آخر الأخبار

الضاحية الجنوبية تحت القصف.. الجزيرة نت تقف على أطلال المكان

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

الضاحية الجنوبية- ليس المكان وحده مَن تغيّر، بل الإيقاع أيضا. أصوات منطقة باتت أكثر حذرا، والفراغ في الشوارع صار لغة بحد ذاته، يتقدم الخوف على الحركة، وتسبق النظرات الخطوات، فيما يعيش الناس على هامش لحظة غير مستقرة، كأن الزمن قرر أن يتوقف عند حدٍّ لا يُرى.

وفي الضاحية الجنوبية ل بيروت، يتداخل صمت غير مألوف مع آثار عنف لم يكتمل بعد، منطقة اعتادت الضجيج والحركة تبدو الآن معلقة بين ما كان وما قد يأتي. التفاصيل الصغيرة؛ نافذة محطمة، وباب مخلوع، ورائحة غبار عالقة تتحول إلى شواهد صامتة على واقع يفرض نفسه.

ومع دخول الجزيرة نت إلى الأحياء المتضررة، يستقبل المشهد مبانٍ تقف بصعوبة، وواجهات مشققة، وآثار سواد تحفر خطوطها على الجدران، ونوافذ فارغة من زجاجها، وشرفات مبتورة الأطراف. وبدت الأرض مغطاة ببقايا الإسمنت والزجاج، فيما يحمل الهواء رائحة ثقيلة من الغبار والبارود، كأن الانفجار وقع لتوّه.

مصدر الصورة خسائر مادية جسيمة لحقت بالضاحية الجنوبية بفعل القصف الإسرائيلي (الجزيرة)

معالم المكان ورهبته

والشوارع شبه صامتة، وسيارات تعبر على عجل وأخرى متوقفة بلا أصحاب، وقد غلّفها الغبار. وفي الزوايا، تتحرك عناصر الإسعاف والدفاع المدني بسرعة محسوبة، يرفعون الركام بأيد لا تخطئها العجلة، فيما ترتفع العيون تلقائيا نحو السماء مع كل صوت، خشية أن يتكرر المشهد.

أما السكان الذين عادوا لتفقد منازلهم فيسيرون بحذر، خطوات قصيرة، ونظرات قلقة، وتوقف مفاجئ عند أي دويّ بعيد. والبيوت المفتوحة تكشف ما خلّفته الغارات من أثاث مقلوب، وأغراض مبعثرة، إلى جدران لم تعد قادرة على إخفاء ما أصابها، فيما تجري محاولة إنقاذ ما تبقّى على عجل، وتحت ظل خوف ثقيل من استهداف جديد.

وفي بعض الطرقات، تختفي المباني بالكامل، وفراغ واسع يحتل المكان، لا يدلّ عليه سوى أطراف مكسرة وآثار أساسات، تشهد بأن حياة كانت هنا قبل أن تُمحى.

إعلان

ومحال تجارية أُغلقت أبوابها منذ اللحظة الأولى، وأخرى فُتحت جزئيا لسحب ما أمكن من البضائع، وما جُني طول العمر يُنقل بصمت. ومع انقطاع الكهرباء وضعف الاتصالات، تزداد العزلة قسوة، ويصبح القلق أكثر حضورا في تفاصيل يوم غير مكتمل.

وفي الضاحية، لا يترك القصف أثره في الحجر وحده، بل يفرض نفسه على الزمن أيضا، ومكان يعيش بين ركام ما سقط، وانتظار ثقيل لما قد يأتي، حيث يبقى السؤال معلّقا في الهواء: هل انتهى القصف.. أم أنه لم يبدأ بعد؟

الصمود بشكل آخر

وفقدت سوسن علوية بيتها مرتين؛ في الضاحية الجنوبية حين تنحدر مرة، والأخرى في جنوب لبنان، وثلاث مرات حزمت ما خفّ من حياتها، وتركـت ما ثقل من الذكريات تحت الركام، وحين تُسأل عن حالها، لا تتقدّم الشكوى على الجواب بل عبارة قصيرة تقولها بهدوء لافت "نحن بخير ما دمنا على قيد الحياة".

والتقت الجزيرة نت سوسن بينما كانت تحاول إخراج ما تبقّى من مقتنياتها من منزلها المتضرّر، لم تعد تُحصي عدد الغارات التي طالت المنطقة فالأرقام فقدت معناها. واليوم تعُدُّ البيوت التي خسرتها.

وتقول إنها لا تشعر بالخوف ليس لأن الخطر بعيد، بل لأنه قريب إلى حدٍّ جعل الاعتياد وسيلة للبقاء، لكن بين الاعتياد والخوف، مساحة أخرى تحكم قراراتها، اسمها المسؤولية. فسوسن لا تفكّر فقط في النجاة بل في القدرة على الاستمرار، وتدرك أن الصمود ليس شعارا يُرفع، بل تفاصيل يومية تبدأ بالبحث عن مأوى.

مصدر الصورة المباني السكنية سُوِّيت بالأرض والمواطنون تهجّروا على وقع القصف والدمار (الجزيرة)

وفي رحلة البحث عن بيت، تصطدم سوسن بشروط قاسية وأسعار مرتفعة، كأن النزوح نفسه أصبح امتحانا إضافيا. وأبواب تُفتح، لكن بثقل لا يقل عن ثقل الجدران التي انهارت فوق ذكرياتها.

وتتحدث عن ضرورة الموازنة بين العقل والعاطفة، فالصمود -كما تراه- ليس اندفاعا لحظيا بل قرارا محسوبا بالبقاء، وتحاول ترتيب حياتها في واقع يزداد تعقيدا، لا تعرف كم مرّة ستضطر إلى البدء من جديد، ولا إن كانت ستجد بيتا يتناسب مع قدرتها، لكنها تعرف أمرا واحدا: الانكسار لن يكون خاتمة الحكاية.

وتضيف سوسن بثبات "سأصمد، وسأحارب بطريقتي". لا سلاح في يدها، تحمل مفاتيح بيوت لم تعد قائمة وتمضي، وبالنسبة لها، هذا أيضا صمود بشكل آخر.

"يوم القيامة"

ولا يختلف حال أبو حسين كثيرا، فهو لم يكتف بعدِّ الساعات، بل صار يحسب الأيام التي قضاها بلا مأوى، والأبواب التي أغلقتها الحرب في وجهه، وبيته الذي أصبح رمادا، والمحلات التي اعتاش منها اختفت، ومرتين حمل ما استطاع من أثاثه وأغراضه تاركا خلفه سنوات من الذكريات.

ويعرف أبو حسين أن القوة ليست في الجسد وحده، بل في العقل والصبر. جمع أبناءه، ورتب أثاثه، وأخذ ما يمكن إنقاذه من حياة أصبحت هشّة، وهو لا يزال يبحث عن شيء يشبه الأمان، ولو كان لقليل من الزمن.

مصدر الصورة كثيرون فقدوا منازلهم بالضاحية الجنوبية ونزحوا عند أقارب لهم وآخرون ما زالوا يبحثون عن مأوى (الجزيرة)

وهو اليوم، مع عائلته في مأوى مؤقت لدى أحد أقربائه في بيروت، ويحاول الحفاظ على من تبقى من حياته وحماية أبنائه، بينما يوازن بين حاجته للبقاء وحسابات الثمن أمام "عدو إسرائيلي لا يرحم".

إعلان

ويتذكر اللحظات الأولى للخروج من الضاحية الجنوبية، على وقع قصف مفاجئ بلا إنذار. ويصف المشهد بأنه كان أشبه بيوم القيامة: بكاء الأطفال تتخلله صرخات النساء، والرجال وكبار السن يخرجون مسرعين بلا اتجاه محدد، وسط تعب مضاعف في شهر رمضان، ويختم بصوت خافت يحمل دعاء وصبرا "كان الله بعوننا وبعون كل اللبنانيين".

وفي كل زاوية من الضاحية، وفي كل ركن من بيوتها المدمرة، يظهر نفس النسيج الإنساني: خوف وقلق، حزن وفقدان، لكن أيضًا إرادة صلبة في الاستمرار، صمت يسبق كل خطوة، ونظرات ترتقب المستقبل، ومفاتيح بيوت لم تعد قائمة تحمل معنى البقاء.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا