آخر الأخبار

سوريا والصين: هل يمكن للسلطة الجديدة في دمشق إعادة ترتيب العلاقات مع بكين؟

شارك
مصدر الصورة

بعد ثلاثة أشهر تقريباً من الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد، أجرت بكين أول اتصال لها مع القيادة السورية، ثمّ بعد أسابيع عديدة من الصمت، التقى السفير الصيني في دمشق بالرئيس السوري أحمد الشرع ومسؤولين كبار آخرين في القصر الرئاسي.

وعلى الرغم من هذه الخطوة، لم يُكشف علناً ما تمت مناقشته بين الجانبين، ما يترك مستقبل مسار العلاقات بين الصين وسوريا غامضاً.

وتجد القيادة الجديدة في سوريا نفسها في مواجهة العديد من التحديات لإعادة بناء بلد دمرته حرب أهلية استمرت لأكثر من عقد من الزمن.

والملف الذي يشكل صعوبة بشكل خاص، هو إدارة علاقات دمشق مع القوى الأجنبية التي تمتلك العديد منها نفوذاً على سوريا بفضل مجموعة من العقوبات الوطنية والدولية المفروضة إما على الدولة السورية أو على هيئة تحرير الشام، المجموعة المعارضة السابقة التي كان يرأسها الشرع.

وتتسم علاقة الحكومة السورية الجديدة مع الصين بتعقيد من نوع خاص، إذ دعمت بكين باستمرار حكومة الأسد سياسياً، واعترفت بها كسلطة سيادية شرعية في سوريا على الرغم من وحشية حكمه.

البراغماتية المتواصلة: التجارة رغم السياسية

سيكون العديد من المعارضين السابقين المعيّنين في الحكومة السورية الجديدة على دراية تامة بالدعم الدبلوماسي الذي قدمته الصين للأسد. ومع ذلك، وفي حين أن النوايا الحسنة تجاه الصين قد تكون في أدنى مستوياتها، فإن الوجود الاقتصادي لبكين من المرجح أن يكون عميقاً في سوريا الجديدة، كما كان الحال في إدلب خلال السنوات الأخيرة.

فعلى الرغم من أن الدولة الصينية لم تعترف رسمياً بأي شكل من أشكال حكم المعارضين في إدلب قبل سقوط الأسد، إلا أن ذلك لم يمنع الشركات المصنعة الصينية - والعديد منها شركات خاصة - من الاستفادة من الطلب العالي في تلك المنطقة على سلعها ذات الأسعار المعقولة.

كما أن غياب العلاقات الدبلوماسية بين المعارضين السابقين والحكومة الصينية لم يمنع تجار القطاع الخاص في إدلب من النظر إلى الصين كمصدر للسلع المعقولة المناسبة لتلك المنطقة التي عانت من نقص السيولة.

مصدر الصورة

رزحت البنية التحتية والاقتصاد في إدلب تحت ضغط هائل خلال فترة الحصار، ليس فقط بسبب الأضرار التي خلفتها الحرب، وإنما أيضاً بسبب وجود حوالي مليوني سوري نازح داخلياً لجأوا إلى هناك.

تشير البيانات التي جمعتها وكالة "ريتش" للأبحاث، وحللتها بي بي سي في عام 2022 إلى أن الصين كانت المصدر الخارجي الرئيسي لـ 10 من أصل 17 عنصراً أساسياً ضرورياً لتوفير المأوى في إدلب.

ووجدت المنتجات الرخيصة من الصين وتركيا سوقاً جاهزاً تمثل في اقتصاد إدلب خلال الحرب. ومع انتقال الصين إلى التصنيع المتقدم في السنوات الأخيرة، فإن منتجاتها الأكثر تطوراً لبّت كذلك العديد من الاحتياجات الملحة في المنطقة.

دفعت الهجمات على البنية التحتية للمياه الكثير من سكان إدلب إلى الاعتماد على المياه المعبأة. وتتم تصفية مياه "الكوثر" – وهي علامة تجارية محلية بارزة – وتعبئتها في إدلب على خط إنتاج تم شحنه من الصين.

وظهرت شبكة من شركات التصدير السورية في المدن التجارية الجنوبية الصينية مثل ييوو وغوانغتشو، لتجارة هذه المنتجات، حيث تقوم بتوريد السلع الصينية وشحنها إلى سوريا.

أحد التجار، ويُدعى علي جدعو، قام بتوريد الآلات المستخدمة من قبل "الكوثَر"، وقال لبي بي سي إن السعر المنخفض هو السبب في اختيار الشركات للآلات الصينية، مضيفاً: "من حيث الجودة أيضاً، أصبحت السلع والمعدات الصينية الآن تنافس المنتجات التركية والأوروبية، بل وتتفوق عليها".

مصدر الصورة

وانتشرت الألواح الشمسية الصينية في إدلب والمناطق المحيطة بها، حيث انقطعت إمدادات الكهرباء عن العديد من السكّان.

ويقول صفوان حاج عثمان، الذي بدأ نشاطه التجاري في مجال الطاقة الشمسية في إدلب قبل خمس سنوات: "لا يكاد يوجد منزل أو مصنع أو متجر في إدلب غير مزود بألواح شمسية".

ويقدر حاج عثمان، الذي يورد الألواح الشمسية من عدة دول، أن الألواح الصينية الجديدة تشكل حوالي 60 في المئة من الأنظمة الشمسية المثبتة في إدلب، بينما يتم استخدام الألواح الأوروبية المستعملة لبقية الأنظمة.

وأصبحت إدلب، التي كانت تُعتبر سابقاً منطقة نائية إلى حد ما، وجهة للسوريين من المناطق التي كانت تحت سيطرة النظام السابق لشراء كل شيء، بدءاً من الأدوات المنزلية وحتى المعدات الصناعية، ومعظمها صيني الصنع.

ويقول جدعو مازحاً: "أصبحت إدلب في الوقت الحاضر مثل باريس".

ومن المرجح أن تزدهر نشاطات العديد من التجار الذين لديهم روابط مع الموردين الصينيين في سوريا الجديدة، إذ ينشر البعض منهم على وسائل التواصل الاجتماعي حول كيفية مساهمة أعمالهم في إعادة الإعمار في البلاد.

بعد أيام قليلة من انتصار المعارضة، بدأ حاج عثمان يتلقى طلبات لتركيب أنظمة الطاقة الشمسية في المناطق التي كانت تحت سيطرة النظام، فيما قال جدعو لبي بي سي إنه يقوم بتلبية طلبات للآلات الصينية المخصصة للمصانع في حماة ودمشق.

إعادة الإعمار: فرصة لبدء المشاركة؟

وتحتاج سوريا بشكل كبير إلى إعادة بناء المرافق العامة والبنية التحتية، وهي مهمة تتطلب استثمارات ومعرفة فنية واستعداداً للمخاطرة أكبر مما هو الحال مع بيع السلع للمنازل والمتاجر والمصانع بشكل فردي.

بذل الأسد جهوداً دؤوبة لجذب المشاركة الصينية في خطط إعادة إعمار البلاد. كان أحد الأمثلة على ذلك صفقة بقيمة 30 مليون دولار لتوريد المعدات التي كانت ستستخدم لإعادة بناء البنية التحتية المتضررة للاتصالات في سوريا.

في الوقت ذاته، كان لدى إدلب شبكة اتصالات محلية خاصة بها، "سيريافون"، التي تم ترخيصها من قبل سلطات المعارضة. تغطي هذه الشبكة إدلب والعديد من المدن المحيطة، واستخدمت كذلك مكونات صنعتها الشركات الصينية.

ويقول أحمد أبو دوح، زميل مشارك في معهد "تشاتام هاوس"، ورئيس دراسات الصين في "إي بي سي" - وهو مركز أبحاث مقره الإمارات: "إعادة تأهيل مرافق الطاقة، إعادة بناء الموانئ... وكل تلك القرى والمدن التي دمرتها الحرب... الصينيون ماهرون جداً في ذلك، ويمكنهم إنجازه بسرعة كبيرة".

حتى الآن، يبدو أن الحكومة الجديدة في سوريا تحاول وضع العلاقات على أساس جديد. فبعد سقوط الأسد، رفعت السفارة السورية في بكين بسرعة العلم السوري الجديد، وأصدرت بياناً يحتفل بالإطاحة به، دون ذكر الدعم الدبلوماسي الصيني لحكمه.

وأضافت السفارة: "نؤكد أننا نعتمد على الدور الصيني في إزالة العقوبات الظالمة على سوريا، ولاحقاً في مهمة إعادة الإعمار".

الحزب الإسلامي التركستاني: هل هو العقبة الكبرى؟

وعلى الرغم من كل ذلك، فقد كسرت الصين صمتها علناً مرات عدة لتسليط الضوء على قضية واحدة: مشاركة الإيغور في الدولة السورية الجديدة، بما في ذلك تعيين بعضهم في مناصب قيادية في الجيش.

وفي بيان صدر في 18 فبراير/ شباط الماضي، قالت وزارة الخارجية الصينية إن لديها "تحفظات جدية" بشأن رفع العقوبات الدولية عن هيئة تحرير الشام لهذا السبب، مطالبة حكام سوريا الجدد باتخاذ إجراءات حازمة.

يقول أبو دوح: "يكشف لي ذلك أن حل قضية الإيغور هو شرط لكي تلعب الصين دوراً مهماً في إعادة بناء وإعمار سوريا".

وشارك أعضاء من المجموعة الإيغورية المعروفة باسم الحزب الإسلامي التركستاني في الهجوم النهائي للثوار في سوريا، وأصبح لهم حضور راسخ في شمال غرب البلاد من خلال المشاركة النشطة في الصراع على مدى عدة سنوات.

وفي 8 ديسمبر/كانون الأول الماضي، وهو يوم سقوط دمشق، نشر الحزب الإسلامي التركستاني مقطع فيديو يقول فيه: "لقد قاتلنا في حمص، وفي إدلب، وسنواصل القتال في تركستان الشرقية"، في إشارة إلى الاسم الذي تستخدمه المنظمة لموطن الإيغور في شينغ يانغ، غربي الصين.

أطلقت السلطات الصينية في عام 2017 برنامجاً للاعتقالات الجماعية في شينغ يانغ، ضمن حملة أوسع لقمع جوانب من هوية الإيغور والممارسات الدينية الإسلامية مثل إطلاق اللحى والصيام، معتبرة أن هذه علامات على ما تسميه "التطرف".

منذ سقوط الأسد، اتخذ الشرع نهجاً براغماتياً، يظهر بوضوح في إعلان العفو عن المسؤولين الحكوميين وحتى الجنود الذين خدموا تحت حكم الأسد، طالما أنهم لم يشاركوا في التعذيب والانتهاكات الأخرى.

هذا الاستعداد للنسيان باسم التعافي الوطني قد ينطبق أيضاً على الدعم الذي قدمته الصين سابقاً للأسد.

ولكن بما أن الإيغور - رفاق السلاح للحكومة السورية الجديدة على مدى عدة سنوات - يشكلون إحدى العقبات الرئيسية أمام توثيق العلاقات مع الصين، فإن البحث عن حل مقبول لبكين قد يجهد هذه البراغماتية إلى الحد الأقصى.

وفيما يتعلق بالشكل الذي قد يبدو عليه الحل المقبول بالنسبة لبكين، يقول أبو دوح إن علاقات الصين مع طالبان بعد سيطرتها على أفغانستان ربما تقدم بعض الأدلة حول ذلك.

ويشير أبو دوح إلى أن طالبان لم تعد أياً من الإيغور إلى وطنهم، قائلاً: "في الوقت نفسه، ضمنوا ووعدوا الصينيين بأن أفغانستان لن تتحول إلى منصة لإطلاق هجمات إرهابية ضد المصالح الصينية"، مضيفاً أن "الصينيين براغماتون للغاية".

بي بي سي المصدر: بي بي سي
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا