“نحن ننتظرهم”، بهذه العبارة المتقضية التي توحي بالثقة والاستعداد، رد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على سؤال بشأن احتمال حصول غزو بري أميركي لإيران، في تصريح انتشر سريعا على الإنترنت، قبل أن تعززه وكالة تسنيم ، المقربة من الحرس الثوري، بزعم مفاده أن إيران تستعد بأكثر من “مليون مقاتل” لمواجهة أي توغّل محتمل لأراضيها.
لكن إلى أي مدى يعكس هذا الرقم حقيقة الأوضاع على الأرض؟
مع شحّ المصادر التي تقدم تقديرات دقيقة، يكتنف الغموض حجم القوة القتالية الإيرانية، كما يقول بن كونابل، الخبير العسكري والباحث في دراسات الأمن بجامعة جورجتاون، في حديثه مع “الحرة”. ويشير إلى أن “أي حديث عن تقدير دقيق لحجم هذه القوة قد يكون مبالغا فيه إلى حد يصعب تصديقه”. وفي المقابل، لا تعكس هذه الأرقام بالضرورة قوة موحدة على الأرض، كما لا تعني وجود تشكيل ميداني متجانس وجاهز لخوض معركة تقليدية واحدة.
وبعد شهر من التصعيد في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، ترافق رقم “المليون مقاتل” مع الحديث عن تدفق متطوعين إلى الجيش والحرس الثوري وقوات التعبئة أو ما تعرف بـ “الباسيج”، وهي القوى التي تمثل المنظومة العسكرية الإيرانية.
التقديرات المتاحة التي أوردتها بعض مراكز الدراسات تشير إلى أن القوات النظامية الإيرانية تقارب 400 ألف عنصر، بينها نحو 350 ألفا في القوات البرية، ورغم كثرة العدد إلا أنها بوزن سياسي أقل من الحرس الثوري الذي تقدّر منظومته بأكثر من 190 ألفا ، منهم أكثر من 150 ألفا في القوات البرية.
ومهمة الحرس الأساسية هي حماية النظام، وهو يقود برنامج الصواريخ ويؤثر بعمق في القرارات الأمنية، ويمتلك هيكلا موازيا لسلطة الدولة.
أما متطوعو “الباسيج”، وهي شبكة تعبئة محلية تخضع رسميا لقيادة الحرس الثوري منذ عام 2007 . وتشير التقديرات إلى أن عدد منتسبيها يبلغ عدة ملايين، بينهم نحو مليون عضو يُصنَّفون كـ”نشطين”، وهو توصيف تنظيمي لا يعكس بالضرورة جاهزية قتالية نظامية.
يقول رافائيل كوهين، مدير برنامج الاستراتيجية والعقيدة في مؤسسة “راند” في حديث لـ”حرة”، إن إيران أعلنت مؤخرا توسيع عمليات التجنيد، بما في ذلك السماح بانضمام فئات عمرية صغيرة إلى الباسيج “لا تتجاوز أعمارهم 12 عاما” ، وأن هؤلاء المجندين “لن يكونوا مدرّبين بالمستوى نفسه الذي يتمتع به الجنود الأكثر خبرة” .
كما أن جغرافيا المعارك تلعب دورا إضافيا في كفاءة هذه القوة؛ إذ يلفت الخبير العسكري العميد الركن المتقاعد خلفان الكعبي، في حديثه لـ”الحرة”، إلى أن الإشكال لا يكمن في حجم التعبئة بقدر ما يكمن في القدرة على تحويلها إلى قوة فعالة في الميدان.
فبحسب تقديره، إذا انتقلت المواجهة من البر الإيراني إلى الجزر، فإن التحدي لا يعود في حجم التعبئة المُعلَن، بل في القدرة الفعلية على نقل هذه القوات وتجهيزها وإيصالها إلى ساحة القتال، وهو ما يجعل الرقم أقرب إلى أداة دعائية منه إلى قوة جاهزة للحسم الميداني.
ويأتي كل ذلك في وقت تشير فيه تقييمات استخباراتية أميركية إلى أن القوات البرية والجوية الإيرانية، رغم كونها من بين الأكبر في المنطقة، لا تزال تعتمد على أنظمة قديمة وتواجه قيودا في التدريب والتحديث، ما يعكس فجوة بين الحجم العددي والجاهزية القتالية الفعلية.
ولفهم شكل الحرب البرية المحتملة، لا بد من التوقف عند بنية الجيش الإيراني، التي تقوم على نموذج مزدوج يجمع بين جيش نظامي يتولى مهام الدفاع التقليدي، وحرس ثوري مواز يتولى حماية النظام وإدارة المعركة الاستراتيجية.
ووفقا لتقديرات صادرة عن معهد الشرق الأوسط ووكالة استخبارات الدفاع الأميركية، يتولى الجيش النظامي الإيراني مهمة الدفاع التقليدي وامتصاص الصدمة الأولى، بينما يقود الحرس الثوري العمليات غير المتكافئة ويحافظ على استمرارية القيادة، في حين تعمل قوات الباسيج كشبكة انتشار محلية قادرة على تحويل المدن إلى بيئة قتالية معقدة يصعب ضبطها.
وقد طوّرت إيران، استنادا إلى خبرتها في حربها مع العراق، ما يُعرف بـ “الاستراتيجية الفسيفسائية” ، وهي عقيدة دفاعية تقوم على وحدات صغيرة لا مركزية قادرة على الاستمرار حتى مع تعطّل القيادة، وتهدف إلى احتواء الاختراق وتحويله إلى حرب استنزاف طويلة.
لذلك، فإن الاحتمال الأكثر واقعية ليس معركة حسم سريعة، بل انتقال إلى حرب مدن واستنزاف طويل. وتصف تقارير وكالة استخبارات الدفاع الأميركية العقيدة الإيرانية بأنها قائمة على “تكتيكات حرب عصابات” وإيجاد بدائل سريعة.
و يقول المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الإيرانية رضا طلائي: “لدينا ثلاثة مستويات من البدلاء لكل قائد” .
في المقابل، يرى رافائيل كوهين أن الضربات التي تستهدف القيادات العليا “تُضعف القدرة على القيادة والسيطرة من الأعلى” ، لكنها تدفع أيضا إلى “مزيد من اللامركزية، حيث يكتسب القادة الأدنى هامشا أوسع للتحرك بشكل مستقل” .
لهذا السبب، لم تتحقق فرضية الانهيار الداخلي حتى الآن، وتبقى الحدود البحرية نقطة الضعف الأكثر حساسية لغزو محتمل، ما دفعها إلى تطوير عقيدة بحرية تقوم على منع أي إنزال بري محتمل.
بعد أسابيع من الضربات التي طالت أكثر من 150 سفينة إيرانية ، قد يبدو أن ميزان القوة البحرية حُسم أو “حُيد” سريعا، وفقا لبيانات القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) وتصريحات رسمية أميركية.
لكن في هذه الحرب، تدمير السفن لا يعني بالضرورة إزالة التهديد.
فوفقا لعدد من مراكز الأبحاث ، تعتمد البحرية الإيرانية على عقيدة غير متكافئة تقوم على تعطيل الخصم ورفع كلفة تحركه منذ المراحل الأولى، عبر أدوات مثل الزوارق السريعة والألغام والصواريخ الساحلية والطائرات المسيّرة، بدل خوض مواجهة بحرية تقليدية مباشرة—وهي مقاربة تُصنّف ضمن قدرات “منع الوصول”، وهو ما تشير إليه تحليلات صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية .
ويظهر هذا النهج بوضوح في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، ما يجعل أي تعطيل حتى ولو كان محدودا، قادرا على التأثير في الأسواق والضغط.
كما أن إيران لا تزال تحتفظ بميزة رئيسية، تتمثل في أن قواتها البرية أو “المليون مقاتل” لم تدخل حتى الآن في اشتباك مباشر واسع.
ومن هنا، لا يعود السؤال: هل يمكن الوصول؟ بل: ماذا بعد الوصول؟
ولتوضيح ذلك يمكن النظر إلى مدينة مثل بندر عباس، التي تضم نحو 500 ألف نسمة وتقع على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
قد تبدأ العمليات بإنزال أو سيطرة على مواقع محددة حول المدينة، بدعم جوي، في وقت يتحدث فيه وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، عن “سيطرة كاملة على الأجواء الإيرانية”. غير أن هذا التفوق، رغم أهميته، قد لا يحسم المعركة، وفق خبراء.
فالقوة الجوية الإيرانية لم تكن يوما محور استراتيجية طهران، كما أن طبيعة القتال، خاصة عند الانتقال إلى داخل النسيج الحضري تحدّ من أثر هذا التفوق.
يشير بن كونابل إلى أن مدنا بهذا الحجم قد تكون “أسهل في الدخول من السيطرة” ، مستحضرا تجارب مثل الرمادي في العراق، حيث استغرقت العمليات شهورا رغم التفوق العسكري.
ويعزز ذلك ما تشير إليه الأدبيات العسكرية الأميركية ، التي تقدّر الحاجة إلى نحو 20 عنصرا لكل ألف من السكان في عمليات السيطرة ومكافحة التمرد، ما يعني أن التحدي لا يكمن في دخول المدينة، بل في القدرة على الانتشار والاستمرار داخلها.
وإذا كان هذا التحدي ينطبق على مدينة واحدة، فإنه يتضاعف عند النظر إلى دولة بحجم إيران، التي يقدّر عدد سكانها بأكثر من 90 مليون نسمة وتمتد على مساحة شاسعة تتجاوز 1.6 مليون كيلومتر مربع، ما يجعل أي محاولة للسيطرة الكاملة مهمة بالغة التعقيد من حيث العدد والانتشار والقدرة على الاستدامة، نظريا على أقل تقدير.
المصدر:
الحرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة