تطوران لافتان بشأن حضرموت برزا، خلال الأيام الماضية، وكشفا عن إعادة ترتيب فعلي في تمثيل المحافظة وتوازناتها.
الأوّل تمثّل في صورة التُقطت قبل نحو أسبوعين تُظهر سيارة محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، وهي تحمل “علم حضرموت”، وذلك بعد غارات سعودية استهدفت مواقع لقوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، في مطلع يناير الجاري، عقب انسحابها من المحافظة.
والثاني، إقالة فرج البحسني، ممثل حضرموت في مجلس القيادة الرئاسي، وتعيين الخنبشي نفسه بديلاً له، في خطوة نقلت تمثيل المحافظة من شخصية محسوبة على التوازنات المرتبطة بالإمارات إلى مسؤول يُنظر إليه كامتداد لترتيبات تقودها السعودية.
بذلك دخلت حضرموت منعطفاً جديداً. فالمحافظة التي بقيت نسبيا خارج ساحات الصراع طوال سنوات الحرب، تجد نفسها اليوم في قلب مشهد إقليمي يعاد رسمه على وقع تراجع نفوذ أبو ظبي في مقابل توسّع الدور السعودي.
فما الذي تريده الرياض من حضرموت؟ وماذا يريد “الحضارم” أنفسهم في المقابل؟
الجنوب عند بوابة عُمان: كيف نفهم ما يجري في حضرموت والمهرة؟
تُعدّ حضرموت أغنى محافظات اليمن بالنفط، حيث تستحوذ على ما يقرب من 80 في المئة من احتياطات البلاد النفطية. وعلى الرغم من الصراع المستمر لسنوات في معظم أنحاء اليمن، فقد تميّزت هذه المحافظة بهدوء نسبي. وتمتلك حدودا صحراوية واسعة مع جنوب السعودية ضمن الشريط الحدودي اليمني – السعودي البالغ نحو 1458 كيلومترا.
وعلى الرغم من أهميتها الاقتصادية، تتميز حضرموت بكثافة سكانية منخفضة وبتاريخ فريد وثقافة غنية. ومع ذلك، لم تتشكّل بتسميتها وشكلها الحديث إلا في عام 1967، عقب إنهاء حكم سلطنتي القعيطي والكثيري، اللتين كانتا تسيطران على أجزاء منها تحت الحماية البريطانية.
بعدها دُمجت السلطنتين لتصبح حضرموت ضمن دولة اليمن الجنوبي، ومن ثم اليمن عام 1990، لكنها احتفظت بشعور قوي لدى سكانها بخصوصيتها المحلية.
وبعد الوحدة اليمنية، ترسّخ لدى قطاعات من سكان المحافظة شعورٌ بالتهميش في ظل هيمنة المركز وضعف التمثيل المحلي لمصالحهم.
وخلال مؤتمر الحوار الوطني اليمني (2013–2014) الذي أعقب الإطاحة بالرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، طُرحت صيغة “يمن اتحادي” من ستة أقاليم، منحت فيها حضرموت وضع “إقليم مستقل” بالنظر إلى مساحتها وثرواتها.
غير أن انهيار المرحلة الانتقالية عقب سيطرة الحوثيين على صنعاء، ثم اندلاع الحرب منذ 2015، جمّد تلك التصورات الاتحادية.
حضرموت في رؤية الرياض
حضرموت في حسابات الرياض ليست محافظة يمنية فقط، بل امتداد مباشر لأمن المملكة وحدودها. الحفاظ على أمنها يمنع، وفق الخطاب السعودي، تسلل الجماعات المسلحة وشبكات التهريب إلى المملكة، ويغلق أيّ منفذ محتمل لنفوذ إيران وميليشياتها.
لذلك تدفع السعودية لتقوية حضور الدولة اليمنية ومؤسساتها في حضرموت، كي لا تتحوّل إلى “خاصرة رخوة” خارج السيطرة.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى التدخل السعودي المباشر، بما في ذلك استخدام الطيران الحربي مطلع يناير 2026، لإخراج قوات المجلس الانتقالي الجنوبي من المحافظة، بعد أسابيع فقط من سيطرتها على مناطق واسعة فيها.
ويصف الصحفي السعودي غازي الحارثي، في حديث لموقع “الحرة”، الموقف السعودي تجاه تحركات “الانتقالي” بأنه “رفض صريح للإجراءات الأحادية التي تخلق مناخاً من التوتر وعدم الثقة”، مضيفاً إن الرياض “تحاول تجنيب المحافظة الدخول في صراعات داخلية”.
لكن بعد تثبيت هذا التدخل عسكرياً، برز مشهد سياسي رمزي لا يقل دلالة: دخل الخنبشي إلى المكلا بسيارة رسمية تحمل ملصق علم حضرموت، وهي سابقة تُسجّل كأول مرة يُرفع فيها هذا العلم على مركبة مسؤول يمني رفيع.
بعدها بأيام، شارك الخنبشي في افتتاح ما يُعرف بـ”مجلس حضرموت الوطني”، وترافق الحفل مع ترديد نشيد حضرموت علناً للمرة الأولى ضمن فعالية رسمية.
صرّح الخنبشي، في يناير الجاري، أن حضرموت “سترفع السقف في المطالبة بدولة حضرموت، إذا استمرت الأطراف الأخرى في تجاوز إرادة أبنائها”، مؤكداً أن “خيار الدولة” مطروح ما لم تضمن التسوية القادمة ترتيباً فيدرالياً حقيقياً يعترف بخصوصية الإقليم ويمنح أهله حقهم في القرار والموارد.
بهذا، بدت الرسالة الحضرميّة مزدوجة: قبول دعم التحالف كضامن أمني، مع التأكيد، في المقابل، على حق حضرموت في تقرير مصيرها سياسيا.
ويبقى السؤال: هل تسعى السعودية فقط إلى إعادة الاستقرار، أم إلى هندسة تسوية مختلفة لحضرموت؟
رغم الاتفاق على أولوية الاستقرار الداخلي وحكم واسع الصلاحيات، تتباين رؤى سكان المحافظة بشأن الوضع السياسي الأمثل لحضرموت. على المدى البعيد، “لا يمكن الحديث عن الحضارمة ككتلة سياسية واحدة”، يقول نبهان بن نبهان، الباحث في الجامعة الأميركية في القاهرة لـ”الحرة”.
ويتبنى كثيرون من سكان المحافظة خيار البقاء ضمن دولة يمنية أو جنوبية شرط الحصول على حكم ذاتيّ واسع، بينما ينجذب آخرون لفكرة استقلالها بالكامل أو “انضمامها للسعودية” لتجنيب السكان “مشاكل اليمنيين شماليهم وجنوبهم” كما يقول الناشط السياسي الحضرمي عمر بن هلابي.
بسام دُحي، وهو دكتور جامعي من حضرموت، يميل إلى طرح يجمع بين الهوية الحضرمية والإطار الجنوبي الأوسع؛ فهو يرى الحل في “حضرموت قوية داخل إطار فيدرالي جنوبي” يحفظ خصوصيتها ويمنحها قرارها المحلي. ويشير إلى أن “خيار الاستقلال”، الذي يغري البعض، محفوف بمخاطر التحول إلى “كيان هش يحتاج حماية خارجية دائمة أو وصاية مقنّعة”.
على المنوال ذاته، يسير بن نبهان في تأكيده بأن حضرموت يمكن أن تكون شريكا فاعلا ضمن دولة أكبر بدل السعي لكيان منعزل. ويوضح أن تجربة الوحدة اليمنية وفشل تطبيق الفيدرالية خلالها جعلا خيار الفيدرالية داخل يمن موحّد أمراً نظرياً.
في المقابل، ينادي بن هلابي بمنح حضرموت حكما ذاتيا كامل الصلاحيات في إطار “يمن اتحادي”، على أن تحتفظ بنسبة لا تقل عن 80% من مواردها مقابل 20% للمركز.
ويعتقد بن هلابي أن حضرموت بإمكانها، في ظل صيغة كهذه، أن تكون “الإقليم الأفضل… والأنجح في اليمن شماله وجنوبه” نظرا لإمكاناتها، لكنه يضيف: “الأفضل من هذا كله أن ننضمُّ للمملكة العربية السعودية وننعم بالأمن والأمان والاستقرار في دولة لها ثقل كبير على مستوى العالم”.
يلعب التحالف الذي تقوده السعودية دورا مباشرا اليوم في حضرموت بعد طرد قوات المجلس الانتقالي الجنوبي. وتتفاوت نظرة “الحضارم” إلى هذا الدور بين الترحيب المشوب بالحذر والدعوة إلى شراكة استراتيجية كاملة.
دُحي يقرّ بأهمية الدور السعودي شريطة أن يبقى في إطار الشراكة المؤقتة الضامنة لأمن حضرموت ودعم قدراتها المحلية دون تعدٍ على قرارها السيادي. يقول: “أقبل بدور سعودي كشراكة ضمانة مؤقتة ودعم أمن محلي… وبشفافية وسقف زمني ومن دون وصاية”.
لكن دحي يحدد، في المقابل، خطوطا حمراء لا يجب تجاوزها كي لا تتحوّل الشراكة إلى وصاية، منها عدم فرض قرارات سياسية من الخارج، أو تحوّل “الغطاء العسكري” إلى أداة لإعادة تشكيل المجتمع بالقوة.
بدوره، يعتبر بن نبهان أن السعودية عنصر دعم واستقرار في مرحلة إقليمية معقدة. ويشير إلى أن الشراكة الناجحة تُبنى على التنسيق وبناء الثقة واحترام إرادة المجتمع المحلي. فكلما كان الدور السعودي “منسجما مع تطلعات المجتمع الحضرمي، ومكمّلا لجهوده في إدارة شؤونه” كان أكثر قبولا واستدامة، يضيف.
وفي المجمل، تستحوذ حضرموت على الكثير من الاهتمام السعودي، لكن الكلمة الفصل لا تتعلّق بالاهتمام نفسه، بل بطبيعته وحدوده وسبل ترجمته على الأرض.
المصدر:
الحرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة