آخر الأخبار

تقرير يكشف كيف تقمع "لوبيات الضغط" داعمي فلسطين في بريطانيا

شارك

لندن- كشف مركز الدعم القانوني الأوروبي (إي إل إس سي) عن إطلاق أول قاعدة بيانات شاملة توثّق أنماط القمع التي تعرض لها المتضامنون مع القضية الفلسطينية في بريطانيا.

ووفقا لـ"مؤشر القمع" الذي أطلقه المركز -اليوم- تم توثيق 964 حادثة بين عامي 2019 و2025، شملت الفصل من العمل، والملاحقات القانونية، والتحقيقات المؤسسية.

وأُعد التقرير بالتعاون مع منظمة "فورانزيك آركيتكتشر" الهندسية المعمارية الجنائية، وأشار إلى تصاعد حاد في وتيرة الاستهداف بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مما يعكس تحولا في تعامل المؤسسات البريطانية مع حرية التعبير المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي.

تحالف للقمع

وكشف التقرير عن "تحالف عضوي" يجمع بين منصات إعلامية وجماعات ضغط قانونية ومؤسسات رسمية، بهدف تكريس حالة من الرهبة أو ما يُعرف بـ "تأثير التجميد"، وهي آلية تهدف إلى خنق حرية التعبير وتدجين الحراك الشعبي المتضامن مع فلسطين، عبر التنكيل بالمتضامنين والتشهير بهم ليكونوا "عبرة" لكل من يحاول ممارسة حقوقه السياسية.

كما سلّط الضوء بشكل مكثف على إستراتيجية الاستهداف التي تنتهجها منظمة "محامون من أجل إسرائيل" (يو كيه إل إف آي) وغيرها من جماعات الضغط الموالية لإسرائيل في المملكة المتحدة.

وأشار التقرير إلى أن هذه المنظمة تورّطت في 128 حادثة قمع موثقة، حيث تخصصت في تقديم بلاغات "كيدية" وشكاوى رسمية للمدارس والجامعات والمستشفيات لتأديب الموظفين أو إزالة أي مظاهر تضامنية، مثلما حدث في واقعة إزالة رسومات أطفال غزة من أحد مستشفيات لندن بدعوى أنها "هجومية" وعشرات من حالات الفصل التعسفي والملاحقة والتشهير.

مصدر الصورة مارك بونيك موظف عريق في نادي أرسنال البريطاني فُصل تعسفيا من عمله (الجزيرة)

ومن أبرز الحالات التي رصدها التقرير مارك بونيك مدير معدات نادي أرسنال الرياضي الذي فُصل تعسفيا إثر تغريدة على منصة إكس يدعم فيها الشعب الفلسطيني، ولم تكن تغريدته مجرد رأي عابر، بل كانت اختبارا لمساحة الحرية في بريطانيا، وانتهى الاختبار بإطاحة 22 عاما من الخدمة لبونيك كموظف عريق بالنادي الإنجليزي.

إعلان

وروى مارك بونيك في تصريح للجزيرة نت بمرارة تفاصيل فصله "التعسفي" من نادي أرسنال في ديسمبر/كانون الأول 2024، و كان قد بدأ عمله جزئيا عام 2002 وثُبّت رسميا منذ 2013.

وقال "ما فعلته الصحافة كان مقززا؛ أخرجوا كلماتي من سياقها وصوروني بشكل غير دقيق تماما"، وأوضح مفارقة صارخة في تعامل النادي "لقد استشهدت بحالة اللاعب محمد النني، حيث أصدر النادي آنذاك بيانا يقول إن للاعبين الحق في التعبير عن آرائهم على منصاتهم الخاصة، لكنْ عندما تعلق الأمر بي، تجاهلوا ذلك تماما".

وأضاف "الصمت هو تكتيك لإخافة الناس، وأنا أرى بيب غوارديولا عندما تحدّث وصف الأمر كطائر صغير يسقط قطرات ماء على نار كبيرة، وأعتقد أننا لو تحدثنا جميعا لتحوّلت هذه القطرات إلى شلال يطفئ الحريق". وختم بونيك شهادته "الناس خائفون لأن هذا هو الهدف من التكتيك، لكنّ الصمت لم يعد خيارا عندما ترى الأخلاق تُنتهك أمام عينيك".

استهداف التعليم

وفي سياق متصل، أكدت كبيرة المسؤولين القانونيين في الفريق البريطاني، آنا أوست، أن القطاع التعليمي نال النصيب الأكبر من القمع بـ336 حادثة، مشيرة إلى أن المعلمين في المملكة المتحدة يواجهون اتهامات بخرق "قواعد الحياد السياسي" بمجرد إدانتهم ل لإبادة الجماعية.

وقالت أوست ، للجزيرة نت، "لدينا قضايا ضد مدارس عاقبت معلمين بسبب نشاطهم خارج المدرسة، وهو أمر غير مقبول قانونا. المعلمون والطلاب يراقَبون من أمن الحرم الجامعي، ويُستهدفون بشكاوى كيدية من مجموعات طلابية صهيونية، ما يؤخر تخرّجهم ويُدمر مستقبلهم المهني قبل أن يبدأ".

ووثّق التقرير-كأحد الأمثلة الصارخة- ضغط "يو كيه إل إف آي" على مستشفى "تشيلسي ووستمنستر" لإزالة رسومات أطفال من غزة، بدعوى أنها "تؤذي مشاعر المرضى اليهود"، كما تخصّصت المنظمة في إرسال خطابات رسمية للمدارس والجامعات تطالب بتأديب معلمين وأكاديميين، كحالة المعلمة النقابية التي واجهت إجراءات تأديبية بعد "وشاية" قانونية من المنظمة لمدرستها عقب مشاركتها بفعاليات تضامنية.

ورأى التقرير أن هذه المنظومة تستمد قوتها من أداتين رئيسيتين:


* تعريف "آي إتش آر إيه" التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست ل معاداة السامية: الذي استُخدم كـ"قواعد اشتباك" إدارية لتجريم نقد الصهيونية وخلطه بالكراهية العرقية.
* قانون الإرهاب (2000): الذي وسّع صلاحيات الشرطة لملاحقة الناشطين تحت ذريعة "دعم منظمات محظورة"، وهو ما أدى لارتفاع حالات الاعتقال (131 حالة) والمراقبة اللصيقة للناشطين العرب والمسلمين بشكل خاص.
مصدر الصورة آنا أوست كبيرة المسؤولين القانونيين في الفريق البريطاني لمركز الدعم القانوني الأوروبي (الجزيرة)

هندسة الانتقام

من جانبها، شرحت مديرة قسم البحث والتوثيق في مركز الدعم القانوني الأوروبي، أميرة عبد الحميد، أن القمع في بريطانيا لا يبدأ من الشرطة دائما، بل يمر بمراحل "هندسية" دقيقة. وأوضحت للجزيرة نت أن المرحلة الأولى هي "التشويه الإعلامي"، حيث يتم استهداف الناشطين عبر مقالات تتهمهم بمعاداة السامية أو دعم الإرهاب.

وأضافت "ثلث الحالات التي سجلناها (حوالي 300 حالة) بدأت كحملات تشويه في الإعلام. هذه هي المرحلة الأولى، حيث يتم وضع اسم الشخص في سياق مسيء، مما يُمهّد للمرحلة الثانية وهي التحرك المؤسسي، حيث يقرأ صاحب العمل أو الجامعة هذه المقالات ويبدأ إجراءات الفصل أو العقاب".

إعلان

وتابعت أن هذا النمط امتد ليشمل "تأشيرات الإقامة"، كما حالة الناشط الطلابي في "كينجز كوليج لندن" الذي واجه إلغاء تأشيرته وتهديدا بالترحيل نتيجة نشاطه التضامني داخل الحرم الجامعي، مما يكشف عن استغلال لأدوات سيادية في معاقبة الرأي السياسي، حسب قولها.

مصدر الصورة جانب من الحضور خلال عرض التقرير الذي وثق 964 حادثة قمع ضد المتضامنين مع فلسطين (الجزيرة)

وختم التقرير بالتأكيد على أن "قاعدة البيانات" التي أُطلقت اليوم تُمثّل أداة لتوثيق الانتهاكات وتحويل حملات "التشويه" إلى "أدلة إدانة" ضد الممارسات المؤسسية المقيدة للحريات.

ومع صدور هذا التقرير يتكشّف اتساع فجوة الحريات في واحدة من أعرق الديمقراطيات الغربية، في وقت يواجه فيه المتضامنون مع فلسطين في بريطانيا "حربا على كل الجبهات".

وكشف القائمون على التقرير أن هناك العديد من الحالات التي لم يوثّقها التقرير، وما يرافقها من ملاحقات وتنكيل، مما يضع مبادئ حرية التعبير في المملكة المتحدة على المحك في مواجهة ضغوط جماعات الضغط التي تسعى لتجريم الحراك السياسي.

وبحسب إفادات المتضررين، فإن هذه الإجراءات العقابية لم تنجح في تحجيم التضامن، بل حوّلت الدفاع عن القضية الفلسطينية إلى معركة موازية للدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية داخل المجتمع البريطاني نفسه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا