آخر الأخبار

فلسطين ذاكرة المقاومات.. محمد بنيس يقدم شهادة ثقافية إبداعية

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

"فلسطين مبتدأ الكلام ومنتهاه"، هذا ما عبّر عنه الشاعر والكاتب المغربي محمد بنيس في مفتتح كتابه عن فلسطين، حيث يقول:

"بودي لو أخط كلمة واحدة. فلسطين. في كتاب أوراقه لا نهاية لها. بودي لو أستمر في كتابتها يوما بعد يوم، ثم يستأنف كتابتها أحد ممن سيأتون من بعدي. ولا تتوقف الكتابة جيلا بعد جيل. كلمة هي مبتدأ الكلام، وهي منتهاه، في آن. شطحة، أكتد أقول. أوسع من رغبة وأبعد. كلمة واحدة. فلسطين. بالمداد الصيني الأسود، فوق ورقة بيضاء، تنتهي لتبدأ باستمرار. كلمة تتكرر إلى ما لا نهاية. فلسطين. بيد تتبدل، من لغة إلى لغات".

في هذا الكتاب الموسوعي المعنون بـ"فلسطين ذاكرة المقاومات" الواقع في 423 صفحة من الحجم المتوسط، والصادر عام 2021 عن "المركز الثقافي للكتاب"، يسعى الشاعر محمد بنيس إلى "إخراج فلسطين من العزلة التي حاولت الآلة الجهنمية الأميركية والإسرائيلية إدراجها فيها استعدادا للجنازة التي لم تفلح فيها بفضل طوفان الأقصى الذي أدهش العالم في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وذلك عبر استعادة الذاكرة وتقديم شهادة إبداعية وثقافية عن فلسطين".

ويسعى الشاعر المغربي إلى تحقيق رغبة قديمة لديه، فقد تفتق وعيه السياسي بمداه العربي من خلال القضية الفلسطينية الحاضرة في مختلف كتاباته الشعرية والنثرية، ووفاء أيضا لوعده لأصدقاء فلسطينيين في عام 2017 بجمع كل ما كتبه عن فلسطين في كتاب.

مصدر الصورة الشاعر والكاتب المغربي محمد بنيس يسعى من خلال كتابه إلى إخراج فلسطين من العزلة التي حاولت الآلة الجهنمية الأميركية والإسرائيلية إدراجها فيها (الجزيرة)

كتاب التقاطعات

هذا هو منطلق كتاب "التقاطعات" هذا، المهدى إلى عالم الاجتماع المغربي الراحل عبد الكبير الخطيبي الذي خصّ فلسطين في سبعينيات القرن الماضي بكتاب عنها بعنوان "الحمى البيضاء، الصهيونية والوعي الشقي لليسار الأوروبي"، الذي حملت ترجمته العربية عنوان "الصهيونية واليسار الغربي"، وهو كتاب متفرد واجه فيه دموع الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر على إسرائيل، وقدم فيه محاكمة عالمة للأيديولوجية الصهيونية، وأعلن فيه عن انتصاره للقضية الفلسطينية، مما جعل دور النشر الفرنسية تمتنع عن نشر طبعة ثانية من هذا الكتاب الاستثنائي.

إعلان

هذا إلى جانب أن المفكر عبد الكبير الخطيبي طرح في كتابه "النقد المزدوج" أسئلة ذات طبيعة تكوينية عن فلسطين، وتساءل عن الأسباب الخفية وراء الإصرار على القضاء على الشعب الفلسطيني وتجريم المقاومة، في حين يسود الصمت حول الجرائم الصهيونية المرتكبة في حق الفلسطينيين أمام أنظار العالم.

وما عجل بهذا الكتاب، كما يقول الشاعر محمد بنيس في تقديمه لهذا الكتاب الذي يحمل عنوان "اسمك فلسطين"، هو اقتراب الإعلان عن الفصول الأخيرة من "صفقة القرن"، حيث تفرغ لهذا الأمر وفتح ملفاته القديمة وجمع كل ما كتبه وقراءه من كتب ودراسات عن الصهيونية وفلسطين لم يكن قد اطلع عليها من قبل، لأنه متأكد من أن "صفقة القرن" لن تزيل اسم فلسطين، وهذا ما أدركه كما يقول "من المقاومة الفلسطينية عبر منعرجات تاريخها، وعبر التعبيرات المختلفة عنها، شعبيا، سياسيا، أدبيا، فكريا وفنيا. هكذا أدركت، منذ السبعينيات، أن ما يتحقق على الأرض هي المقاومات، بما هي مقاومة متعددة متفاعلة ومتكاملة. هذه المقاومات هي ما كنت أرصده في كتابات، من مكان إلى آخر، ومن زمن آخر".

ولأن القضية الفلسطينية حاضرة في كتابات محمد بنيس الشعرية والنثرية ومقالاته ودراساته، بل إن مواقفه وانخراطه المبكر في الدفاع عن القضية الفلسطينية يسجلها التاريخ، وما انسحابه من أمانة جائزة الشيخ زايد للكتاب مع بداية التطبيع إلا جزء من هذا الإيمان الكبير بهذه القضية الأساسية والمصيرية بالنسبة إليه وإلى الكثير من الكتاب والمفكرين والمبدعين الأجانب والعرب والمغاربة الذين اختارهم بعناية كبيرة ليشاركوه في هذا الكتاب.

وقد انكب على تأليفه، وسافر إلى فرنسا من أجل الاطلاع على ما تتوفر عليه مكتباتها من كتب ودراسات عن فلسطين والصهيونية، وأشرك أصدقاءه الخلّص في فكرة كتابه الذي أصر على أن يكون "جماعيا وانتقائيا" يضم نصوصه ونصوص غيره، مركزا على الذاكرة الثقافية والإبداعية والفكرية بالأساس من خلال استدعاء أسماء بعينها لها تأثيرها الخاص عليه وعلى القضية الفلسطينية وعلى رأسهم الشاعر محمود درويش "سيد الكلام" كما يصفه بنيس.

إعلان

يبتدئ هذا الكتاب بقصيدة درويش "على هذه الأرض"، ويختتم بقصيدة "سأقطع هذا الطريق" المأخوذتين من ديوانه "ورد أقل"، ويشرك أيضا إدوارد سعيد، وإيميل حبيبي، وغسان كنفاني، وفدوى طوقان، وسحر خليفة، ومريد البرغوتي، وهشام شرابي، وخليل السكاكيني، وروحي الخالدي، وكامل العسلي، وإلياس صنبر، وغسان زقطان وغيرهم من الكتاب والمؤرخين والشعراء الفلسطينيين، ولم يستدع من الكتاب العرب سوى اسمين هما المؤرخ والمفكر السوري قسطنطين زريق، والروائي اللبناني إلياس خوري الذي جمع بين همّ الأدب والوجع الفلسطيني.

وإضافة إلى تلك الأسماء، يحضر في الكتاب مجموعة من الأسماء الغربية اليهودية وغير اليهودية بدءا المفكر اليهودي الألماني بموشي هيس الذي يعد رأس الفكر الصهيوني، والصحفي النمساوي اليهودي مؤسس الحركة الصهيونة ثيودور هرتزل، والمؤرخ الفرنسي مكسيم رودنسون، والمستشرق الفرنسي لويس ماسينيون، وعالم النفس النمساوي اليهودي سيغموند فرويد، والفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، والمؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند، والكاتبة والناشطة الحقوقية الأميركية أنجيلا ديفيس، والكاتب الفرنسي جان جونيه، والكاتب والعالم السياسي الكاميروني أشيل مبيمبي، والكاتب والناشط الحقوقي الأميركي جيمس بالدوين، والفيلسوف واللساني الأميركي نعوم شومسكي، وغيرهم من الكتاب الذين تمكنوا من إلقاء الضوء على القضية الفلسطينية وعلى جذور الفكر الصهيوني وتحولاته.

أما البعد المغربي فيحضر في الكتاب من خلال ثلاثة أسماء أساسية بالنسبة إلى الشاعر محمد بنيس، وهم: المفكر عبد الله العروي، والسوسيولوجي عبد الكبير الخطيبي، والكاتب المغربي اليهودي إدمون عمران المالح المناهض للصهيونية والمنتصر لقيم الحياة والإنسانية، يبرز من خلالها حضور القضية الفلسطينية كهم أساسي في الكتابات الفكرية والفلسفية والإبداعية المغربية.

إعلان

أسماء ونصوص منتقاة بصرامة

وعن معايير اختياره للأسماء التي يشركها في كتابه التوثيقي الثقافي لذاكرة المقاومات الفلسطينية، يقول الشاعر محمد بنيس للجزيرة نت إن الكتاب يضم "أسماء فلسطينية ومغربية، واسمين عربيين، وأسماء غير عربية من عدة لغات وثقافات، مع الجمع بين قدماء وحديثين، يهود ومسيحيين ومسلمين، أدباء ومفكرين ومؤرخين وعلماء. لو كنت أريد إثبات جميع من كتبوا وكل ما كتبوا لكنت توقفت، عاجزا، قبل أن أبدأ. أصل الكتاب هو أنني كنت عام 2017 وعدت بعض الإخوة الفلسطينيين بأن أجمع في مؤلف ما كتبت عن فلسطين منذ السبعينيات من القرن الماضي، أي منذ ما يقرب من 50 سنة. لكن، عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن "صفقة القرن"، اتضح لي أن الوقت قد حان للوفاء بالوعد.

ويضيف:

"أما خطورة ما أقدم عليه فقد بعثت في نفسي الإحساس بأن مشروع الكتاب لا يجب أن يقتصر على ما كتبت، بل يتطلب أن يكون أوسع وأشمل لما يمثل "ذاكرة المقاومات". بهذه الرؤية المضادة لإعلان ترامب أصبح المشروع مختلفا عما كان في البداية. لذا كان لا بد من الصرامة في اختيار الأسماء والنصوص، ومن اعتبار السنوات الطويلة التي صاحبت فيها القضية الفلسطينية والفلسطينيين، وكذلك قراءاتي في الموضوع. هو اختيار ينعكس في بناء الكتاب على غير مثال، بما هو بناء بإمضائي الشخصي لا بإمضاء شخص آخر. الإمضاء الشخصي هو ما يؤلف بين كتابتي وعروبتي ومغربيتي ومواطن الحرية في العالم".

ويتابع بنيس أن ما كان يعنيه هو أن يكون الكتاب تجربة في التأليف، تتمسك منهجيتها بممارسته في الكتابة والإبداع، حيث توصل إلى اختيار أسماء ونصوص في حدود عدد مقبول من الصفحات وإمكانية التنفيذ في مدة زمنية مضغوطة. المنظور، بالنسبة إليه، هو أن يكون الكتاب "مفيدا ومغريا بالقراءة، ومن أجل الوصول إلى هذا البناء، سافرت إلى باريس حيث قضيت أوقاتا في مكتبات وقرأت العديد من الكتب والمجلات والوثائق، والتقيت أصدقاء فرنسيين. وأتمنى أن يقوم غيري بوضع عمل آخر بمنهجية مختلفة وربما بأسماء ونصوص تستجيب لرؤيته وذاتيته. وهو ما سيغني قراءتنا الثقافية لفلسطين، شعبا وتاريخا ومقاومة".

"على هذه الأرض ما يستحق الحياة: على هذه الأرض سيدة الأرض، أم البدايات، أم النهايات. كانت تسمى فلسطين. صارت تسمى فلسطين. سيدتي: أستحق، لأنك سيدتي، أستحق الحياة"، هذا مقطع أخير من قصيدة محمود درويش "على هذه الأرض"، والتي يفتتح بها الشاعر محمد بنيس الجزء الأول من هذا الكتاب المعنون بـ"إشراق ذاكرة".

إعلان

يضم الجزء الأول هذا مجموعة من النصوص المضيئة لكل من إدوارد سعيد وسيغموند فرويد، وعبد الله العروي، وعبد الكبير الخطيبي، وياقوت الحموي، وابن حوقل، ومكسيم رودنسون، وقصيدة "أناشيد الحضور" لمحمد بنيس، التي لم يوثقها باسمه شأنها شأن نصوصه الأخرى المدرجة في هذا الكتاب المتميز بخصائص فنية على مستوى طبع النصوص وإخراجها أو على مستوى أقسام الكتاب السبعة، فجميع نصوص الشاعر محمد بنيس النثرية والشعرية، ومنها من لم ينشره من قبل، مكتوبة بخط عادي وفي سطر يملأ الصفحة.

وقد كتبت النصوص المختارة من القراءات الشخصية للشاعر مكتوبة بخط مائل، وأرقامها لاتينية موضوعة في الوسط. كما أن نصوص الآخرين تتميز بتصنيفها إلى "أغنية/ إراءة" بالنسبة إلى الشعر، و"وجه/ضوء" بالنسبة إلى النثر، مع إثبات اسم المؤلف في أعلى الصفحة، والمرجع في نهاية النص مع اسم المترجم. أما ما خلا من اسم المترجم فهو ترجمة خاصة للشاعر.

كتاب مفتوح وذاكرة إبداعية

إن هذا البناء المركز المعتمد في أقسام الكتاب: "إشراق ذاكرة" و"عبر المآسي" و"إبداع رؤية" و"من هنا غزة" و"سيد الضوء: محمود درويش" و"أزمنة القدس" و"ذاكرة في مكانها"، يركز على التوثيق بقدر ما يحرص على الإبداع، ويتيح للقارئ الاطلاع على مواد هذا الكتاب المفتوح بمتعة ومن دون ترتيب، ويقربه من رؤية الكاتب لذاكرة المقاومات، وما رصده عبر سنوات طويلة وما ظل وفيا لحدوده ورهاناته.

كما يمنح الكتاب للذاكرة قيمتها الأساسية لأنها تأخذ في الكتابة عن فلسطين، كما يقول الكاتب في تقديمه لهذا المؤلف الجماعي التوثيقي، "وضعية المنبه على تعدد في الوقائع والأفعال، تعدد في الرؤية والمقاربات. هي أيضا ذاكرة لتوصيل الأساسي مما نعرف إلى القادمين، إذ بدون توصيله ستبقى الشهادة على زمن القضية الفلسطينية ناقصة". ويخلص بنيس إلى أن الكتاب تولد عن إحساس بأن "الذاكرة ضرورية، لكنها متعددة، ولكي يكون لها معنى لا بد أن تكون ذاكرة شاملة لما هو صوت جماعي من أجل فلسطين".

مصدر الصورة بنيس لاحظ دائما على حركة المساندة للقضية الفلسطينية في المغرب والعالم العربي أنها تولي الاهتمام فقط لما هو تعبوي من مظاهرات ودعم مالي، إلا أنها ينقصها المركز، وهو البعد الثقافي لهذه المأساة الكبرى (الجزيرة)

إن نصوص هذا الكتاب تقدم ذاكرة إبداعية للمقاومات التي هي ذاكرة فلسطين، يتوخى بنيس من ورائها أن تظل حاضرة ويقظة، ذاكرة تسجل وتحفظ وتسترجع ما تحقق جيلا بعد جيل من وقائع وأفعال، تدل على أن المقاومة لن تنتهي، وأن الثقافة بإمكانها فعل الشيء الكثير والذهاب بالمقاومة إلى ما هو أبعد، على عكس ما كان يعتقده الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، الذي جمعه لقاءان غير مرتبين بالشاعر المغربي محمد بنيس، حسب ما حكاه في اللقاء المنظم لتقديم هذا الكتاب من طرف المقهى الأدبي "كرسي فاطمة المرنيسي" بشراكة مع مؤسسة "هبة" بالرباط تحت شعار "فلسطين بعيون مغربية" وبمشاركة الباحثة في علم الاجتماع ليلى بوعسرية، حيث كان بنيس وغيره من الكتاب والشعراء يحثونه على الاهتمام بالثقافة لما لها من دور فعال في المقاومة الفلسطينية، فكان عرفات يقول "عندما نحرر شبرا واحدا من فلسطين سنهتم بالثقافة".

إعلان

ولهذا وجد بنيس نفسه مضطرا، كما أضاف في هذا اللقاء، للتذكير بالأساسي في هذا العمل، وهو البعد الثقافي للقضية الفلسطينية والكفاح الفلسطيني عبر التاريخ، وكفاح مجموعة من الكتاب والأدباء والعلماء والمفكرين والفلاسفة في هذا الموضوع، حيث كان يلاحظ دائما على حركة المساندة في المغرب والعالم العربي أنها "تولي الاهتمام فقط لما هو تعبوي، وهذا جميل، من مظاهرات ودعم مالي، إلا أنها ينقصها المركز، وهو البعد الثقافي لهذه المأساة الكبرى، بما فيه الأصول الفكرية للصهيونية، والتعريف بها، وامتداداتها، وتفرعاتها".

هذا مع العلم أن البعد الثقافي، كما يقول، "يغني وعينا بالقضية الفلسطينية، ويجعل تضامننا مع الفلسطينيين أقوى؛ فنعي أننا لسنا في حالة عابرة. الثقافة تجعلك لا تنسى لأنها تترسخ في وجدان الشخص، وتجعلك لا تتوقف عن القراءة بخصوص فلسطين. ومثال ذلك استمرار الكتابات حول القضية الفلسطينية، ولو تعرض كتابها لمشاكل كبرى في دولهم المسماة ديمقراطية، وهي لم تعد كذلك للأسف".

وهذا بالفعل ما لاحظناه أيضا مع "طوفان الأقصى"، حيث كان هناك سعي حثيث للآلة الغربية الأميركية وغيرها لطمس فلسطين وإخماد شعلة التعاطف والتضامن العالمي مع الفلسطينيين في أرضهم، وهنا نسائل الثقافة وما يمكن أن تفعله لمواجهة هذا الطغيان والقمع والعنف المستشري عبر العالم، وهو ما يجيب عنه الشاعر محمد بنيس.

إذ يقول في تصريح للجزيرة نت "الثقافة تمد الفرد والجماعة بالرؤية المتعددة والمركبة للوقائع الفردية والجماعية، تنمي الشعور بالأنا والآخر، تدل على الانتماء إلى فكرة، تؤدي إلى الوعي، وتحرض على الخيال. عندما نقول الثقافة نقصد بها الأدب والفنون والعلوم الإنسانية، متفاعلة مع ثقافات الشعوب. بهذا المعنى نفهم أن للفلسطينيين ثقافة وصلوا إلى بنائها بما حققوه من أعمال وخبرات على المستوى الإنساني. بهذه الثقافة اكتسبوا هويتهم، التي حمتهم من الخطاب الصهيوني الذي يبرر به إنكار وجودهم، وميزه العنصري، وممارسة الإبادة الجماعية ضدهم".

مصدر الصورة الشاعر محمد بنيس يؤكد أن القضية الفلسطينية، مثل جميع قضايا الشعوب المستعمرة، ليس من الممكن حلها وانتصارها على الاستعمار الإسرائيلي إلا بالمقاومة (الجزيرة)

الترابط بين المقاومة والثقافة

ويضيف بنيس أن الثقافة، عربيا ودوليا، لها مكانتها في تعضيد فعل المقاومة، وما "يكشف عنه تاريخ الثقافة الفلسطينية وتاريخ الثقافة المتضامنة عبر العالم مع الشعب الفلسطيني لا نراهما بما يكفي، لأن العربي لا يقرأ، يسعد بالكلام ويتجاهل الكتاب أو يزدريه. فالثقافة تصبح قوة عندما يكون لها مكانها في المجتمعات العربية، ومنها المجتمع الفلسطيني. هنا نكون وجها لوجه مع الوضعية الفلسطينية الأصعب، التي لا تفتح الخطابة أبوابها. ففي كل فعل ثقافي رؤية نقدية، لأنه فعل تاريخي يطرح سؤال الوجود في زمن تهدد الغطرسة الأميركية الإسرائيلية الفلسطينيين بتهجيرهم من غزة والضفة الغربية، ومن وراء غزة والضفة، حيث لا نرى ولا نسمع. هكذا تفعل الثقافة الكثير مما يلزم فعله في زمن مضاد للثقافة. ومن هنا يجب أن نبدأ".

إعلان

وعن "طوفان الأقصى" الذي زلزل العالم وأعاد فلسطين إلى الواجهة من جديد بفضل مقاومة أبنائها، يرى الشاعر محمد بنيس في هذا الكتاب أن المقاومة هي الحل الأساسي والأبدي للقضية الفلسطينية، ويقول إن "طوفان الأقصى" جاء "مفاجئا للجميع، فيما أحدث رجة داخل فلسطين المحتلة هي الأولى من نوعها في تاريخ الاحتلال الإسرائيلي، بعد لم يعد اسم فلسطين متداولا. وما تحقق بعد اختراق المقاومين حواجز الحصار هو، بالفعل، ارتفاع اسم فلسطين من جديد في سماء الحرية عبر العالم. والحرب الوحشية التي واجهت بها إسرائيل-أميركا أو أميركا-إسرائيل الفلسطينيين في غزة، أيقظت النفوس الحرة في العالم على كذب الخطاب الصهيوني الاستعماري لأكثر من قرن".

ويؤكد الشاعر ذاته أن القضية الفلسطينية، مثل جميع قضايا الشعوب المستعمرة، "ليس من الممكن حلها وانتصارها على الاستعمار الإسرائيلي إلا بالمقاومة. هو استعمار كان أوله الصهيونية الدينية والصهيونية الليبرالية، مدعومة بالانتداب الإنجليزي، وبالقوى الغربية، الأوروبية والأميركية، وبالدولة السوفياتية. ومن الجانب الفلسطيني، كانت هناك الخلافة العثمانية المتهاوية، وحركة القومية العربية ومآلاتها التراجيدية. وهي تفيد بأن القضية الفلسطينية أعقد مما عرفناه من الأنماط السابقة للاستعمار منذ القرن السادس عشر.

لذا فإن الاستمرار في الوقوف الفاعل إلى جانب المقاومة يحتاج إلى البعد الثقافي، ومنه ثقافة الصبر على قطع طريق طويل، لا ملل منه ولا تهاون فيه. ويتضح أن المسعى الأميركي، اليوم، لتهجير أبناء غزة من أرضهم إعلان صريح عن تصفية مشروع استقلال الشعب الفلسطيني من خلال حل الدولتين، وعن ترسيم الزمن الإسرائيلي الأميركي في البلاد العربية، ينهي حلم العرب بإعادة بناء الذات ومشاركتهم في الحوار الحضاري مع سواهم في العالم.

مصدر الصورة تيودور هرتزل مؤسس دولة إسرائيل تحمس في البداية للحصول على قطعة من الأرض لليهود في أي مكان، وعبأ جهوده وعلاقاته المتشعبة للبحث عنها (الأوروبية)

وإذا كانت المقاومة الفلسطينية خاضت المعارك الأولى، منذ الثلاثينيات، فهي في "طوفان الأقصى" أبرزت قدرتها على التخطيط البعيد المدى والاعتماد على النفس في قتال امتد، حتى الآن، أربعة عشر شهرا، لم يسبق للاحتلال الإسرائيلي أن تخيل حدوثه. ودعوة التهجير، التي نادى بها دونالد ترامب، صعدت رفض الاحتلال والتهجير في آن، ووحدت العالم، في مواجهة أميركا وإسرائيل. وهي معركة طويلة".

إعلان

وبشكل عام، إن كتاب "فلسطين ذاكرة المقاومات" كتاب موسوعي ومغامرة أدبية نجح الشاعر محمد بنيس في نسج خيوطها وتشبيك العلائق بين نصوصها المنتقاة بعناية وصرامة كبيرتين، وهي نصوص تمد القارئ بالكثير من الحقائق وتصحح مجموعة من المغالطات التاريخية، من مثل أن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني قد باع فلسطين لليهود، في حين أن الحقيقة التي يسجلها هرتزل نفسه في مذكراته هي رفض السلطان العثماني لهذا الأمر جملة وتفضيلا. رغم كل الإغراءات المالية والنفوذية التي قدمها له، فإن السلطان عبد الحميد قال له بوضوح تام "إنني لن أسير أبدا في هذا الأمر، لا أقدر أن أبيع ولو قدما واحدة من البلاد لأنها ليست لي، بل لشعبي، ولقد حصل شعبي على هذه الإمبراطورية بإراقة دمائهم، وقد غذّوها فيما بعد بدمائهم، وسوف ندافع عنها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا".

ويوضح بنيس أن هرتزل تحمس في البداية للحصول على قطعة من الأرض لليهود في أي مكان، وعبأ جهوده وعلاقاته المتشعبة للبحث عنها إما في الأرجنتين أو سيناء أو العريش أو أفريقيا الجنوبية أو الموزنبيق أو الكونغز البلجيكي أو طرابلس الليبية أو قبرص أو الأناضول أو أوغندا، لكنه ظل متعلقا بفلسطين ومتحمسا لها حتى آخر حياته هو ويهود أوروبا الشرقية وروسيا.

وحتى يواجه مؤلف هذا الكتاب خطاب الخلط والتعمية وأشكال التلاعب بالقيم التي اجتهد في إرسائها أغلب الغربيين من اليهود وغير اليهود من أجل تبرير إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين متغاضين عن الرؤية الاستعمارية العنصرية التي تؤطرها.

كما أفسح المجال في هذا المصنف الجماعي لمقاطع مهمة من كتابات مجموعة من المفكرين والمؤرخين والكتاب والمدعين الفلسطينيين، على رأسهم المفكر إدوارد سعيد الذي فككك العديد من الأطروحات الغربية المهيمنة والعلاقة المعقدة بين الصهيونية والاستعمار الغربي، حيث اعتبر كتاباته "درسا لكل من يريد أن تبقى ذاكرة المقاومات حية، راسخة، وواثقة في المضي نحو الأبعد في المقاومة"، إلى جانب الشاعر محمود درويش "شاعر المقاومة" الحاضر ببهاء عبر مختلف المقاومات، والذي قاوم من أجل أن يكون "الشعر لغة فلسطينية حديثة"، كما يقول عنه بنيس في الجزء المخصص له في هذا الكتاب المعنون بـ"سيد الضوء: محمود درويش"، ومن أجل أن "تبقى فلسطين لغة إنسانية مشتركة".

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا