تقود إسرائيل بكافة أذرعها المدنية والأمنية حربا مفتوحة لإحلال الفضاء المدني الإسرائيلي، بديلا عن الفضاء المدني الفلسطيني في مدينة القدس؛ وهي حرب تتم بأدوات مرئية وأخرى غير مرئية تأثيراتها قوية وصادمة، ولها غاية واحدة وهي تجويف الفضاء المدني الفلسطيني في القدس وأسرلته .
تنبهت أجهزة دولة الاحتلال إلى أنَ الفضاء المدني مكون أساسي في صمود المقدسيين، سواء من حيث الحفاظ على الهوية أو تقديم الخدمات، فكسرت كل القواعد في التعامل معه وتجاوزت في ممارستها القوانين الإسرائيلية السارية، حتى إنَ العاملين في مؤسسات المجتمع المدني المقدسية باتوا ملاحقين في الشوارع.
فأن تسير في الشارع -كمقدسي- فأنت معرّض أنْ يعترض طريقك ضابط مخابرات بلباس مدني ويطلب منك جهاز الحاسوب المحمول الخاص بك دون إذن نيابة أو مذكرة قضائية، وأحيانا يتحايل العاملون في المؤسسات الأهلية من خلال عدم حملهم أجهزة الحواسيب الخاصة بهم معهم، فيطلب الضابط العودة إلى السيارة أو المنزل وإحضاره، وبمجرد وجود صورة لعلم فلسطين يعتبر مشكلة، فما بالك إن وجدت مواد وطنية أخرى.
لم يحدث هذا النوع من الملاحقة في الضفة الغربية ما يشير إلى مستوى عال جدا من التضييق الأمني.
توجد مشكلة أخرى هامة مرتبطة بذلك وهي حماية أرشيف هذه المؤسسات، سواء من حيث الإرث التاريخي الموثق لعملها ولمدينة القدس، وبعضه يمتد لعشرات السنين وأحيانا لما قبل قيام دولة إسرائيل، إضافة إلى حماية خصوصية البيانات للفئات المستهدفة من هذه المؤسسات ومراسلاتها.
اتخذت الحكومة الإسرائيلية سلسلة إجراءات متعددة المجالات:
تجدر الإشارة هنا إلى أنَ الحرب على التعليم الفلسطيني في القدس بدأ قبل سنوات ونجحت إسرائيل بالفعل في القضاء على التعليم الفلسطيني في المديمة، وأسرلة التعليم بإجراءات وقيود يصعب مواجهتها، فعلى سبيل المثال؛ لم يتبق اليوم سوى نحو ستة آلاف طالب مقدسي فقط في مدارس الأوقاف بالقدس والباقي ملتحق بالمدارس التابعة للمعارف الإسرائيلية.
يبدو أنَ القرار الإسرائيلي واضح وحاسم فيما يتعلق بدمج كل هذه المؤسسات المقدسية ضمن النظام الإسرائيلي وفرض مفهوم السيادة عليها، فحتى وقت قريب حمل جزء من هذه المؤسسات ترخيصين، أحدهما فلسطيني والآخر إسرائيلي، وبعضها كان يعمل بترخيص فلسطيني فقط، لكن الآن لا يعترف بأي مؤسسة لا تحمل ترخيصا إسرائيليا ما جعل كثيرا منها بلا تسجيل قانوني معترف به.
يوجد خطر آخر مرتبط بالإجراءات الإسرائيلية التي تستهدف المؤسسات المقدسية الأهلية، وهي تسريب (بيعها بالسر) العقارات، فكثير من المؤسسات الأهلية لها أصول وعقارات في القدس، وبحسب القانون الإسرائيلي فإنه وعند إغلاق أي مؤسسة يتم مصادرة ممتلكاتها وتحويلها للدولة، بالتالي توجد مصلحة إسرائيلية بإغلاق وسحب شرعية أكبر عدد من المؤسسات المقدسية، لا سيما التي لها أصول وعقارات للاستيلاء عليها.
عمدت إسرائيل أيضا إلى إيقاف تصاريح الدخول بين الضفة الغربية والقدس، ما أدى لمنع العديد من العاملين في مؤسسات القدس الأهلية من الوصول إليها، وبالتالي حرَم المؤسسات الأهلية المقدسية جزءا من كوادرها.
وزاد الأمر تعقيدا بقرار قطع علاقة البنوك الفلسطينية في الضفة مع القدس، ما يعني إجبار المؤسسات المقدسية على التعامل فقط مع البنوك الإسرائيلية بكل تعقيداتها، وكثيرا ما لا يتاح ذلك فتبقى المؤسسة بدون حساب بنكي فتفقد قدراتها على تجنيد التمويل.
تعمل إسرائيل بخطة منهجية واضحة لضرب الرؤوس التمثيلية الفلسطينية والمرجعيات الوطنية في القدس عبر ضرب هذه المؤسسات، حيث تعمل بالتوازي مع ملاحقة المؤسسات الأهلية الفلسطينية فيها إلى تأسيس مؤسسات مدنية أخرى يقوم عليها مقدسيون تابعون لها، وحتى الآن تم تأسيس ما بين 15-20 مؤسسة أهلية جديدة في القدس من خلال أذنابها، لتعمل على الإحلال التدريجي البديل للقيادة الوطنية المقدسية للمؤسسات الأهلية، إضافة إلى إحلال ما يسمى "المراكز الجماهيرية" لتقوم بتقديم الخدمات التي تقدمها المؤسسات الأهلية المقدسية.
تعد حرب الضرائب جزءا من الحرب الموجهة للمؤسسات الأهلية المقدسية، ومن ذلك إعادة تصنيف الأرنونا في القدس (ضريبة المسقفات والأملاك)، حيث تقوم بلدية القدس بإعادة مسح كل الأحياء المقدسية وأخذ مقاسات دقيقية وإعادة تقدير قيمة الضريبة بمبلغ مرتفع بشكل مقصود وواضح لكي ترهق المقدسيين ومؤسساتهم ماليا فيضطرون للتخلي عنها.
يتم في هذا السياق استهداف المؤسسات الأهلية المقدسية بمعاملة قسم كبير منها على أنه نشاط تجاري وليس أهلي تطوعي، فكل مؤسسة أهلية لا تقدم خدمات صحة أو تعليم بشكل مباشر يتم تحويل تصنيفها فيما يتعلق بضريبة الأرنونا إلى تصنيف شركة تجارية، وهذا يرفع قيمة ضريبة الأرنونا من 7 آلاف شيقل بالمتوسط (الدولار يساوي 3.07 شيكلا الخميس) إلى 50 ألف، وهو ما يفوق قدرة المؤسسات الأهلية فتغلق أبوابها.
إنَ ما يجري من حرب إبادة في قطاع غزة لا يجب أن يؤدي للغفلة عما يجري في مدينة القدس
إنَ ما يجري من حرب إبادة في قطاع غزة لا يجب أن يؤدي للغفلة عما يجري في مدينة القدس من إبادة مماثلة بأدوات ناعمة مختلفة، يتطلب ذلك التفكير الجاد والاستباقي وتحديد ميكانزمات الدفاع الحقيقية التي يجب العمل عليها وتطويرها لحماية المؤسسات الأهلية المقدسية.
لا يعتبر ما يجري في القدس شأنا فلسطينيا داخليا، أو حدثا إجرائيا كما يجري في مدن الضفة الغربية، فهذه المدينة بما تحمله من مكانة ودلالة تتطلب جهدا عربيا وإسلاميا ودوليا واعيا لحماية مكوناتها المقدسية.
ومن الخطيئة وليس الخطأ الاكتفاء بالمراقبة والتضامن اللفظي مع ما يجري فيها، فأحيانا بالإمكان من خلال العمل الذكي والموجه والمثمر تأخير الأزمة وتقليل تداعياتها إنْ لم يكن بالإمكان وقفها، وفي هذه المساحة مجال للكثير من العمل إن توفرت الإرادة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة