اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الصراع بدلا من الدبلوماسية، وذهب إلى الحرب مع إيران بناء على تصور متفائل بأن إضعاف القيادة الإيرانية سوف يؤمّن تحوُّل النظام نحو حكومة أكثر موالاة للولايات المتحدة، حسب مقال في مجلة فورين أفيرز.
وانطلاقا من هذا التصور، سلطت الأكاديمية الأمريكية داليا داسا كاي -في مقال بمجلة فورين أفيرز- الضوء على التحديات العميقة والمعقدة التي تواجه الولايات المتحدة بعد قرار ترمب شن الحرب على إيران، سعيا لإثبات أنه قادر على فعل ما لم يفعله أي رئيس أمريكي قبله، كما تقول الكاتبة.
غير أن الضربات -التي ردت عليها إيران بهجمات صاروخية وبقصف طائرات مسيّرة على قواعد أمريكية في الشرق الأوسط وإسرائيل– لم تعد مجرد صراع ثنائي -كما تقول الأكاديمية- بل تحولت إلى حرب إقليمية ذات أبعاد عالمية، تؤثر في أسواق النفط والمال وسلاسل التوريد والتجارة الدولية وحركة الطيران، مع تصاعد التهديدات المباشرة للأمريكيين وارتفاع أعداد القتلى في إيران.
ورأت المديرة السابقة لمركز السياسة العامة للشرق الأوسط في مؤسسة راند، أن إدارة ترمب تبنت توقعات مفرطة في التفاؤل بشأن ما يمكن أن تحققه هذه الحرب، فافترضت أن إضعاف القيادة الإيرانية والقدرات العسكرية سيتيح للشعب الإيراني القيام بثورة، وبالتالي تأمين تحول النظام نحو حكومة أكثر موالاة للولايات المتحدة، أو على الأقل سيجعل إيران مشغولة بمشاكلها الداخلية بحيث لن تشكل تهديدا إقليميا.
ولكن هذه الفكرة -حسب الأكاديمية- تستند إلى تصور غير واقعي لطبيعة النظام الإيراني وتعقيدات المنطقة، إذ قد تؤدي المعارك إلى فراغ في السلطة في طهران، وإلى توتر علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها، كما قد تمتد آثارها إلى صراعات أخرى في العالم، دون أن تقضي على مصادر التوتر الإقليمي التي لا علاقة لها بالنظام الإيراني.
ولأن إيران ليست دولة صغيرة يمكن أن يظهر فيها زعيم جاهز لتولي السلطة بسهولة، رأت الكاتبة أن إسقاط النظام فيها بالقوة العسكرية يختلف كثيرا عن تجارب أخرى مثل فنزويلا، خاصة أنه لا يوجد بديل واضح في المعارضة الإيرانية، سواء كان شخصية مثل رضا بهلوي أو غيره.
بل إن الأكثر احتمالا -حسب مقال الأكاديمية- هو صعود فصيل متشدد من الحرس الثوري أو انهيار النظام بالكامل، مما يؤدي إلى فراغ سياسي وفوضى ممتدة لا تقل خطورة عن النظام الحالي.
وحتى ضعف إيران لن يحل بمفرده النزاعات الإقليمية القائمة -كما ترى الكاتبة- لأن الصراعات في ليبيا والسودان والنزاع الإسرائيلي الفلسطيني لا ترتبط بالنظام الإيراني وحده، كما أن الجماعات المدعومة من إيران -مثل حزب الله والحوثيين- لديها أهدافها ومواردها المستقلة عن طهران. وبالتالي، فإن إزالة إيران من المعادلة قد تؤثر جزئيا على هذه الجماعات، لكنها لن تقضي على العنف أو التطرف في المنطقة.
وحذر المقال من أن الحرب الأمريكية مع إيران قد تزيد من العداء الشعبي لإسرائيل، وتذكِّر الجمهور العربي بالهجمات الإسرائيلية المستمرة سواء في غزة أو لبنان، وقد تعيق جهود التطبيع بين تل أبيب والدول العربية، كما أنها قد تؤدي إلى توتر علاقة الولايات المتحدة مع حلفائها الخليجيين إذا شعروا بأن واشنطن لم تحمهم من الهجمات الإيرانية، أو فضّلت مصالح إسرائيل على مصالحهم.
وعلى الصعيد الدولي، قد تفيد هذه الحرب خصوم الولايات المتحدة مؤقتا مثل روسيا والصين، حيث تجد بكين فرصة للضغط على تايوان بسبب انشغال الولايات المتحدة بالشرق الأوسط، كما تمنح الحرب روسيا بعض المزايا المؤقتة في النزاع مع أوكرانيا نتيجة تحويل بعض المعدات والأسلحة الأميركية إلى المنطقة.
وفي ضوء هذه التحديات، ترى كاي أن الأولوية بعد الحرب يجب أن تكون لمعالجة الأضرار وليس محاولة إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وذلك بدعم دول المنطقة لاستقبال اللاجئين، وحماية البنية التحتية، وتعزيز الدفاعات ضد الهجمات الإيرانية.
وأي محاولة لتحقيق أهداف أكبر من ذلك قد تكون غير واقعية، خصوصا مع تزايد المقاومة الشعبية للسياسة الأميركية ضد الحرب، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الأمريكيين يعارضونها.
وخلصت كاي إلى أن الحرب -بدلا من خلق شرق أوسط جديد- من المرجح أن تطيل عمر المشكلات القديمة في المنطقة، مما يعني أن الوقت قد حان لإنهاء الحرب قبل أن تتفاقم التبعات الإنسانية والسياسية والاقتصادية بشكل لا تمكن السيطرة عليه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة