الدستورية ويتهم الدستوريين بالكفر أو تقليد الغرب، ويدافع عن "الاستبداد"، ولا يزال هذا الجدل حاضرا بصورة ما في النزاع السياسي الشيعي المعاصر.
وهكذا ظهر تيار الدستورية أو "المشروطة"، فقد أصَّل بعض الفقهاء، على رأسهم الميرزا محمد حسين النائيني، للدستورية من قلب التراث الإسلامي، والفقه السني والشيعي. وإذا كان فريق المستبدة (Absolutism) اتهم الدستورية بالبدعة فإنّ النائيني رد عليهم من داخل منهجهم، فاتهم الاستبداد بالبدعة، قائلا في مقدمة كتابه: "إن كتابة هذه الرسالة هي لتنبيه الأمة إلى ضرورة الشريعة وتنزيه الملة من الزندقة والإلحاد والبدعة (أي: بدعة الاستبداد)، لذلك سميتها تنبيه الأمة وتنزيه الملة".
أما عن مبادئ الدستورية فأهمها: تقييد سلطة الحاكم، والحق السياسي للأمة في المراقبة والتشريع والمحاسبية السياسية، فنجد النائيني يركز كثيراً على مسألة "الرقابة" و"الحساب" و"المسؤولية"، و"ضمانة المشاركة الشعبية الكاملة"، و"المساواة بين الشعب والسلطان" و"الحرية" و"المساواة".
ثم أصل النائيني لفكرة "مجلس الشعب" على أصول أهل السنة قائلا: "إنها تابعة لدليل ولاية أهل الحل والعقد"، ثم يجعل انتخاب تلك المجالس من الشعب: "هو الذي يعطيها صفة أهل الحل والعقد"، كما يجعل وجود لجنة من الفقهاء في مجلس الشورى لتمرير القوانين على الشريعة الإسلامية، كافيا لإسباغ المشروعية على عمل المجلس. أما المساواة فيجعل النائيني عموم أفراد الشعب في مساواة تامة مع الحاكم في جميع الحقوق والأحكام.
"في الفكر السياسي التقليدي، كانت الأمة غالباً موضوعاً للسلطة، بينما حولها النائيني إلى فاعل سياسي يمتلك حق الرقابة على الحاكم".
أما عن فكرة "الرقابة الشعبية" التي أسس لها النائيني، فهي إعادة تعريف لدور الأمة في النظام السياسي. ففي الفكر السياسي التقليدي، كانت الأمة غالباً موضوعاً للسلطة، بينما حولها النائيني إلى فاعل سياسي يمتلك حق الرقابة على الحاكم. وقد استند النائيني في ذلك إلى مجموعة من المبادئ الفقهية، أبرزها: مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومبدأ الوكالة العامة للأمة، ومبدأ منع الظلم والطغيان. ومن خلال هذه المبادئ، عمل النائيني على تأسيس فكرة أن الأمة تمتلك حقاً شرعياً في مراقبة السلطة السياسية، وقد اعتبر أن البرلمان يمثل الأداة المؤسسية التي تمارس الأمة من خلالها هذا الحق.
لكن النائيني لم يقبل بفكرة السيادة الشعبية المطلقة كما في الفكر الليبرالي، بل وضعها ضمن إطار ديني تجنبا لمعركته مع التقليديين من الزعماء الدينيين المناهضين للدستورية، فالقوانين التي يسنها البرلمان يجب أن تخضع لرقابة لجنة من العلماء لضمان عدم تعارضها مع قطعيات الشريعة، فذلك كاف لإسباغ شرعيتها.
أما التيار الثاني الذي ظهر في ذلك الوقت فأطلق عليه بـ"تيار المستبدة". لقد كانت الدستورية لحظة صراع فكري ولاهوتي حول ماهية السلطة نفسها، ففي مقابل التيار الدستوري ظهر تيار تقليدي يناصر الاستبداد ويؤصل له، قاده بعض العلماء مثل الشيخ فضل الله النوري الذي رأى في الدستور المستوحى من أوروبا تهديداً لسيادة الشريعة.
وهنا تكشف الثورة الدستورية عن مفارقة عميقة: فهي من جهة أسست للانتقال من الحكم المطلق إلى فكرة الدولة المقيدة بالقانون، لكنها في المقابل، كشفت صعوبة التوفيق بين اللاهوت السياسي التقليدي ومفاهيم الدستورية، بعبارة أدق: صعوبة إقناع نفر من الفقهاء ورجال الدين بمركزية الدستور وأهمية ضمانات الحكم وتقييد يد الحاكم، والحق السياسي للأمة. ولذا شنّ النائيني هجوما عنيفا عليهم، قائلا إن الطاغية: "لا يعدم في تحقيق هذه المقاصد (يقصد: الطغيان والترفع عن المساءلة) أشباه علماء، يصطنعون له من المبررات ما شاء، فهو بعونهم ودعمهم يضع نفسه في مقام الرب سبحانه وتعالى الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون".
"وبخ النائيني العلماء الذين دافعوا عن الاستبداد قائلا إنهم بدلا من أن يذعنوا للحق، روجوا الادعاءات الباطلة بأن المطالبة بالإصلاح تبديل للدين، وخروج عن الصراط المستقيم، تماما كما فعل فرعون".
هنا مفارقة لا يمكن تجاوزها. فالشيخ فضل الله النوري، زعيم التيار المناهض للدستورية، أقر قبل إعدامه أن خلافه مع الدستوريين كان خلافا شخصيا ومصلحيا في شقه الأكبر، على نحو ما نقل المؤرخ روي متحدة في كتابه "بردة النبي: الدين والسياسة في إيران".
رغم ذلك، فقد كان الخميني معجبا بفضل الله النوري، ونصره بعد نجاح الثورة الإسلامية وسُميت شوارع باسمه، ووضع اسمه على مؤسسات رسمية، مما جعل البعض يردد أن الخميني هو الامتداد الطبيعي لفضل الله النوري في منهجه وموقفه من الدستورية، وبالفعل وصف الخميني الدستورية بأنها ثورة مدعومة من الغرب، وأن دستورها ليس إسلاميا، بل إن قوانين الدستورية "بلجيكية وإنجليزية".
انعكس الخلاف حول الدستورية في إيران على النجف، فانقسمت حوزة النجف إلى فريق "داعم للمستبدة" وآخر "مؤيد للمشروطة". كان الميرزا الخليلي (حسن خليل) هو مرجع النجف الأكبر حينئذ، وكان زميل الميرزا الشيرازي، وكان يدعم الدستورية مع بعض رفاقه وتلامذته، مثل الآخوند الخراساني (محمد كاظم) الذي تولى أمر المرجعية بعد الخليلي، ودعم الدستورية بشدة، وأصل لها من داخل الفقه. وكان ثالثهم الفقيه عبد الله المازندراني. وقد أصلوا للدستورية باعتبارها ليست بدعة غربية، بل وسيلة لمنع الاستبداد السياسي، وحماية العدالة، وضبط السلطة وفق مبادئ الشريع، وارتأوا أن الدستور هو الحل الوحيد لمنع الطغيان في زمن غيبة الإمام.
كان المنافس الأهم للآخوند الخراساني على تولي منصب المرجعية بعد وفاة المرجع الخليلي هو محمد كاظم يزدي، لكنّه دعم التيار المناهض للدستورية وأصل لذلك باعتبار أن الدستورية بدعة غربية، وموافقة للكفار وأعداء الدين. أما النائيني المنظّر الأهم للدستورية فقد كان تلميذ الآخوند الخراساني، وكتب الآخوند بنفسه مقدمة لكتاب "تنبيه الأمة".
إذا كانت نظرية النائيني تمثل محاولة لتقييد السلطة السياسية، فإن نظرية ولاية الفقيه التي صاغها روح الله الخميني تمثل تحولاً جذرياً في اتجاه معاكس. ففي سلسلة دروسه التي ألقاها في النجف في أواخر ستينات القرن العشرين، والتي نشرت لاحقاً تحت عنوان "الحكومة الإسلامية"، قدم الخميني تصوراً جديداً لمسألة السلطة في عصر الغيبة. وقد انطلق من زاوية مختلفة تماماً عن زاوية النائيني، فبدلاً من اعتبار السلطة السياسية ناقصة الشرعية في عصر الغيبة، رأى الخميني أن الفقيه يمتلك نيابة عامة عن الإمام المعصوم تمنحه حق ممارسة السلطة السياسية الكاملة.
"بدلا من اعتبار السلطة السياسية ناقصة الشرعية في عصر الغيبة، رأى الخميني أن الفقيه يمتلك نيابة عامة عن الإمام المعصوم تمنحه حق ممارسة السلطة السياسية الكاملة".
بهذا المعنى، لم تعد وظيفة الفقيه مجرد الرقابة على السلطة، بل باتت ممارسة للسلطة نفسها. ليس هنا مكمن الاختلاف، فذلك طبيعي وبدهي أن يمارس الفقيه دوره السياسي كأي فرد من أفراد الأمة، له ما لهم وعليه ما عليهم، لا سيما إذا اختاره الناس، وانتخبته الجماهير، بيد أن الأهم في نظرية الخميني أن الفقيه أو بعبارة أدق: الولي الفقيه، لا يمارس عملا سياسياً، بل هو وليّ ووصيّ لا يُنتخب، بل يُنصّب بعد أن يُكتشف من مجلس الخبراء (يعرف ذلك بنظرية الكشف).
في نظرية الخميني، بخلاف النائيني، لم يمركز مسألة الرقابة الشعبية، والمحاسبية السياسية، وحق الأمة السياسي، فضلا عن الحرية والمساواة بين الحاكم والمحكوم. وقد أدى هذا التحول إلى إعادة تعريف العلاقة بين الديني والسياسي في الفكر الشيعي. فبينما كان العلماء (أو لجنة منهم على الأصح) في دستورية النائيني يقفون خارج الدولة باعتبارهم مراقبين أخلاقيين وتشريعيين في البرلمان، أصبحوا عند الخميني قلب الدولة ومصدر شرعيتها، بقيادة الولي الفقيه.
قبل أن يؤصل الخميني لنظريته "ولاية الفقيه"، مهّد بشنّ غارة على الدستورية واتهمها نفس الاتهامات التي روجها الشيخ فضل الله النوري من قبل، فهي عنده معبرة عن إرادة الإنجليز والأعداء، واستوردت قوانين غربية بلجيكية وبريطانية لمحو الإسلام من إيران "وطرده من ميدان التطبيق". ثم نظّر لولاية الفقيه بقوله: "وإذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل، فإنه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي صلى الله عليه وسلم، ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا". ثم جعل الولي الفقيه قيّماً على الشعب بأسره كما أن الكبير قيّم على الصغار: "لا تختلف مهمته عن القيم على الصغار إلا من ناحية الكمية"، كما جاء في كتاب "الحكومة الإسلامية".
وبينما نجد في نظرية النائيني دورا محوريا للأمة في النظام السياسي، لأنها تمارس الرقابة على السلطة عبر البرلمان والمؤسسات الدستورية، نجد في نظرية الخميني أن الأمة لا تمارس السيادة السياسية بشكل مباشر، بل تمنح الشرعية للنظام من خلال البيعة أو المشاركة في المؤسسات السياسية التي تعمل تحت إشراف الولي الفقيه. وبذلك تتحول الأمة من فاعل سيادي في النظرية الدستورية إلى قاعدة اجتماعية للنظام السياسي في ولاية الفقيه.
" تتحول الأمة من فاعل سيادي في النظرية الدستورية إلى قاعدة اجتماعية للنظام السياسي في ولاية الفقيه".
يبين الخميني أن الحكومة في الإسلام "دستورية"، لكنها ليست دستورية بالمعنى المتعارف الذي يراقب فيه البرلمان الحكومة أو تتشكل فيه اللجان الشعبية، إنما دستورية بمعنى آخر وهو أنّ: "القائمين بالأمر يتقيدون بمجموعة الشروط والقواعد المبينة في القرآن والسنة، والتي تتمثل في وجوب مراعاة النظام وتطبيق أحكام الإسلام، وقوانينه، ومن هنا كانت الحكومة الإسلامية هي حكومة القانون الإلهي". أما عن سلطات الولي الفقيه فهي مطلقة، يقول: "والسلطات الموجودة عند النبيّ وولاة الأمر الشرعيين من بعده إنما هي مستمدة من الله".
ومن أهم التحولات التي أحدثها الخميني في المسار الشيعي، ربط التشيع بالسلطة السياسية. فبعد أن كان الفقيه الشيعي ينأى بنفسه عن السياسة برمتها كما عند الانتظاريين أو "المنتظرة" بتعبير الغزالي، أو يشارك فيها إشرافا ومراقبة كما في تجربة النائيني، أو بالنصح والإرشاد وبعض المناصب كما في تجربة الكركي، فإنه في تجربة الخميني أمسك بنفسه زمام السلطة، وبذلك نقد السلطة التي رأسها الولي الفقيه، "عملا من أعمال الخيانة للدين والمذهب والمعصوم"، بعد أن كانت المعارضة والثورة عملا مقدسا ومقصدا من مقاصد الإسلام. وهو ما يطرح سؤالا مهما: من يمكنه أن يسأل السلطة ويراقبها ويقوّمها؟ هنا نجد الفارق بين منهجي النائيني والخميني.
لقد انتقد الخميني حكام الجور في عصره وقبل عصره، لكنه لم يفترض تحول الوليّ الفقيه واحتمال ممارسته للجور، وافترض صلاحه بمجرد حيازته المؤهلات التي اشترطها له وهي العدالة والفقه بالقانون، واكتفى بالكوابح الداخلية كالتقوى والمروءة لكنه لم يؤصل للكوابح الخارجية المتمثلة في آليات ومؤسسات الرقابة والمحاسبية السياسية. ويتجاهل ذلك حقيقة أن الفقيه بشر، تعتريه العوارض البشرية، من ثم قد يظلم ويبطش ويسفك الدماء على غرار الشاهانية والفرعونية التي حذر الخميني منها.
من أهم التحولات التي أحدثها الخميني في المسار الشيعي، ربط التشيع بالسلطة السياسية (أسوشيتد برس)نعم ربما وضع الخميني احتمالا عقلانيا لفقدان الفقيه للعدالة لكنه لم يبين آلية التحقق من ذلك ومن ثم عزله ومحاسبته. وحتى مع التسليم بالتحقق من فقدان العدالة، فإن مجلس الخبراء مجرد كاشف في التنصيب والعزل، وهذا يجعل العزل أشبه بالمستحيل.
ثم إنه كذلك لم يحسم الإشكالات المتعلقة بشمولية ولاية الفقيه، هل تشمل ولايته غيره من الفقهاء أم تشمل العامة والمقلدين وحدهم؟ وإذا شملت غيره من الفقهاء، هل عليهم أن يتركوا الاجتهاد ويقلدوه هو؟ وماذا عند التعارض في المصالح والمخرجات؟ وهل تشمل ولايته من هم خارج الحدود أم من هم داخل الحدود فقط؟ وهل تشمل الشيعة وحدهم أم المسلمين كافة؟
"ربما وضع الخميني احتمالا عقلانيا لفقدان الفقيه للعدالة لكنه لم يبين آلية التحقق من ذلك ومن ثم عزله ومحاسبته".
هناك أسئلة أخرى مركزية طرحها المنظّرون الأول للثورة الإسلامية ولولاية الفقيه، متعلقة بمستقبلها وفاعليتها أو أفولها واندثارها. يضع مرتضى مطهري شروطا لنجاح الثورة ونموذجها الفكري، أهم تلك الشروط العدالة والحرية والمساواة، فيقول عن العدالة: "إنني أؤكد أن ثورتنا لو لم تسر بمسير العدالة فلا شكّ أنها لن تصل، إلى النتيجة المرجوة، ويبقى هذا الخطر فيحل محلها ثورة أخرى". ويقول عن الحرية: "علينا جميعا أن نحترم الحريات بكل معنى الكلمة".
ثم يحذر مطهري من تسلل العناصر الانتهازية واستيلائها على الثورة، وتظاهر الانتهازيين بالثورية: "إلى درجة يتفردون بالساحة ويخرجون الثوار المؤمنين والمضحين الأوائل من ساحة النصر". ويقرر مطهري ألا مستقبل للثورة بدون "عدالة اجتماعية".
ويقود هذا إلى سؤال السعادة، وهو السؤال الفلسفي الأشهر، إذ يذكر محمد حسنين هيكل في كتابه "مدفع آيات الله" أن الخميني أخبره أن الثورة لم تقم للقضاء على الفقر، بل لتطبيق الشريعة، لكن قبل ذلك بسنين ذكر الخميني في كتابه "الحكومة الإسلامية" أن إسعاد الناس اقتصاديا هو عمل من أعمال الشريعة.
لا تزال تلك الاختلافات حاضرة بين الجماعة الشيعية، فالإصلاحيون الإيرانيون اليوم يرجعون بجذور أفكارهم إلى النائيني والآخوند والخليلي، والولائيون "القائلون بولاية الفقيه" يرجعون بجذورهم إلى فضل الله النوري وغيره ممن عارضوا الدستورية. والمقارنة اليوم بين الميرزا النائيني وروح الله الخميني لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد اختلاف فقهي في تفاصيل الحكم، بل باعتبارها تحولاً في البنية الفلسفية للفكر السياسي الشيعي. فكل منهما ينطلق من تصور مختلف لطبيعة السلطة في عصر غيبة الإمام، وهو ما يؤدي إلى نتائج سياسية متباينة جذرياً.
"الإصلاحيون الإيرانيون اليوم يرجعون بجذور أفكارهم إلى النائيني والآخوند والخليلي، والولائيون يرجعون بجذورهم إلى فضل الله النوري وغيره ممن عارضوا الدستورية".
ففي نظرية النائيني، تظل الشرعية الكاملة للسلطة السياسية غير ممكنة في عصر الغيبة، لأن الإمامة، باعتبارها "منصبا إلهيا"، غائبة، ولذلك فإن أي سلطة سياسية قائمة ستكون بالضرورة سلطة ناقصة الشرعية؛ لكن هذا النقص لا يعني رفض السلطة السياسية بالكامل، بل يفرض البحث عن نظام يحد من فسادها، وهو النظام الشوري الدستوري. ومن هنا يبرر النائيني النظام الدستوري باعتباره آلية لتقليل الظلم، وتقييد يد الحاكم، وارتكاب أخف الضررين، وليس لإنتاج شرعية مطلقة.
أما الخميني فينطلق من تصور مختلف جذرياً، فهو يرى أن للفقيه نيابة عامة عن الإمام المعصوم، وأن هذه النيابة تمنحه سلطة شرعية كاملة مطلقة لإقامة الدولة الإسلامية، تمهيدا لتأسيس حكومة عالمية ومن ثم ظهور المعصوم، وبالتالي فإن السلطة السياسية لا تكون ناقصة الشرعية، بل يمكن أن تكون امتداداً للسلطة الدينية نفسها. كذلك فإن هذا الاختلاف يعكس تحولاً عميقاً في تصور العلاقة بين الفقيه والسياسي، ففي نظرية النائيني، الفقه يمثل إطارا أخلاقيا يحد من السلطة، بينما في نظرية الخميني يصبح الفقه مصدر السلطة نفسها.
بالنسبة لموقع الفقيه ففي نظرية النائيني فإن له موقع المرجعية الأخلاقية والرقابية، فهو ليس حاكماً بالمعنى السياسي، بل ضامن لعدم خروج النظام السياسي عن قطعيات الشريعة. أما في نظرية الخميني فإن الفقيه يتحول إلى السلطة العليا في الدولة، فهو القائد الذي يمتلك صلاحيات واسعة تشمل قيادة الجيش والإشراف على المؤسسات السياسية وتحديد الاتجاه العام للدولة، كذلك فإن الخميني قدم الحكم الولائي، أي قول الولي الفقيه، على الحكم الأولي والثانوي الشرعي، وجعل صلاحيات الولي الفقيه مطلقة وشاملة بحيث يلغي إذا شاء أي حكم شرعي أو سياسي إذا كان ثمة مصلحة، فالفقيه ليس مرشدا دينيا ولا رقيبا أو ضامنا، بل هو قائد أعلى للدولة يحل محل المعصوم.
وحاصل القول، فإن تاريخ الفكر السياسي الشيعي الحديث هو عبارة عن سلسلة من المحاولات المتعاقبة للإجابة عن سؤال واحد ظل مفتوحاً منذ عصر الغيبة: كيف تُدار الجماعة الشيعية في غياب المعصوم باعتباره مركز السيادة؟ فقد أنتج هذا الغياب 3 أنماط من التفكير السياسي داخل التشيع الإمامي؛ نمط انتظاري يؤجل اكتمال الشرعية إلى زمن ظهور الإمام، ونمط دستوري يسعى إلى ضبط السلطة البشرية وتقليل شرورها في زمن الغيبة، ونمط ولائي يحاول إعادة تأسيس السيادة الدينية داخل الدولة عبر نظرية النيابة العامة للفقيه.
"أنتجت معضلة غياب الإمام 3 أنماط من التفكير السياسي داخل التشيع الإمامي؛ نمط انتظاري يؤجل اكتمال الشرعية إلى زمن ظهور الإمام، ونمط دستوري يسعى إلى ضبط السلطة البشرية في زمن الغيبة، ونمط ولائي يمنح الولاية المطلقة للفقيه".
هنا يتضح أن زمن الحرب ولحظة الاشتباك الذي تعيشه المنطقة اليوم، ليس منفصلاً عن هذا المسار الفكري الطويل، فحين تتحول الدولة إلى حاملٍ لمشروعٍ لاهوتي وسياسي في آنٍ واحد، فإن صراعاتها الخارجية لا تعود مجرد نزاعات على النفوذ أو المصالح، بل تتحول إلى مواجهاتٍ تُقرأ داخل المجتمع باعتبارها اختباراً لمشروعية النظام برمته، ومن هنا يصبح السؤال عن طبيعة السلطة في الفكر السياسي الشيعي، وعن العلاقة بين الفقيه والدولة والأمة، سؤالاً يتجاوز حدود الفقه والتاريخ ليغدو جزءاً من فهم التحولات الجيوسياسية الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط منذ عهد الاستعمار حتى الآن.
الخميني يرى الفقيه نائبا عن الإمام المعصوم وأن هذه النيابة تمنحه سلطة شرعية كاملة مطلقة لإقامة الدولة الإسلامية (غيتي)إن السؤال الكامن في قلب تلك التحولات هو: من يملك السيادة في عصر غيبة الإمام؟ وهو سؤال أعمق من سؤال: من يحكم؟ وهل الحكم شرعي أو غير شرعي؟ لأن سؤال الشرعية قد يُجاب عنه فقهياً، أما سؤال السيادة فهو سؤال ميتافيزيقي- سياسي في آنٍ واحد.
فالنائيني في الحقيقة لا يحل مشكلة السيادة حلاً كاملاً، بل يدير غيابها وفقدانها في زمن الغيبة. أما الخميني فمشروعه أعمق من مجرد "إعطاء الفقيه سلطة سياسية"، فهو في الحقيقة يحاول أن يحل مشكلة الغيبة عبر نقل السيادة من الإمام الغائب إلى الفقيه الحاضر، الولي الفقيه الأعلم والمجتهد والأكفأ، فلا يكتفي بالقول إن الفقيه يشرف أو يراقب؛ بل يقول ضمناً: هناك سيادة يجب أن تبقى حاضرة في التاريخ، ولا يجوز أن يبقى المجتمع بلا مركز سيادي، ولذلك فإن الفقيه يتولى هذه الوظيفة باعتباره نائبا عن المعصوم.
"حاول الخميني أن يحل مشكلة الغيبة عبر نقل السيادة من الإمام الغائب إلى الفقيه الحاضر".
وفي ظلال الحرب الراهنة تبدو هذه المسألة أكثر من مجرد جدلٍ نظري في تاريخ الأفكار، إذ تكشف المواجهة الحالية بين إيران من جانب والولايات المتحدة وإسرائيل من جانب آخر، حدود الصيغة التي تأسست عليها الدولة الإيرانية نفسها. فالدولة التي ربطت بين السيادة السياسية والشرعية اللاهوتية تجد نفسها اليوم أمام اختبارٍ تاريخي حقيقيّ: اختبار القدرة على تحويل المقدس السياسي إلى قوةٍ قادرة على الصمود في نظام دولي تحكمه موازين القوة والمصالح الاستراتيجية.
وهنا يعود السؤال الذي بدأه النائيني قبل أكثر من قرن: هل الطريق إلى حماية المجتمع يمر عبر تركيز السلطة في مركزٍ سيادي واحد يتكلم باسم الدين، أم عبر تقييد السلطة وتقسيمها وإخضاعها للرقابة الدستورية والمحاسبة السياسية؟ هنا تتجلى مركزية الدستورية وأهميتها ليس في إيران فحسب، بل في الشرق كلّه، كما نشد الأفغاني وكافح عبده وعمل أمثال شريعتي ومالك بن نبي وبقية المصلحين في الشرق الإسلامي!
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة