في ظل حكومة مدنية يقودها شهباز شريف ، برز قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير بوصفه القوة المحركة وراء قرارات الدولة الأساسية سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا، في تحول يوصف بأنه "انقلاب هادئ" يعيد صياغة نموذج السلطة في البلاد.
بهذه الخلاصة، افتتحت مجلة فورين أفيرز الأميركية مقالا، بقلم مراسلتها في إسلام آباد مهرين زهرة مالك، أكدت فيه أن المشهد السياسي في باكستان يشهد تحولا جذريا، يتمثل في صعود الجيش إلى مركز الحكم بصورة غير مسبوقة منذ نهاية الحكم العسكري المباشر عام 2008، وذلك دون انقلاب أو تعليق للدستور هذه المرة.
ورأت الكاتبة في ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاسمي رئيس الوزراء شهباز شريف والمشير عاصم منير جنبا إلى جنب، أثناء إعلانه خطة للسلام في غزة، مؤشرا واضحا على مكانة الجيش في هرم السلطة، في وقت بات فيه الجيش يحكم بصورة علنية، بعدما كان لسنوات طويلة يمارس نفوذه من وراء الستار.
وقد بدأت ملامح هذا التحول، كما تقول الكاتبة، بعد الإطاحة برئيس الوزراء السابق عمران خان عام 2022، في خطوة يعتقد على نطاق واسع أن الجيش لعب فيها دورا رئيسيا، وقد قال أحد وزراء حكومة شريف في 2023 في مقابلة للكاتبة "نحن نعلم أننا لا يمكننا التخلص من عمران خان من دون الجيش".
وبالفعل تأكد دور الجيش مع انتخابات 2024 التي فاز فيها حزب خان بالأغلبية العددية، لكنه لم يتمكن من تشكيل الحكومة بسبب القيود القانونية والسياسية، مما كرس وضعا جديدا تعتمد فيه الحكومة المدنية الحالية بالكامل تقريبا على دعم الجيش، حسب الكاتبة.
ويمثل استمرار سجن عمران خان، الشخصية الأكثر شعبية في البلاد، حسب المراسلة، تحديا كبيرا للجيش، لأن التسوية القضائية أو السياسية لقضيته قد تهدد النظام الجديد، كما يقود استمرار استبعاده إلى إضعاف شرعية هذا النموذج في أعين الشارع.
وهكذا -تقول الكاتبة- أصبح الجيش، بسيطرته على المؤسسات الأمنية والاستخباراتية والقضائية لاعبا رئيسيا في تحديد شكل الحكومات وتوجهاتها، واتخذت العلاقة بين المؤسستين العسكرية والمدنية منحى أكثر وضوحا، خاصة خلال الحرب القصيرة مع الهند في مايو/أيار 2025، إذ عملت الولايات المتحدة مباشرة مع عاصم منير لإنهاء القتال، متجاهلة رئيس الوزراء وحكومته.
وأدى ذلك إلى تأكيد حقيقة مفادها أن القرار النهائي في قضايا الحرب والسلم بيد الجيش، وهو ما ساهم في رفع مكانة منير داخليا وخارجي، حتى إن ترامب استقبله بعد الحرب في البيت الأبيض مرتين خلال أشهر، في اجتماعات غير مسبوقة من حيث مضمونها ورمزيتها، شملت ملفات اقتصادية وتجارية وتقنية وأخرى تتعلق بالطاقة، وكلها كانت تقليديا من اختصاص الوزارات المدنية.
وأصبح مجلس تيسير الاستثمار، وهو هيئة مشتركة بين المدنيين والعسكريين، الأداة المركزية لإدارة الاستثمارات الأجنبية، مع تمتع الجيش بالثقل الأكبر داخله -حسب الكاتبة- وقد أبرمت من خلاله صفقات كبيرة أبرزها الاتفاق الذي وقعته منظمة الأشغال الحدودية التابعة للجيش لتصدير المعادن النادرة بقيمة نصف مليار دولار.
وفي هذا السياق، ذكرت مراسلة فورين أفيرز في باكستان أن البرلمان أقر تعديلا دستوريا يرفع عاصم منير ليصبح قائدا لجميع أفرع القوات المسلحة، ويمنحه حصانة قانونية مدى الحياة وولاية قابلة للتجديد مدتها 5 سنوات، مما يعني فعليا أنه يمكن أن يبقى في منصبه عشر سنوات.
وقال وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف بصراحة للكاتبة في مقابلة مطلع هذا العام إن النظام السياسي بات الآن هجينا تشترك فيه الحكومة المدنية والجيش في "ملكية هيكل السلطة".
وأضاف الوزير "أعتقد أن الترتيب الهجين يصنع المعجزات"، في إشارة إلى حصول باكستان على قروض جديدة من صندوق النقد الدولي، وإعادة فتح القنوات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، وفتح خطوط تواصل رفيعة المستوى مع السعودية والإمارات والصين، للحصول على استثمارات.
ويبرر أنصار النظام الجديد تمركز الجيش بأنه أعاد الانضباط والسرعة إلى الدولة الباكستانية التي عانت طويلا من بطء الإجراءات والتقلب السياسي، إلا أن المؤسسات المدنية أصبحت تؤدي أدوارا شكلية في الوقت الذي تنتقل فيه مفاتيح القرار إلى يد القيادة العسكرية، حسب الكاتبة.
وهنا ذكرت الكاتبة بأن باكستان عرفت دكتاتوريات عسكرية من قبل، مشيرة إلى أن الوضع الحالي ليس عودة إليها، إذ لا يوجد انقلاب ولا تعليق للدستور ولا إلغاء للبرلمان، بل إن الجيش استولى وظيفيا على النظام السياسي من دون استبداله رسميا، مما يمحو الحدود المؤسسية بطرق قد تعيد تشكيل الحياة السياسية لسنوات.
ونبهت الكاتبة إلى أن إضفاء الطابع العلني على هذا النموذج يطبع هيمنة الجيش، وبالتالي تصبح الأحزاب السياسية مجرد أجهزة إدارية، ويصبح البرلمان منصة عرض، ورئيس الوزراء مديرا لقرارات تتخذ في مكان آخر، وهذه هي كلفة الصفقة التي عقدت لتحييد عمران خان، كما تعلق الكاتبة.
وبهذا يصبح الجيش للمرة الأولى منذ سنوات، مكشوفا أمام المساءلة الشعبية، إذ لم يعد بإمكانه تحميل المسؤولية للحكومات المدنية إذا فشلت السياسات الاقتصادية أو تعثرت الاستثمارات أو تدهور الأمن.
ويحمل هذا النموذج مخاطر جمة -حسب الكاتبة- لأن تركيز السلطة في يد المؤسسة العسكرية قد يضعف الوزارات، ويهمش الخبرات المدنية، ويقوض آليات الرقابة الديمقراطية، مما يجعل النظام هشا عند مواجهة الأزمات.
وحسب الكاتبة، قد يؤدي هذا الدور العسكري المتقدم إقليميا، إلى توتير العلاقات مع الهند، وإلى انخراط أكبر في الحسابات الإستراتيجية لدول الخليج، مما يزيد مخاطر الانزلاق في صراعات إقليمية.
وختمت الكاتبة بأن الجيش تخلى عن إستراتيجية الحكم من الظل، وبات اليوم جزءا ظاهرا من المشهد السياسي، يتصدر الدبلوماسية والاقتصاد وصُنع القرار دون انقلاب، بل عبر "اندماج إستراتيجي" جعل المؤسسات المدنية غطاء لنظام تقوده المؤسسة العسكرية في العلن.
وخلصت مهرين زهرة مالك إلى أن مؤيدي هذا النموذج يحتفون بفاعليته وقوته، ولكن خصومه يحذرون في الوقت نفسه من أنه يضع البلاد على مسار هش يتطلب وقتا لمعرفة مدى صلابته أمام تحديات المستقبل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة