في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
شكلت الحرب الأمريكية الإسبانية في نهاية القرن التاسع عشر وتحديدا عام 1898 لحظة الصعود الإمبراطوري الأمريكي العالمي؛ فقد أذنت بأفول شمس الإمبراطورية الإسبانية عن الكاريبي وأمريكا اللاتينية بل وجنوب شرق آسيا والمحيط الهادي بعد أربعة قرون من النفوذ والقوة منذ اكتشافات كولومبوس ورفاقه في تلك القارات والمحيطات النائية، وبزوغ نجم القوة الجديدة المتمثلة في الولايات المتحدة التي رأت نخبتها السياسية والاقتصادية والعسكرية أن الوقت قد حان لخروج أمريكا من عزلتها.
ولئن كانت أزمات كوبا وثرواتها وقربها من الولايات المتحدة هي السبب الذي دفع هذه الأخيرة لشن حرب عليها بحجة حماية مصالحها وطرد الإمبراطورية الإسبانية، فقد شرعت الولايات المتحدة على إثر هذه الحرب في إعادة صياغة موقعها الاستراتيجي بوصفها قوة بحرية عالمية صاعدة، فحتى ذلك الحين كان التفوق البحري العامل الحاسم في موازين القوة الدولية إذ لم يكن سلاح الجو قد اكتسب بعد دوره الحاسم، وكانت القدرة على تحريك الأساطيل بسرعة بين المسارح البحرية المختلفة شرطا أساسيا للهيمنة العسكرية والاقتصادية.
في هذا السياق توصل صانعو القرار في واشنطن إلى قناعة مفادها أن التحكم في ممر يربط بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ سيمنح الولايات المتحدة أفضلية إستراتيجية غير مسبوقة، تسمح لها بإعادة نشر أساطيلها خلال أيام بدلا من الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح أو سواحل أمريكا الجنوبية من خلال مضيق ماجلان، وهكذا برزت قناة بنما باعتبارها مفتاح السيطرة الجيوسياسية على نصف الكرة الغربي، وأداة مركزية لترسيخ النفوذ الأمريكي العالمي.
ومن اللافت أن هذا الفشل ألهم الطموح الأمريكي بدل أن يثنيه، فقد تبنى الرئيس تيودور روزفلت فكرة القناة بوصفها مشروعا استراتيجيا من الدرجة الأولى، وفي مطلع القرن العشرين دخلت واشنطن في مفاوضات مع الحكومة الكولومبية بهدف الحصول على امتياز إنشاء القناة وإدارتها، كما فعل ديليسبس مع الخديوي إسماعيل في مصر، غير أن كولومبيا رفضت الشروط الأمريكية التي رأت فيها انتقاصا من سيادتها.
وأمام هذا الرفض الكولومبي انتقلت الولايات المتحدة من الدبلوماسية إلى فرض الأمر الواقع؛ ففي عام 1903 أرسلت البحرية الأمريكية سفنا حربية إلى سواحل بنما لمنع القوات الكولومبية من إحباط حركة الانفصال المحلية، وبالتوازي مع ذلك أعلنت بنما نفسها دولة مستقلة بدعم أمريكي مباشر، لتسارع الحكومة الجديدة التي تشكلت تحت الرعاية الأمريكية إلى توقيع معاهدة منحت أمريكا حقوقا واسعة في إنشاء وإدارة قناة بنما ومنطقة القناة المحيطة بها.
وبذلك نجحت الولايات المتحدة فيما أخفقت فيه فرنسا، ليس فقط عبر التفوق الهندسي والطبي بعد تطوير وسائل مكافحة الأمراض، والأهم من خلال توظيف القوة العسكرية والدبلوماسية لفرض مشروعها، ولم تكن قناة بنما مجرد ممر مائي، بل تحولت منذ ذلك الحين إلى ركيزة أساسية في صعود الولايات المتحدة كقوة عظمى ذات نفوذ عالمي.
يرصد ديفيد ماكولوغ في كتابه "الطريق بين البحار، إنشاء قناة بنما (1870–1914)" أن الاتفاقية التي وقعت بين أمريكا وبنما عشية إنشاء وحفر القناة قد سميت بمعاهدة هاي–بونو فاريا لعام 1903، وأدت إلى تثبيت وضع قانوني خاص لقناة بنما منح الولايات المتحدة نفوذا استثنائيا على جانبي الممر المائي، بل والتدخل في الشؤون البنمية، وحول الدولة الوليدة إلى كيان يتمتع باستقلال شكلي، بينما خضعت سياساتها السيادية عمليا لإرادة واشنطن، فقد أبرمت المعاهدة دون مشاركة أي ممثل منتخب عن الشعب البنمي، واقتصرت أطرافها على وزير الخارجية الأمريكي من جانب والمهندس الفرنسي فيليب بونو فاريا من جانب آخر، وهو ما جعلها منذ لحظتها الأولى موضع اعتراض داخلي ومرجعا دائما للاحتقان والاضطرابات السياسية.
وخلال العقود اللاحقة تحولت بنما إلى ساحة نفوذ أمريكي شبه دائم، حيث دعمت واشنطن نخبا سياسية واقتصادية محلية، كانت غالبيتها من العائلات الثرية التي تولت إدارة الحكم مقابل ضمان المصالح الأمريكية، وفي مقدمتها أمن القناة وسلاسة تشغيلها، ولم تتردد الولايات المتحدة في التدخل العسكري أو السياسي كلما رأت أن الاستقرار الذي يخدم القناة أو النظام الحليف مهدد.
وفي كتابه "الثورات الحتمية" يرصد والتر لافيبِر تاريخ تدخل الولايات المتحدة في الشؤون البنمية، ففي عام 1908 تدخلت القوات الأمريكية لضمان انتقال السلطة بسلاسة بذريعة منع اندلاع اضطرابات قد تؤثر في منطقة القناة، وتكرر التدخل العسكري في أعوام 1912 و1918 خلال أزمات سياسية داخلية وصراعات انتخابية، حيث انتشرت القوات الأمريكية في مدن بنمية رئيسية تحت شعار "حفظ النظام"، كما شهدت عشرينيات القرن العشرين تدخلات متفرقة هدفت إلى حماية الحكومات الموالية لواشنطن من تمردات محلية، خاصة في الأرياف.
إبان الحرب العالمية الثانية توسع الوجود العسكري الأمريكي بشكل غير مسبوق؛ إذ أنشأت الولايات المتحدة عشرات القواعد والمنشآت الدفاعية داخل الأراضي البنمية بين عامي 1941 و1947، مبررة ذلك بمتطلبات الدفاع عن القناة في مواجهة أي تهديد خارجي، وبعد انتهاء الحرب رفض الشارع البنمي استمرار هذه القواعد، ما أدى إلى أزمة سياسية حادة عام 1947، اضطرت واشنطن بعدها إلى إخلاء جزء كبير منها، لكنها حافظت على سيطرتها المطلقة على منطقة القناة.
ويذكر جونثان بروان في كتابه " الضعفاء والأقوياء: عمر توريخوس، بنما، وحركة عدم الانحياز في العالم" أن القوات الأمريكية كانت تنتشر على جانبي قناة بنما من خلال شبكة متكاملة تضم أربعة عشر موقعا عسكريا ما بين نقاط للجيش وقواعد جوية ومحطات بحرية، وكان يتولى الإشراف عليها جنرال على رأس القيادة الجنوبية للولايات المتحدة، ومع ذلك بدأت الحياة العسكرية ولا سيما بعد قرار الرئيس ترومان دمج القوات المسلحة عرقيا تتباين بوضوح عن البنية الاجتماعية السائدة في منطقة القناة.
فقد اعتمد تنظيم السكن داخل المؤسسة العسكرية على معيار الرتبة لا العرق، بينما في المقابل استمر الفصل العنصري في أحياء موظفي القناة المدنيين من السكان، كما ظلت العلاقات الاجتماعية بين العسكريين وسكان المنطقة محدودة إلى حد كبير إذ كان أفراد الجيش يتناوبون على المهام وينتقلون بين مواقع مختلفة في حين استقر عمال القناة البيض في وظائفهم طوال حياتهم المهنية، وإلى جانبهم عاش في المنطقة نحو ستة آلاف موظف أغلبهم من أصول هندية غربية بينما كان يدخل منطقة القناة نحو تسعة آلاف عامل آخرين معظمهم من البنميين بوصفهم عمالا غير مقيمين، ولا ريبة أن هذا الفصل الاجتماعي والعنصري داخل القناة كان له صداه السلبي داخل المجتمع البنمي.
ومع دخول مرحلة الحرب الباردة لم يعد التدخل الأمريكي في بنما مقتصرا على اعتبارات أمن قناة بنما فحسب، بل اكتسب بعدا أيديولوجيا أوضح، إذ ربطت واشنطن بين حماية القناة ومنع أي اختراق شيوعي محتمل في أمريكا اللاتينية ضمن منطق الاحتواء الاستراتيجي، وقد كثفت الولايات المتحدة دعمها السياسي والدبلوماسي للحكومات البنمية التي بدت قابلة للضبط ومتوافقة مع مصالح واشنطن، ولا سيما النخب الأوليغارشية والحرس الوطني، بوصفهم ضامنين للاستقرار المطلوب.
وفي المقابل واجه الرئيس أرنولفو آرياس موقفا عدائيا غير مباشر من واشنطن، ليس لكونه شيوعيا، بل بسبب خطابه القومي الحاد وفق واشنطن، ومطالبه المتكررة بإعادة النظر في وضع القناة والوجود الأمريكي، وقد تجلى ذلك في دعم الولايات المتحدة لخصومه السياسيين وغضها الطرف عن تدخل الحرس الوطني لإطاحته أكثر من مرة في أعوام 1941 و1951 و1968، باعتباره شخصية شعبوية غير قابلة للاحتواء، ما جعل الصراع معه جزءا من معادلة أوسع هدفت إلى الحفاظ على نظام سياسي موال يضمن أمن القناة ويمنع أي تحول قومي أو راديكالي خارج السيطرة الأمريكية.
بلغت التوترات البنمية الأمريكية ذروتها في أحداث 9 يناير/كانون الثاني 1964، المعروفة في بنما باسم "يوم الشهداء"، وكما يؤرخ موقع قناة بنما على الانترنت فقد تحولت قضية رمزية تتعلق برفع العلم البنمي داخل منطقة قناة بنما إلى مواجهة دامية، حيث اندلعت الاحتجاجات عقب اعتراض أمريكيين على محاولة طلاب بنميين رفع علم بلادهم إلى جانب العلم الأمريكي داخل إحدى مدارس منطقة القناة، في خرق لتفاهمات سابقة، وهو ما أدى إلى تمزيق العلم البنمي وأشعل غضبا شعبيا واسعا سرعان ما امتد إلى شوارع العاصمة ومحيط القناة.
وتطورت الأحداث إلى صدامات مباشرة بين المدنيين البنميين والقوات الأمريكية، استخدمت فيها الذخيرة الحية، وأسفرت عن مقتل 21 بنميا وإصابة المئات، مقابل سقوط 4 قتلى أمريكيين، وردا على ذلك، قطعت بنما علاقاتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة مؤقتا، في خطوة عكست عمق الأزمة وكسرت الجمود السياسي القائم، وقد مثلت هذه الأحداث نقطة تحول مفصلية، إذ نقلت قضية القناة من إطارها القانوني الضيق إلى مستوى قضية سيادة وطنية شعبية.
وهكذا وفي ظل هذا التاريخ المشحون بالتجاذبات الداخلية والخارجية المتواصلة، برز داخل بنما اضطراب سياسي واجتماعي قوي، كشف عن تفاقم المسافة بين مؤسسات الحكم العسكرية والعائلات الثرية الحاكمة المرتبطة بالخارج وبين شرائح كبيرة من عامة البنميين، إلى جانب تنامي الوعي القومي داخل المؤسسة العسكرية والوسط الأكاديمي والطبقة الوسطى، وقد أسهمت أحداث يناير 1964، بما حملته من صدام مباشر مع الواقع السيادي الأمريكي المفروض على منطقة القناة، في تعميق الشعور الجماعي بانسداد الأفق السياسي، وعجز النخب الحاكمة عن استجابة وطنية قادرة على استيعاب مطالب السيادة والعدالة في آن.
ومع عودة الرئيس القومي أرنولفو آرياس إلى الرئاسة عام 1968، دخلت الأزمة طورا أكثر حدة، إذ سرعان ما تفجرت التوترات بينه وبين الحرس الوطني على خلفية محاولات إعادة هيكلة القيادة العسكرية وتقليص نفوذها، وفي ظل الرضا الأمريكي جاء بعد أيام انقلاب أكتوبر/تشرين الأول 1968 تعبيرا عن صراع بين النخبة الموالية لواشنطن وبين الإرادة الشعبية.
وكما يذكر جوناثان بروان في كتابه السابق فقد أطيح بالرئيس أرنولفو، ورغم أن الضابط عمر توريخوس لم يكن في البداية الواجهة العلنية للانقلاب العسكري في بنما، ولم يظهر بوصفه القائد الأوحد للحركة، فإن مهارته في إدارة التوازنات داخل القوات المسلحة سمحت له خلال فترة وجيزة بإعادة ترتيب القوة العسكرية عبر تحييد الضباط المنافسين وإقصاء مراكز النفوذ التي كان يمكن أن تنازعه القرار، الأمر الذي أفضى إلى انتقال السلطة الفعلية إلى يده دون صدامات واسعة، مع تعيين رئيس شكلي للبلاد.
بدأ عمر توريخوس مساره المهني داخل الحرس الوطني البنمي عام 1952، وتدرج في الرتب بوتيرة سريعة مقارنة بأقرانه حتى نال رتبة نقيب عام 1956، وفي أواخر خمسينيات القرن العشرين برز اسمه ميدانيا عندما أوكلت إليه، وهو لا يزال برتبة نقيب، مهمة إنهاء تمرد مسلح محدود نفذته مجموعة من الشبان المعارضين في منطقة سيرو توتي بمقاطعة فيراغواس، وهي تجربة أسهمت في ترسيخ موقعه داخل المؤسسة العسكرية وإبراز كفاءته الميدانية.
وقد واصل توريخوس صعوده داخل هرم القيادة، فترقى إلى رتبة مقدم عام 1966 بعد خدمته في تشيريكي وتلقيه تدريبا عسكريا إضافيا، قبل أن يدخل منعطفا سياسيا حاسما عام 1968 حين شارك إلى جانب عدد من الضباط أبرزهم بوريس مارتينيث وخوسيه إتش راموس، في الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المنتخب أرنولفو آرياس مدريد.
ورغم تنصيب خوسيه ماريا بينيدا رئيسا انتقاليا في المرحلة الأولى، فإن الخلافات داخل قيادة الانقلاب سرعان ما أعادت ترتيب موازين القوة، لتنتهي بنفي مارتينيث عام 1969 وصعود توريخوس إلى قمة القيادة العسكرية، حيث أعلن نفسه عميدا وتسلم عمليا زمام السلطة السياسية بصورة عملية في مارس/آذار 1969، ومنذ ذلك الحين عمل على تثبيت حكمه عبر إحكام السيطرة على مؤسسات الدولة وتعليق الحياة الحزبية، مع تبني خطاب اجتماعي قومي ركز على الدفاع عن حقوق الفئات الشعبية والمطالبة باستعادة السيادة البنمية على قناة بنما، التي خضعت للسيطرة الأمريكية منذ عام 1903، وهو عام انفصال البلاد عن كولومبيا بدعم عسكري أمريكي.
وكما يرصد جون بيركنز في كتابه "الاغتيال الاقتصادي للأمم" فإن عمر توريخوس سرعان ما حظي بتقدير من الطبقة المتوسطة والطبقات الفقيرة من شعب بنما، فقد كان هو نفسه ابن بلدة ريفية في مقاطعة سانتياغو، وكان والداه يعملان في التدريس، وكانت زيادة نسب الفقر في البلاد، وسطوة العائلات الثرية التابعة فكريا وسياسيا واقتصاديا للولايات المتحدة قد أكسبه كل ذلك الاهتمام بالفقراء والمهمشين والعمل على مساعدتهم.
وفي سياق تعزيز البنية العسكرية للنظام الجديد، تسلمت بنما عام 1970 قاعدة ريو هاتو العسكرية في مقاطعة كوكليه بعد ثلاثة عقود من الوجود الأمريكي، وتمكن توريخوس من تحويلها إلى مركز محوري للتدريب والانتشار العسكري، فأنشأ فيها مركز التدريب العسكري، ووحدات للمشاة والمدرعات الاستطلاعية ولواء خاص إلى جانب سرية المعدات الثقيلة، كما أسس عام 1974 معهدا عسكريا تابعا للحرس الوطني، ليكون مؤسسة تعليمية ثانوية لإعداد الكوادر العسكرية، ومصدرا مستقبليا لضباط الحرس الوطني.
وفي الإطار الدستوري اتجه نظام توريخوس إلى إضفاء شرعية سياسية على واقع الحكم القائم، فدعا إلى انتخابات لتشكيل جمعية تأسيسية تولت إعداد دستور جديد، ومن اللافت أن المادة 277 من هذا الدستور نصت على الاعتراف بعمر توريخوس قائدا أعلى للثورة البنمية، ومنحته صلاحيات واسعة تكاد تكون مطلقة، وهو ما كرس رسميا عام 1972.
سعى توريخوس إلى توسيع قاعدة الاندماج الاقتصادي عبر التوسع في التعليم العام، وفتح مجالات التشغيل، وإعادة توزيع الملكيات الزراعية، وجاءت هذه التوجهات مصحوبة ببرنامج كثيف للأشغال العامة، أسهم في إعادة تشكيل البنية التحتية للبلاد، وكان يعقد الاجتماعات في أحيائهم الفقيرة، ويساعد العاطلين في العثور على عمل، وكثيرا ما تبرع بالأموال القليلة التي يملكها للعائلات المنكوبة بالأمراض والمآسي على حد وصف بيركنز.
وأصبحت البلاد في عهده مركزا ماليا ومصرفيا ذا حضور دولي لافت، وفي الوقت ذاته دخل في مواجهة مباشرة مع الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات، حيث طالب بتحسين شروط العمل ورفع الأجور، وأشرف على توزيع ما يقارب 180 ألف هكتار من الأراضي غير المستثمرة، وفي محاولة للحد من نفوذ تلك الشركات، طرح في فبراير/شباط 1974 مبادرة لتأسيس اتحاد إقليمي للدول المصدرة للموز، مستلهما نموذج منظمة أوبك في قطاع النفط، غير أن المشروع لم يحظ بالتأييد الإقليمي الكافي، وقد انعكست هذه السياسات في اتساع قاعدة الطبقة الوسطى.
أما في السياسة الخارجية، فقد اتسمت سياسة توريخوس بنزعة تضامنية واضحة مع حركات وقوى اليسار في أمريكا اللاتينية، فقد أعلن دعمه للرئيس التشيلي سلفادور أليندي، وفتح بلاده أمام اللاجئين الفارين من القمع عقب انقلاب عام 1973 الذي قاده أوغستو بينوشيه في تشيلي.
كما قدم عمر توريخوس أشكالا متعددة من الدعم للجبهة الساندينية للتحرير الوطني في نيكاراغوا، ولقوى معارضة مسلحة في كل من السلفادور وغواتيمالا، وأعاد تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع كوبا، وكرس نفسه لحل الخلافات بين الأحزاب المتشاحنة التي كانت تعاني شقاقا في كثير من دول أمريكا اللاتينية مثل هندوراس وباراغواي والأرجنتين وبيرو وكولومبيا.
وانطلاقا من إعجابه بتجربة الزعيم اليوغوسلافي جوزيف تيتو، وتأثره بخطوة الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر في تأميم قناة السويس، يرى المؤرخ الأمريكي والتر لافيبِر في كتابه "الثورات الحتمية" أن عمر توريخوس تأثر بهؤلاء الزعماء، وخاصة بالخطاب الناصري الذي ربط عبد الناصر فيه تحرر قناة السويس بالسيادة الوطنية، وهو الخطاب الذي تبناه توريخوس، وفي سبيل ذلك خاض مواجهة سياسية طويلة مع الولايات المتحدة بهدف تكريس السيادة البنمية على القناة، وفي عام 1973 ومع تعثر المفاوضات الثنائية مع واشنطن، لجأ إلى تدويل القضية عبر الأمم المتحدة، مؤكدا في خطاب شهير ذي دلالة سيادية حاسمة:
"إننا لم نكن يوما، ولن نكون أبدا دولة مقيدة، ولا مستعمرة أو محمية، ولا نرغب في إضافة نجمة أخرى إلى علم الولايات المتحدة".
ولهذا السبب ومنذ عام 1973 دخلت علاقة عمر توريخوس بالولايات المتحدة مرحلة توتر علني ومنظم، اتسمت بالانتقال من المفاوضات الثنائية المحدودة إلى الصدام السياسي في المحافل الدولية، فبعد أن وصلت المباحثات مع واشنطن بشأن مستقبل قناة بنما إلى طريق مسدود عمد توريخوس إلى تدويل القضية، واضعا الإدارة الأمريكية تحت ضغط دبلوماسي كبير في الأمم المتحدة، حيث سعت بنما إلى تثبيت حقها السيادي في القناة بوصفه مسألة تحرر وطني لا نزاعا تقنيا، وفي مقابل هذه الخطوات وجدت واشنطن نفسها معزولة نسبيا داخل أروقة التصويت، الأمر الذي دفعها إلى تعطيل القرار باستخدام حق النقض "الفيتو".
ولم يتوقف نضال توريخوس كذلك على مسألة القناة فقط، بل تعداه إلى مدرسة الأمريكتين (School of the Americas) والقيادة الجنوبية (Southern Command) لمركز تدريب عمليات المناطق الحارة (Tropic Test Center) التابعة للجيش الأمريكي، وكلاهما كانا في منطقة القناة، ووفقا لجون بيركنز "فلسنوات عديدة كانت الولايات المتحدة الأمريكية وقواتها المسلحة تدعو ديكتاتوري أمريكا اللاتينية ورؤساءها ليرسلوا أبناءهم وقوادهم العسكريين لهذه المؤسسات"، وبجانب التدريب والمناورات العسكرية، "حظوا بفرصة الاقتراب من كبار ضباط الولايات المتحدة"، على حد وصفه.
غير أن هذا الانسداد لم يدم طويلا، ففي أواخر السبعينيات ومع تغير المناخ السياسي في الولايات المتحدة بعد مستنقع فيتنام وصعود إدارة الرئيس جيمي كارتر الأكثر استعدادا لتسويات سياسية، وهي التي أشرفت على المفاوضات بين مصر وإسرائيل وتوصلت لاتفاق آخر وقتئذ، وكان جون بيركنز أحد أشهر الاقتصاديين الأمريكيين، وأشهر من كشف أدوات السيطرة الإمبريالية على دول العالم الثالث قد التقى بالرئيس البنمي عمر توريخوس في العديد من المناسبات في أعوام 1972 و1975 كما يكشف في كتابه السابق.
وقد كتب العديد من التقارير والمقالات الصحفية منذ منتصف السبعينيات تؤكد وتدعو الرأي العام الأمريكي إلى تقبل ضرورة نقل سيادة قناة بنما إلى الحكومة البنمية للعديد من الأسباب القانونية والشعبية، والأمر الآخر لإمكانية تعطل عمل القناة لعامين على الأقل، أو كما يقول: "بسبب زرع القنابل من جهة سد جاتون، وهو ما لا يستلزم سوى رجل واحد لتنفيذه، وهو أمر أكد عليه الجنرال توريخوس بنفسه على الملأ"، بحسب وصفه في مقالته التي نشرها في صحيفة واشنطن غلوبال (Washington Global) بتاريخ 19 سبتمبر/أيلول 1975.
في نهاية المطاف، توصل الطرفان الأمريكي والبنمي في عام 1977 إلى توقيع معاهدات توريخوس- كارتر، التي أنهت الإطار القانوني الذي فرضته معاهدة هاي – بونو فاريا منذ مطلع القرن العشرين، وقد نشبت معركة طويلة وضارية في التصويت الأخير للكونغرس، حيث تم التصديق على اتفاقية القناة بفارق صوت واحد، وأقسم المحافظون على الانتقام مما حدث، ولعل هذا ما يفسر مطالبات الرئيس الأمريكي الحالي ترامب بأحقية الولايات المتحدة في قناة بنما.
وقد أرست هذه المعاهدات نظاما جديدا يقوم على الاعتراف المتبادل، فنظمت الوجود العسكري الأمريكي خلال مرحلة انتقالية، وكرست حياد قناة بنما بوصفه مبدأ دائما، وحددت جدولا زمنيا واضحا لإنهاء السيطرة الأمريكية على القناة، ووفقا لهذا المسار انتقلت القناة رسميا إلى السيادة البنمية في 31 ديسمبر/كانون الأول 1999 في حدث مثل ذروة المشروع السياسي الذي قاده توريخوس.
ولتمرير هذه المعاهدات داخل النظام السياسي الأمريكي، كان على بنما أن تظهر قدرا من الانفتاح الداخلي، فشهدت البلاد إعادة تقنين الأحزاب السياسية، وتخفيف القيود المفروضة على الصحافة، وعودة عدد من المعارضين الذين كانوا في المنفى، إلا أن هذه التنازلات لم تقنع جميع فئات المجتمع البنمي؛ إذ رأت شرائح واسعة من الرأي العام أن المعاهدات الجديدة لا تختلف جوهريا عن صيغ سابقة رفضت في ستينيات القرن العشرين؛ لأنها أبقت – ولو مرحليا – على مظاهر النفوذ الأمريكي.
وقد قاد هذا الرفض إلى موجة اضطرابات عنيفة، كان من أبرز نتائجها مقتل القيادي الطلابي خورخي كاماتشو داخل جامعة بنما، وإقدام ليوبولدو أراغون على إحراق نفسه في السويد احتجاجا، فضلا عن اعتقال عدد من الناشطين بعد تعرضهم لاعتداءات علنية من قوات الحرس الوطني، ورغم كل ذلك أقرت الاتفاقية في نهاية المطاف.
ولكن في خضم هذا المسار السياسي الحافل، جاءت نهاية توريخوس على نحو مفاجئ في 31 يوليو/تموز 1981 حيث لقي مصرعه في حادث تحطم طائرة عسكرية أثناء تحليقها فوق منطقة سيرو مارتا، وقد حالت الظروف الجوية القاسية ومحدودية تغطية الرادار دون الإبلاغ الفوري عن فقدان الطائرة، قبل أن يعثر على موقع التحطم بعد أيام، واستعيد جثمان توريخوس في مطلع أغسطس/آب من ذلك العام، ودفن في جنازة رسمية بمقبرة أمادور، ثم نقلت رفاته لاحقا إلى ضريح أقيم عند مدخل منطقة القناة السابقة، في دلالة رمزية على ارتباط مسيرته السياسية بقضية السيادة على القناة حتى لحظاته الأخيرة.
في كتابه "الجنرال كما عرفته" يكشف المؤلف غراهام غرين أن حادث الطائرة كان اغتيالا، قائلا: "في أغسطس 1981 كنت قد حزمت حقائبي استعدادا لرحلتي الخامسة إلى بنما حين أتاني هاتفيا خبر موت الجنرال عمر توريخوس هيريرا صديقي ومضيفي، تحطمت الطائرة الصغيرة التي كان يستقلها عائدا إلى البيت الذي يملكه في كوكلسيتو في جبال بنما، ولم ينج من الحادث أحد، وبعد عدة أيام جاءني صوت حارسه الخاص سيرجينت كوكو وهو بروفيسور سابق في الفلسفة الماركسية في جامعة بنما، قال لي: كانت هناك قنبلة في تلك الطائرة. أعرف أنه كانت هناك قنبلة في الطائرة، ولكنني لا أستطيع أن أخبرك الآن"!
بدوره يؤكد جون بيركنز أن إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك رونالد ريغان كانت شديدة الكراهية والسخط على توريخوس، وكذلك نائب الرئيس بوش، ووزير الدفاع وقتها وينبيرغر، فضلا عن هيئة الأركان كاملة، إضافة إلى أكثر من مدير تنفيذي في العديد من الشركات ذات النفوذ العابر.
يقول: "كان كبار قادة الجيش ساخطين على اتفاقية توريخوس وكارتر، التي أرغمتهم على إغلاق مدرسة الأمريكتين، وقاعدة الكوماندوز الجنوبية في المركز الحربي الاستوائي، وهكذا عانت تلك القيادات من مشكلة صعبة؛ فإما أن يجدوا طريقة للالتفاف حول الاتفاقية الجديدة، أو سيضطرون للعثور على بلد آخر ينقلون إليه هذه المنشآت الحربية، وهو أمر غير متوقع الحدوث في العقد الأخير من القرن العشرين، وبالتأكيد كان هناك خيار ثالث وهو وضع حد لحياة توريخوس، وإعادة المفاوضات بشأن الاتفاقية مع من يخلفه"!
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة