مع اقتراب شهر رمضان، تتباين مشاهد الاستقبال في العالم العربي بين أجواء روحانية مفعمة بالطقوس والتقاليد، وواقع ثقيل تفرضه الحروب والأزمات الاقتصادية. ففي حين تستعد بعض العواصم بزينة الشوارع وموائد الإفطار الجماعية، تعيش دول أخرى الشهر الفضيل وسط دوي الاشتباكات أو ضيق المعيشة.
في السودان، يأتي رمضان هذا العام بينما لا تزال الحرب مستمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023. وقد أفرز النزاع أوضاعا إنسانية صعبة، مع نزوح ملايين المواطنين داخل البلاد وخارجها.
في مدن مثل الخرطوم ودارفور، تراجعت مظاهر الاحتفال المعتادة، وغابت موائد الإفطار الجماعية التي اشتهر بها السودانيون، لتحل محلها مبادرات فردية ومساعدات إغاثية تسعى لسد الرمق. ومع ذلك، يتمسك كثيرون بروح التكافل، فيحرص الجيران على اقتسام ما توفر من طعام في أجواء يغلب عليها الأمل بوقف دائم لإطلاق النار.
في قطاع غزة، ورغم تراجع حدة الحرب مقارنة بالأشهر الماضية، لا تزال الأوضاع الأمنية هشة، مع استمرار توترات وغارات إسرائيلية متفرقة. الدمار الواسع الذي خلفته المواجهات أثر بعمق على البنية التحتية والمساكن والأسواق.
رمضان في غزة هذا العام يحمل طابعا مختلفا؛ كثير من العائلات تستقبله في مراكز إيواء أو منازل متضررة. وتواجه الأسر تحديات في توفير الاحتياجات الأساسية، بينما تعتمد شريحة واسعة على المساعدات الإنسانية. ومع ذلك، تبقى المساجد، حيثما أمكن، مقصدا للمصلين، في تعبير عن تمسك بالحياة والعبادة رغم الظروف الصعبة.
في الضفة الغربية، تتزامن أجواء رمضان مع تصاعد في العمليات العسكرية الإسرائيلية والاعتقالات، إضافة إلى القيود على الحركة بين المدن.
ويؤثر ذلك على النشاط التجاري وحركة المتسوقين في الأسواق الشعبية التي عادة ما تنشط قبل الشهر الفضيل.
ورغم القيود، يحاول السكان الحفاظ على طقوسهم، خصوصا في مدن مثل القدس ورام الله ونابلس، حيث تبقى ليالي رمضان مناسبة للتلاقي العائلي وأداء الصلوات، وإن كانت تحت رقابة مشددة وإجراءات أمنية مشددة.
في سوريا، ورغم تراجع وتيرة المعارك الكبرى مقارنة بسنوات سابقة، لا تزال بعض المناطق تشهد حوادث أمنية متفرقة. كما تعاني البلاد من أزمة اقتصادية خانقة انعكست على أسعار المواد الغذائية والقدرة الشرائية للمواطنين.
ويأتي رمضان في ظل ارتفاع كبير في تكاليف المعيشة، ما يدفع كثيرا من العائلات إلى تقليص مشترياتها أو الاعتماد على الحوالات الخارجية والمساعدات. ومع ذلك، تبقى بعض التقاليد حاضرة، مثل إعداد أطباق شعبية بسيطة وتبادل الزيارات ضمن نطاق محدود.
في اليمن، لا تزال المواجهات العسكرية مستمرة في عدة جبهات، وسط وضع إنساني يوصف بأنه من بين الأسوأ عالميا. يعاني ملايين اليمنيين من انعدام الأمن الغذائي، ويعتمدون على المساعدات.
استقبال رمضان هناك يختلط بالدعاء بانفراجة سياسية تنهي سنوات الصراع. وتقتصر مظاهر الاحتفال غالبا على تجمعات عائلية محدودة، في ظل انقطاع متكرر للكهرباء وصعوبات في توفير الوقود والمواد الأساسية
في ليبيا، ورغم تراجع المعارك الواسعة، لا يزال الانقسام السياسي يلقي بظلاله على الأوضاع الأمنية والاقتصادية. تشهد بعض المناطق توترات بين الحين والآخر، ما ينعكس على الاستقرار العام.
رمضان في ليبيا يأتي وسط ارتفاع نسبي في الأسعار، مع اعتماد كثير من الأسر على المبادرات الخيرية التي تنشط خلال الشهر الفضيل، في محاولة لتخفيف الأعباء عن الفئات الأكثر تضررا.
أما في دول مثل مصر والجزائر والمغرب وتونس والأردن والعراق، فيطغى البعد الاقتصادي على استعدادات رمضان. فقد أدت موجات التضخم وارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى تغير أنماط الاستهلاك.
تشهد الأسواق حركة نشطة قبيل حلول الشهر، لكن كثيرا من المواطنين يشكون من تآكل القدرة الشرائية، ما يدفعهم إلى تقليص الكميات أو البحث عن بدائل أقل تكلفة.
كما تتراجع مظاهر الإسراف مقارنة بسنوات سابقة، لتحل محلها دعوات للترشيد والاكتفاء بالضروريات.
ورغم الضغوط، تبقى لرمضان مكانته الخاصة في وجدان الشعوب العربية؛ فالمساجد تزدحم بالمصلين، والموائد، وإن تواضعت، تجمع العائلات، في تأكيد على أن روح الشهر تتجاوز قسوة الظروف.
وهكذا تستقبل الدول العربية شهر رمضان بين واقعين متباينين: دول تمزقها النزاعات وتعيش على وقع القلق، وأخرى تثقلها أعباء اقتصادية متصاعدة. غير أن القاسم المشترك يظل الإصرار على إحياء الطقوس الدينية والاجتماعية، والتشبث بقيم التضامن والتراحم، بانتظار أيام أكثر استقرارا وازدهارا.
ورغم الحروب والأزمات الاقتصادية، تتقدم في مختلف الدول العربية مبادرات مجتمعية لتخفيف الأعباء عن الأسر المحتاجة خلال شهر رمضان. تنتشر موائد الإفطار الجماعية في الأحياء الشعبية والساحات العامة، وتتكفل جمعيات خيرية ورجال أعمال بتوفير وجبات يومية للصائمين، إضافة إلى توزيع "كراتين رمضان" التي تضم مواد غذائية أساسية.
كما تنشط حملات التبرع عبر المساجد ومنصات التواصل الاجتماعي، وتتوسع مبادرات "إفطار صائم" المخصصة للعمال وعابري السبيل.
وفي بعض المدن، تطلق مطاعم ومتاجر مبادرات لتخفيض الأسعار أو تخصيص جزء من الأرباح لدعم الأسر محدودة الدخل. وتبرز كذلك مبادرات شبابية تطوعية لتنظيم حملات كسوة العيد للأطفال، ما يعكس استمرار ثقافة التكافل الاجتماعي بوصفها أحد أبرز ملامح الشهر الفضيل في العالم العربي.
برأيكم
سنناقش معكم هذه المحاور وغيرها في حلقة الأربعاء 18 فبراير / شباط.
خطوط الاتصال تُفتح قبل نصف ساعة من موعد البرنامج على الرقم 00442038752989.
إن كنتم تريدون المشاركة بالصوت والصورة عبر تقنية زووم، أو برسالة نصية، يرجى التواصل عبر رقم البرنامج على وتساب: 00447590001533
يمكنكم أيضا إرسال أرقام الهواتف إلى صفحتنا على الفيسبوك من خلال رسالة خاصة Message
كما يمكنكم المشاركة بالرأي في الحوارات المنشورة على نفس الصفحة، وعنوانها: https://www.facebook.com/NuqtatHewarBBC
أو عبر منصة إكس على الوسم @Nuqtat_Hewar
يمكنكم مشاهدة حلقات البرنامج من خلال هذا الرابط على موقع يوتيوب
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة