سلطت منصة "ميدل إيست آي" البريطانية الضوء على الواقع المأساوي للعمال المهاجرين في دول الخليج ، الذين وجدوا أنفسهم في خط المواجهة المباشر بعد تعرض المنطقة لهجمات صواريخية إيرانية، في ظل تصاعد التوتر بين طهران والولايات المتحدة وإسرائيل.
وكشفت المنصة، في تقرير مطول، أن العمال المهاجرين – في دول مثل الإمارات وقطر – يتحملون العبء الأكبر من التداعيات، إذ يواصلون العمل في الخطوط الأمامية بينما يلجأ آخرون إلى الملاجئ، ودون أن تتوفر لهم أدنى معايير الحماية أو التوجيهات الرسمية للسلامة.
ونقلت "ميدل إيست آي" عن مصادر ميدانية أن الضربات الإيرانية على مواقع في الخليج أسفرت عن مقتل 12 مدنياً على الأقل حتى الآن. وفي الإمارات وحدها، كان كل ضحية مدنية سُجلت حتى الآن عاملاً مهاجراً من بنغلاديش أو نيبال أو باكستان.
ومن بين القتلى، صالح أحمد (55 عاماً)، وهو بنغلاديشي الجنسية، قُتل أثناء توصيل المياه في اليوم الأول للهجمات.
يقول عامل توصيل بنغلاديشي في دبي: "في اليوم التالي للضربات، عدت إلى دراجتي. الطرق كانت شبه خالية، لكن الإكراميات كانت أفضل من المعتاد. الناس تشعر بالخوف، لكني لا أملك خيار التوقف. كل طلب أوصله يعني لقمة عيش لي. إذا توقفت، أتضور جوعاً".
أما سائق باكستاني في أبو ظبي، أمضى خمس سنوات يعمل نوبات مدتها 12 ساعة، فيصف الأيام التي تلت الهجمات بأنها "بلا توقف". يقول: "السكان المحليون يرفضون مغادرة منازلهم، والطلبات تتدفق بشكل جنوني. أعمل ليلاً ونهاراً، ولا آخذ سوى فترات راحة قصيرة. حوالي 70% فقط من الناس في الشوارع، والكثيرون يشترون الطعام بكميات كبيرة خوفاً من تفاقم الوضع".
ويضيف سائق باكستاني آخر في دبي، يعمل في شركة توصيل منذ أربع سنوات ويعيش في غرفة مشتركة مع أصدقائه: "الشركة تدفع لي فقط مقابل الطلبات التي أنجزها. لا يوجد هامش للخوف في نظامنا. إذا توقفت عن العمل خوفاً من الصواريخ، لا أكسب شيئاً. الأمر بسيط: إما أن أعمل تحت القصف، أو أجوع".
نقلت "ميدل إيست آي" عن مصطفى قادري، المدير التنفيذي لمنظمة "إكويديم" (Equidem) لحقوق الإنسان، قوله إن باحثي المنظمة المنتشرين في الإمارات وقطر والسعودية والأردن وثقوا "حالة ذعر وصدمة نفسية شاملة بين العمال المهاجرين، واستبعاداً منهجياً من إجراءات السلامة الرسمية".
وأوضح قادري أن العمال يواجهون شكلين من التمييز. الأول هو الاستبعاد من قنوات الاتصال الرسمية للسلامة، حيث لم يتلق العمال أي توجيهات عملية حول الملاجئ أو طرق الإخلاء، رغم البيانات الرسمية التي تطمئن "جميع المقيمين".
أما الثاني فهو تمييز هيكلي يجبرهم على البقاء في خط المواجهة، باعتبارهم عمالاً أساسيين في قطاعات البناء والنظافة والصحة والأمن والخدمات اللوجستية، ويُطلب منهم مواصلة العمل حتى أثناء الهجمات، وغالباً ما يكون ذلك بالتحرك نحو المناطق المستهدفة.
وأضاف قادري: "هناك اختيار واعٍ بتوظيف عمال من دول فقيرة، يتقاضون أجوراً زهيدة ويفتقرون إلى أي نفوذ اجتماعي، للقيام بهذه الأعمال الشاقة. هم أقل قدرة على المطالبة بالحماية أو حتى الشكوى".
لفتت "ميدل إيست آي" إلى أن العمال المهاجرين تحولوا إلى المصدر الرئيسي لتوثيق تداعيات الضربات، حيث تم التقاط ونشر معظم مقاطع الفيديو والصور المتداولة عبر هواتفهم.
لكن هذا النشاط يعرضهم لمخاطر كبيرة . ففي البحرين، اعتقلت السلطات خمسة باكستانيين وعامل بنغلاديشي بتهمة "الإشادة بالضربات الإيرانية" أثناء تصويرهم لمشاهد ما بعد الهجمات.
ويحذر قادري من أن المزيد من العمال قد يواجهون مصيراً مماثلاً، خاصة في الإمارات التي لديها سجل صارم في معاقبة من يصورون حوادث أمنية. ويقول: "الأمر يشبه غزة، حيث يصبح الأشخاص الأكثر ضعفاً في المجتمع هم العيون والآذان في منطقة النزاع. لا ينبغي أن يتعرضوا للاضطهاد لمجرد أنهم وثقوا ما رأوه".
كشف التقرير عن فئة أكثر عرضة للخطر: العمال المهاجرون في القواعد العسكرية الأمريكية والغربية في الخليج. كثير منهم من النيباليين، جُلبوا خصيصاً بسبب "الحياد المُدرَك" لبلادهم.
وتشير المعلومات إلى أنه عند ارتفاع المخاطر، يتم إجلاء الموظفين الغربيين على الفور، بينما يبقى العمال النيباليون وغيرهم لتشغيل الخدمات الأساسية في القواعد.
يعلق قادري: "الولايات المتحدة التي بدأت هذه الحرب، وحلفاؤها الغرب الذين يدعمونها بشكل غير مباشر، يتعرضون لضغوط سياسية كبيرة لإجلاء مواطنيهم. لكن لا يوجد أي ضغط تقريباً لحماية العمال المهاجرين الذين يُتركون خلف الخطوط".
ويضيف أن الدول المصدرة للعمالة، مثل نيبال وكينيا والهند وبنغلاديش وإثيوبيا، لها سجل تاريخي سيئ في تقديم دعم قنصلي حقيقي لرعاياها في الخارج، رغم ضغط المجتمعات المحلية في هذه الدول على حكوماتها للتحرك.
نقلت "ميدل إيست آي" عن شاهين عبد الله، صاحب متجر في الدوحة، قوله إنه كان يستدير ليدخل الطريق الرئيسي بالقرب من منزله عندما بدأت الانفجارات. سقطت شظية مشتعلة أمام سيارته مباشرة، بينما كانت عائلته في السيارة خلفه. يقول: "تمنيت لو لم يروا ذلك المنظر. صعقت للحظة، لكنني سرعان ما تجاوزت الأمر. هذا الخدر أصبح هو القاعدة الآن".
ويصف عبد الله واقع مجتمعه من العمال المهاجرين: "لا أحد هنا يستطيع أخذ يوم إجازة. المحلات يجب أن تفتح، والمطاعم يجب أن تطبخ، وخدمات التوصيل يجب أن تعمل. ليس لدينا خيار".
ويلفت إلى تفاوت صارخ في ردود الفعل: "الجميع يراقب كيف تقوم الدول الأوروبية بإجلاء مواطنيها. لكن هذه الفكرة ليست في أذهان من ليس لديهم ما يعودون إليه. هم لا يستطيعون تحمل تكاليف ذلك".
ويقول عبد الله إن النقاش بين العمال لا يتطرق أبداً إلى السلامة الشخصية. "الأحاديث ليست عن الخوف على الحياة أو الرفاهية. إنها سياسية ووجودية: ماذا سيحدث بعد ذلك؟".
أما عن الصحة النفسية، فيصفها بأنها "أمر سلبي". يضيف: "لا أحد يتحدث عن الصدمة علناً. إنها تتعلق بالاستعداد والتعامل مع هذا الواقع إذا طال أمده. لقد تصالح الناس مع قضاء 15 دقيقة من يومهم في القلق بشأن الشظايا المتساقطة من السماء".
المصدر:
يورو نيوز