آخر الأخبار

القصَّخون… حكاية المقاهي الرمضانية في الموصل العراقية

شارك
عبير الغانم مرتدياً زياً موصلياً تقليدياً، بينما يلتف الحضور حوله في انتظار بداية الحكاية.صورة من: Ismael Adnan/DW

في بيتٍ تراثي ثقافي في المدينة القديمة من الموصل، يجلس عبير الغانم مرتدياً زياً موصلياً تقليدياً، بينما يلتف الحضور حوله في انتظار بداية الحكاية. يرفع صوته قليلًا ويبدأ بالسرد، متنقلًا بين أحداث القصة وتفاصيلها بأسلوب حيّ يعيد إلى الأذهان شخصية قديمة كانت جزءًا من حياة المقاهي في المدينة: "القصَّخون”، أو الحكواتي.

تعود تسمية "القصَّخون” إلى كلمة مركبة من "قِصّة” و"خون”، وهي لفظة عثمانية معناها "راوي القصص"، ومع مرور الوقت أصبحت الكلمة تُطلق في اللهجة الموصلية على الشخص الذي يروي القصص للناس في المقاهي والأسواق.

عبير الغانم (52 عاماً) مخرج تلفزيوني، لكن علاقته بالتراث لم تبدأ مع الحكواتي، فقد عمل لسنوات في برامج تلفزيونية تهتم بالتراث المحلي، ما جعله قريباً من تاريخ المدينة وعاداتها. غير أن دخوله عالم القصَّخون لم يكن مخططاً له.

يقول الغانم إن البداية جاءت بالصدفة. ففي إحدى الاحتفاليات الرمضانية التي كانت تُقام في دائرة البلدية، كان المنظمون يبحثون عن شخص يؤدي دور الحكواتي ضمن برنامج الأمسية، حاولوا التواصل مع عدة أشخاص لتقمص هذه الشخصية، لكنهم لم يجدوا من يؤديها. عندها اقترح أحد أصدقائه العاملين في الإعلام أن يجرب الغانم أداء الدور.

يرتدي الغانم زياً موصلياً تقليدياً يعتز به كثيراً، لأنه يمثل لباس الأجداد في المدينة. يتكون الزي من "الدمير”، وهو أشبه بسترة تقليدية، إضافة إلى "الزبون” الذي يُلبس تحته، مع الغترة التي توضع فوق الرأس وفوقها غترة ثانية التي كانت جزءًا من اللباس الشعبي للرجال في الموصل قديماً. صورة من: Ismael Adnan/DW

"الدمير والزبون"

لم يكن متأكداً من قدرته على ذلك في البداية. ويقول: "قلت له إن لدي اهتماماً بالتراث، لكن ليس إلى الدرجة التي تؤهلني لتقمص شخصية الحكواتي”. غير أن تشجيع أصدقائه دفعه لخوض التجربة. اشترى ملابس تراثية موصلية وارتداها لأول مرة عام 2020، في تجربة لم يكن يتوقع أن تترك هذا الأثر. فسرعان ما لاقت الحكايات تفاعلًا كبيرًا من الحضور، ما شجعه على الاستمرار في تقديم هذا الدور في أمسيات رمضانية وفعاليات ثقافية مختلفة. منذ ذلك الحين، أصبح الغانم يُدعى إلى أمسيات رمضانية ومناسبات تراثية لتقديم الحكايات، وقبل كل أمسية، يحرص على التحضير للشخصية والظهور بالشكل الذي يليق بها.

يرتدي الغانم زياً موصلياً تقليدياً يعتز به كثيراً، لأنه يمثل لباس الأجداد في المدينة. يتكون الزي من "الدمير”، وهو أشبه بسترة تقليدية، إضافة إلى "الزبون” الذي يُلبس تحته، مع الغترة التي توضع فوق الرأس وفوقها غترة ثانية التي كانت جزءًا من اللباس الشعبي للرجال في الموصل قديماً. ويقول "إن ارتداء هذا الزي يمنحه شعوراً مختلفاً، كأن الزمن يعود سنوات إلى الوراء”، بالنسبة له، لا يتعلق الأمر بالملابس فقط، بل باستحضار التقاليد والقيم التي ارتبطت بتلك الفترة.

اتقان أساليب السرد

لحظة التفاعل مع الجمهور هي الأكثر أهمية بالنسبة له. فعندما يندمج الحاضرون مع القصة ويتابعون تفاصيلها، يشعر بأن الجهد الذي بذله في التحضير والسرد قد وصل إلى الناس. ويضيف أن "بعض الحاضرين يعودون إليَّ بعد انتهاء الأمسية ليسألوني عن القصة التي رويتها، أو عن بعض الكلمات باللهجة الموصلية التي ربما لم يفهموها، فيطلبون مني شرحها، كما يسألني آخرون عن موعد الأمسية المقبلة ليعودوا مجدداً للاستماع إلى الحكايات".

اختيار القصص ليس أمراً عشوائياً بالنسبة له، فالقصص القديمة جداً، كما يقول، قد لا تكون مناسبة دائماً لواقع المجتمع الحالي، لذلك يحرص على اختيار حكايات تحمل معنى واضحاً ومغزى يمكن أن يلامس الجمهور. ويشير إلى "أن الجمهور يميل عادة إلى القصص التي ليست قديمة جداً ولا حديثة بالكامل، بل تلك التي تحمل فكرة أو رسالة يمكن أن يستفيد منها المجتمع".

رغم ارتباط شخصية الحكواتي اليوم بالأمسيات الرمضانية،  فإن هذا التقليد لم يكن في الأصل مرتبطا بشهر رمضان، يوضح الغانم أن "القصَّخون كان يظهر غالباً في ليالي فصل الشتاء الطويلة، وكان الناس يقصدون المقاهي لقضاء الوقت والاستماع إلى القصص".

ويضيف الغانم "كان الحكواتي يجلس في المقهى ويضع أمامه كتاباً يقرأ منه الحكايات، وغالباً ما تكون من القصص الشعبية مثل قصص عنترة بن شداد، ولهذا عُرف أحياناً باسم قاري العنتريات”. استمر هذا التقليد في الموصل حتى ستينيات القرن الماضي تقريباً، لكنه بدأ يتراجع مع ظهور الراديو في المقاهي، ثم اختفى تدريجياً مع انتشار التلفزيون، عندما أصبح الناس يقضون وقتهم في متابعة البرامج بدلاً من الاستماع إلى الحكايات.

بعد سنوات طويلة من الغياب، عادت شخصية القصخون إلى الظهور في الموصل  بعد عام 2017، ضمن محاولات لإحياء التراث المحلي. ويشير الغانم إلى "أن الفنان الموصلي عبد الواحد إسماعيل كان من أوائل من أعادوا تقديم هذه الشخصية بعد تحرير المدينة، قبل أن أبدأ انا ايضاً في تقديمها عام 2020".

لم يكن الغانم يتوقع في البداية أن تتحول التجربة إلى جزء من حياته، لكن مع مرور الوقت، بدأ يبحث أكثر في تاريخ القصص الشعبية وأساليب السرد، مستفيداً من إتقانه اللهجة الموصلية التي تضفي على الحكايات طابعها المحلي. كما قدم شخصية القصَّخون في أماكن متعددة، من البيوت التراثية في الموصل  إلى مهرجانات وفعاليات ثقافية، وحتى في مناسبات خاصة، إضافة إلى تقديمها في مدن أخرى مثل بغداد. ويقول إن الجمهور غالبًا ما يتابع الحكايات باهتمام كبير، حتى إنه يلاحظ إذا كرر قصة سبق أن رواها أو أخطأ في كلمة، وهو ما يعكس اهتمام الناس بهذا التقليد.

يقول أحد الحاضرين: "إن أكثر ما يجذب إلى هذه الأمسيات هو أنها تعيد صورة الحياة القديمة في المدينة، عندما نستمع إلى الحكايات نشعر كأننا عدنا ثلاثين أو أربعين سنة إلى الوراء، إلى الأيام التي عشناها مع آبائنا وأجدادنا”.صورة من: Ismael Adnan/DW

عودة الروح إلى الحياة القديمة في الموصل

محمد عبد السلام السلو (58 عاماً)، من سكان المدينة القديمة في الموصل، يرى في جلسات الحكواتي عودةً إلى ذكريات الطفولة وأيام عاشها مع عائلته قبل عقود. ويقول "إن أكثر ما يجذبه إلى هذه الأمسيات هو أنها تعيد إليه صورة الحياة القديمة في المدينة، عندما نستمع إلى الحكايات نشعر كأننا عدنا ثلاثين أو أربعين سنة إلى الوراء، إلى الأيام التي عشناها مع آبائنا وأجدادنا”. ويستذكر السلو ما كان يرويه والده عن تلك الأيام، "حين لم تكن الكهرباء متوفرة دائماً، وكان الناس يجتمعون في السهرات الليلية ليتبادلوا الأحاديث، وأحياناً يحضر الحكواتي ليحكي قصص "العنتريات” والحكايات الشعبية". ويصف أجواء رمضان مع هذه الأمسيات بأنها تحمل "طعماً جميلًا من الماضي”، ويقول إنها تعيد إلى الأذهان "أيام الخير والبركة” التي يتذكرها كثير من أبناء المدينة.

أحمد حسين (55 عامًا)، أحد الحاضرين في الأمسية في الموصل ، يقول "إن هذه كانت المرة الأولى التي يشاهد فيها فعالية للقصَّخون عن قرب". ويضيف "سمعت سابقاً عن القصَّخون من والدي وجدي، اللذين كانا يرويان كيف كان يحضر إلى المقاهي الشعبية، خاصة في فصل الشتاء". ويقول حسين "حضوري جاء بدافع الرغبة وحب التعرف على تراث المدينة، وأتمنى أن تستمر هذه الفعاليات في الموصل خلال رمضان وبقية أشهر السنة أيضاً، حتى تبقى التقاليد والعادات الموصلية والعراقية حية ولا تندثر".

بالنسبة لعبير الغانم، لا يتعلق الأمر بمجرد رواية قصص، بل بمحاولة إعادة جزء من ذاكرة المدينة إلى الحياة، حيث يجتمع الناس مرة أخرى حول حكاية،   كما كان يحدث قبل عقود.

العراق: اسماعيل عدنان

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا