في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
دمشق- في 2 فبراير/شباط 1982، شهدت مدينة حماة مجزرة مروعة أودت بحياة أكثر من 45 ألف شخص، حيث مُحيت عائلات بالكامل من السجلات المدنية. ورغم مرور 44 عاما عليها، لا تزال ذكرياتها حاضرة في أذهان الحمويين، خصوصا بعد وفاة رفعت الأسد المسؤول عن تلك المجازر، وشقيق الرئيس السوري السابق حافظ الأسد.
"تظاهروا بالموت، اقطعوا الأنفاس"، بهذه الكلمات تسترجع رزان الصمصام ذكرياتها المرعبة عندما كانت تبلغ من العمر 8 أعوام، يوم اقتحام قوات الأسد منزلهم في شارع أبي الفداء بحماة، وكيف حاولت زوجة عمها إنقاذها ومن تبقى حيّا من الأطفال، بدعوتهم إلى التظاهر بالموت.
وقالت "كنا نائمين بعد أن اجتمعت عائلتي وعائلات أعمامي في بيت واحد خوفا من القصف العنيف ليلا، فوجئنا بطرق عنيف على الباب، كانت الساعة الثامنة والنصف صباحا، اقتحمت القوات العسكرية المنزل، ثم سمعتُ مسؤولها يأمر عناصره بقتل الجميع دون استثناء".
وأضافت رزان "بعد الرصاصة الأولى لم أعد أسمع شيئا ولم أعِ ما يحدث، كأنها مشاهد من فيلم، ترامت جثث أسرتي أمامي والدماء ملأت المكان، شاهدت قتل أبي وأمي وأختي وأعمامي وأبنائهم بعيني، وأنا أكتم أنفاسي مثلما طلبت منا زوجة عمي بصوتها الخافت رغم إصابتها بإحدى الرصاصات، لكنها رأتني ما زلت حيّة مختبئة بين الجثث".
وتابعت "رأيتهم يلحقون بأمي وهي تحاول الهروب إلى إحدى الغرف حاملة أخي الرضيع، لكن عنصرا شاهدها وقتلها مع أختي التي حاولت إنقاذها، كنّا حوالي 25 شخصا، ولكن خلال هذه الدقائق بقي منا 5 فقط على قيد الحياة اثنان منهم مصابان، بقينا على هذا الحال مع جثث أهلنا لمدة يومين، لم نستطع الخروج خوفا من عودتهم إلينا، حتى أتى من أخرجنا".
وأكدت "لم يكتفوا بقتلنا، بل بدؤوا بضرب الجثث بأرجلهم والمشي عليها لضمان قتلنا جميعا، مشاهد لا يمكن نسيانها، المجازر التي حدثت معنا هي ذاتها التي حصلت في معظم منازل شارع أبي الفداء".
بدوره، يروي سامر المدني، الذي كان يبلغ من العمر 14 عاما حينها، ذكرياته عن مجزرة حماة التي بدأت منتصف الليل، حيث حاصرت قوات " سرايا الدفاع" المدينة وارتكبت الفظائع في حي جنوب الملعب، مستهدفة الشبان والرجال والأطفال والنساء.
ويتذكر كيف رأى الضحايا مُلقَيْنَ على أبواب منازلهم، وشهد إحدى المجازر الكبرى عندما أمرت القوات الأهالي بالتجمع عند مدار العجزة وبالركض باتجاه شارع الجلاء، لتفتح النيران على ظهورهم بشكل عشوائي وقتلت معظمهم، وقال "حتى الجرحى لحقوا بهم وقتلوهم بدم بارد. تفننوا بقتل المدنيين".
وأشار إلى أن رفعت الأسد استهدف "بشكل ممنهج رموز حماة الفكرية والدينية خلال حملته العسكرية، حيث أُحرق علماء الدين أحياءً أمام الأهالي في شارع الدباغة. ورغم أن مجازر المدينة بدأت منذ 1980، فإن أحداث 1982 كانت الأشد فتكا والأكبر عددا".
وفي ليلة وصفها بـ"الحمراء" جراء كثافة القصف الصاروخي والمدفعي، رأى سامر عبر سطح منزله أحياء الزنبقي والعصيدة والكيلانية وبين الحيرين، وهي تنفجر من شدة القصف. وأوضح "ْبعد فك حظر التجوال بيومين، ذهبت إليها وشاهدتها مدمرة بالكامل وسوّيت على الأرض، عشرات المقابر الجماعية كانت تحت ركام تلك المنازل المدمرة".
لم يستطع الفنان التشكيلي محمد هشام بزنكو إخفاء دموعه وهو يستذكر ما شاهده بعينيه عبر ثقب في جدار بيته المطل على مقبرة سريحين بمدينة حماة.
وقال للجزيرة نت "رأيت سيارات عسكرية لقوات الأسد مملوءة بالأطفال والنساء والشيوخ تضعهم عند الحائط الغربي للمقبرة، ثم يرمونهم بالرصاص، وبجانبهم آليات ثقيلة تقوم بتحضير حفر كبيرة بعمق 3 أمتار وبطول حوالي 30 مترا. بعد رميهم بالرصاص، يرمون الجثث والأطفال بشكل عشوائي داخلها، بعضهم كان حيا، لكن مصيره كحال جثث الآخرين".
وأضاف بزنكو "استمر ذلك 5 أيام متواصلة، كان عمري 17 عاما، اعتقلوني ووالدي وأخي مع الكثير من الأهالي من حي الصابونية واقتادونا إلى الثانوية الصناعية القريبة من الحي، شاهدنا بأعيننا قيام عناصر الأسد بوضع رؤوس المعتقلين في الملازم الحديدية وتفجيرها نتيجة الضغط عليها، بعدها أخذوا آخرين لثقب رؤوسهم بمثقاب حديدي".
في صباح 2 فبراير/شباط 1982، نجا ماجد عبيسي، ابن حي البارودية، مع عائلته من قصف قوات "سرايا الدفاع" التي دمرت جزءا كبيرا من منزلهم. لكن خلال اقتياده مع العديد من الشبان إلى السيارات العسكرية، شعروا أنهم متجهون نحو الإعدام الميداني.
لحسن حظه، جاء أمر عسكري عبر أجهزة اللاسلكي بترك المكان والتوجه إلى آخر، ما أنقذه ومن لم يصعد معهم، ليعلم لاحقا بمقتل جميع من أُخذوا في إعدام ميداني داخل مقبرة سريحين.
ويروي عبيسي ما رآه من مقابر جماعية، قائلا "سمعنا عن مجزرة في حي الدباغة ورمي الضحايا في نهر العاصي، ذهبت للمكان بعد أيام للتأكد، شاهدت بنفسي مقبرة جماعية عند بوابة حديقة أم الحسن أسفل جسر المراكب، أعضاء الضحايا ورؤوسهم المتفحمة كانت واضحة رغم محاولة تغطيتها بالإسمنت والأتربة".
وعن مجزرة حي جنوب الملعب أول الأحياء اقتحاما وقتلا، يروي عمر خليف ما رآه هناك عندما ذهب لإنقاذ شابة وإخوتها الصغار من منزلهم بعد مقتل أبيهم عند مسجد صلاح الدين، وقال "رأيت أكواما من الجثث في شوارع جنوب الملعب، جميع أهالي الأبنية المحيطة بمسجد عمار بن ياسر قتلى، بينهم أعداد كبيرة من النساء والأطفال".
وأكد "جميع هذه الجثث تم جمعها بآليات ثقيلة بين وقتي المغرب والعشاء، ورميها في حفر كبيرة عند الناحية الجنوبية لمقبرة سريحين، عدد ما شاهدناه حينها يقارب 500 ضحية".
من ناحيته، وصف الطبيب فداء نجار، وقد اعتقل في سجن تدمر و صيدنايا مدة 23 عاما جراء أحداث حماة، سنوات سجنه بأنها كانت يوميات من التعذيب المستمر، يتمنون خلالها الموت في كل دقيقة.
ويروي أنه اعتمد في عملياته الجراحية الإسعافية على أساليب بدائية مثل خيوط أكياس النايلون وبقايا حديدية، علاوة على حرمانهم من الدواء والغذاء، "وحتى من الهواء" نتيجة اكتظاظ المعتقلين في مهاجع صغيرة.
وأوضح "أولى الزيارات التي رأيت فيها أهلي كانت بعد 13 سنة، بقيت 23 عاما باللباس نفسه الذي اعتُقلت به إلى أن خرجت".
تحدث عن الإعدامات الميدانية داخل سجن تدمر، وقال إنها كانت يومي الاثنين والأربعاء من كل أسبوع، والسبت أحيانا.
من جانبها، لا تستطع أم محمد شامية مداواة جراح الماضي حيث فقدت شقيقها على يد قوات رفعت الأسد، وابنها بلال الذي قُتل برصاص قوات الرئيس المخلوع بشار الأسد في مطلع 2012.
ومع سقوط بشار شعرت بفرح غامر، لكن سعادتها "اكتملت" مع سماعها خبر وفاة رفعت الأسد، وقالت "حمدت الله أن أخذ بثأرهم وثأري بعد طول السنين". وتأمل أن "يحقق الله العدالة لكل من نجا من آل الأسد وأتباعه".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة