شهدت مدينة القدس المحتلة خلال شهر يناير/كانون الثاني المنصرم تصعيدا غير مسبوق من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، استهدف المدينة وسكانها و المسجد الأقصى المبارك.
فقد أعدمت سلطات الاحتلال في نهاية الشهر الشاب قصي حلايقة (28 عاما) -من بلدة الشيوخ بقضاء الخليل- بادعاء محاولته تنفيذ عملية طعن عند حاجز النفق الفاصل بين مدينتي القدس و بيت لحم، وقررت سلطات الاحتلال احتجاز جثمانه وعدم تسليمه لذويه من أجل دفنه.
وطوال الشهر تواصلت الانتهاكات داخل المسجد الأقصى المبارك، إذ اقتحمه 4397 مستوطنا، وسُجّل أعلى رقم للاقتحامات في رأس الشهر العبري (19 يناير) بواقع 476 مستوطنا، وأدى هؤلاء خلال اقتحامهم كافة الصلوات والطقوس التوراتية.
وتواصلت حملات التحريض على هدم المسجد وبناء الهيكل مكانه، وقال أحد الحاخامات "الرب أمرنا أن نعجل ببناء الهيكل"، كما أقام ناشطو جماعات الهيكل درسا في التوراة قرب مصلى باب الرحمة.
وعلى مدار الشهر تعمد المستوطنون الرقص والغناء بشكل جماعي في ساحات المسجد، خاصة مع قرب خروجهم من باب السلسلة، وتعمد هؤلاء نشر مقاطع الرقص والغناء الصاخب على منصات التواصل، وحرصوا على تكرار ذلك كل خميس باعتبار أن الاقتحام في ذلك اليوم يعتبر "احتفاليا" استعدادا لاستقبال يوم السبت الذي يعتبر يوم عطلة رسمية لليهود.
وفي 13 يناير/كانون الثاني المنصرم اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ساحات أولى القبلتين، وهو الاقتحام الأول الذي ينفذه خلال عام 2026 الجاري، والرابع عشر منذ توليه منصبه مطلع عام 2023.
وبعد 8 أيام من اقتحامه سمحت شرطة الاحتلال لأول مرة وبإيعاز منه بإدخال أوراق كُتبت عليها صلوات يهودية ليتلو المقتحمون النصوص منها بعدما كانوا يؤدون الصلوات غيبا أو من خلال هواتفهم.
وبمجرد إدخال هذه الأوراق أعلنت الجماعات المتطرفة أن هدفها التالي هو إدخال "التيفلين" (لفائف التوراة) وكتب الصلاة علانية إلى المسجد.
كما أطلقت جماعات الهيكل المتطرفة، مبادرة "شبكة مجتمعات جبل الهيكل"، لتعزيز ارتباط المستوطنين بالمسجد الأقصى باعتباره هيكلا، من خلال إقامة قيادات ومجتمعات نشطة في المستوطنات، للعمل على تنظيم أنشطة مجتمعية، واقتحامات جماعية للأقصى.
ولتأبين عالم الآثار الإسرائيلي غابي باركاري أدى عدد من المتطرفين صلوات يهودية خاصة خلال اقتحامهم المسجد حزنا عليه، إذ يُعتبر من مؤسسي مشروع غربلة أتربة المسجد الأقصى وسرقة آثاره، وحرص المتطرفون على وضع حجارة ونثر أتربة من المسجد الأقصى على قبره بُعيد دفنه.
وبالتزامن مع كل هذه الانتهاكات لم تتوقف على مدار الشهر حملة الاستدعاءات التي سُجّل معظمها بحق أسرى محررين.
وبعد تحقيق مكتبي أو ميداني أو تهديد سُلّم عشرات المقدسيين أوامر إبعاد عن المسجد الأقصى دفعة واحدة مع قرب حلول شهر رمضان.
وكان من اللافت إرسال ضباط المخابرات أوامر الإبعاد للمعنيين من خلال رسائل على تطبيق "واتس آب" بسبب كثرة العدد.
ولأن العشرات ممن تسلموا أوامر الإبعاد رفضوا الإفصاح عن تعرضهم لهذه العقوبة، فلم يكن من السهل توثيق أعداد المبعدين، ويُقدّر أنهم تجاوزوا 100، لكن لم يُنشر في وسائل الإعلام سوى أسماء 56 منهم، بالإضافة إلى تسلّم مقدسي ومقدسية أمرَي إبعاد عن البلدة القديمة، وسُلّم وزير شؤون القدس أشرف الأعور أمرا بتجديد إبعاده عن الضفة الغربية.
وفي إطار حملة الاعتقالات وثقت الجزيرة نت إقدام قوات الاحتلال على اعتقال 93 فلسطينيا بينهم 13 قاصرا و5 نساء، كما أصدرت محاكم الاحتلال 19 أمر اعتقال إداري لأسرى من محافظة القدس، وفرضت عقوبة الحبس المنزلي على 3 مقدسيين.
وكان من بين المعتقلين السائق المقدسي فخري الخطيب الذي اتُهم بالقتل العمد وأُفرج عنه بعد أيام، على خلفية دهسه مستوطنا خطأ بعد مهاجمة عشرات المستوطنين للحافلة التي يقودها في غربي المدينة.
ومن خلال أحد المحامين علمت عائلة الأسير المقدسي ناصر الفقيه -الذي ينحدر من قرية قطنة شمال غرب القدس- أنه فقد حاسة السمع في أذنه اليسرى، بسبب تعرضه للاعتداء خلال قمع الأسرى في سجن عوفر.
أما فيما يتعلق بجرائم الهدم فإن 12 عملية هدم نُفذت في محافظة القدس خلال الشهر المنصرم، بينها 5 عمليات هدم ذاتية قسرية، و7 عمليات هدم بجرافات الاحتلال الإسرائيلي، كما اقتُلِعت 60 شجرة زيتون بقرية قلنديا.
وأقدمت جرافات الاحتلال أيضا على جرف وهدم 70 منشأة مختلفة في الشارع الرئيسي الذي يُطلق عليه اسم "شارع المطار" الممتد على طول كيلومتر ونصف، خلف الجدار العازل وبالتحديد في منطقتي قلنديا وكفر عقب.
كما أصدرت اللجنة المحلية للتخطيط والبناء في بلدية الاحتلال قرار هدم لجزء من "مدرسة ورياض الأقصى الإسلامية" في حارة السعدية بالبلدة القديمة بحجة البناء دون ترخيص.
وكانت منشآت منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في قلب دائرة الاستهداف خلال شهر يناير، إذ أخطرتها سلطات الاحتلال بنيتها قطع خدمات الكهرباء والمياه عن كافة منشآتها في القدس، كما هدمت جرافات بلدية الاحتلال منشآت داخل مقر "الرئاسة" بحي الشيخ جراح بالقدس.
واقتحمت قوات الاحتلال مباني أخرى تتبع للوكالة الدولية، وأخطرت بإغلاقها ومنع تشغيلها، ومن بينها العيادة الطبية المعروفة باسم "الزاوية" بالبلدة القديمة بالقدس، والعيادة الطبية بمخيم شعفاط.
كما اقتحم جيش الاحتلال قرية حزما شمال شرق القدس، وأعلنها منطقة عسكرية مغلقة، ومنع الدخول والخروج منها حتى إشعار آخر، بزعم محاولته منع تنفيذ أعمال "إرهابية"، وتمركز الجيش في عدد من الشوارع واعتلى منازل وحولها إلى ثكنات عسكرية، وروّع السكان الآمنين في منازلهم وأعاق العملية التعليمية، وخروج الموظفين والعمال إلى أماكن عملهم.
وتردد اسم تجمع "خلة السدرة" البدوي الواقع في شمال شرق القدس قرب قرية مخماس كثيرا خلال الشهر المنصرم بسبب الاعتداءات الصاخبة التي نُفذت ضد أهله ومنشآته على أيدي المستوطنين وقوات الاحتلال.
واتخذت الاعتداءات أشكالا مختلفة منها هجوم عشرات المستوطنين بهدف ضرب السكان والمتضامنين الأجانب، وحرق المساكن والمركبات، وتخريب المنشآت الحيوانية، وتكللت هذه الاعتداءات بإعلان التجمع منطقة عسكرية مغلقة لمدة عام.
ولم يخل الشهر المنصرم من التهجير القسري إذ أُخلي منزلان لعائلة بصبوص في حي بطن الهوى ببلدة سلوان لصالح جمعية "عطيرت كوهنيم" الاستيطانية، كما تنتظر عائلة الرجبي مصيرا قاتما بعد رفض المحكمة الإسرائيلية العليا الاستئناف المقدم أمامها لإلغاء إخلاء 22 شقة سكنية تملكها العائلة.
وعلى مقربة من حي بطن الهوى أخطرت بلدية الاحتلال أصحاب نحو 7 دونمات (الدونم يساوي ألف متر مربع) بمصادرتها بحجة تنفيذ أمر "تنسيق حدائق ومواقف سيارات"، وادعت البلدية أن الأراضي خالية وأنها ستستخدمها مؤقتا مدة 5 أعوام.
وفي إطار استهداف التعليم وبسبب امتناع سلطات الاحتلال عن إصدار تصاريح دخول إلى القدس لمعلمي الضفة الغربية، تأخر افتتاح الفصل الدراسي الثاني لعدد من مدارس القدس الخاصة وعلى رأسها 15 مدرسة مسيحية.
كما صادق الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) بالقراءتين الثانية والثالثة على مشروع قانون يحظر توظيف الفلسطينيين الذين تخرجوا من مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية.
ولم تسلم المؤسسات الثقافية في القدس من الملاحقة إذ اقتحمت مخابرات الاحتلال مسرح الحكواتي ومنعت إقامة معرض فنيّ بعنوان "سفير القدس" بزعم أنه "نشاط منظمة إرهابية"، كما منعت عرض فيلم "فلسطين 36" بمركز يبوس الثقافي.
ومقابل كل هذه التضييقات على المقدسيين ومنازلهم ومؤسساتهم فإن المشاريع الاستيطانية في المدينة تتسارع، وكان أبرز ما رصدته الجزيرة نت خلال يناير في موضوع الاستيطان:
المصدر:
الجزيرة