آخر الأخبار

راتب الثمانينيات أم راتب 2026.. أيهما يؤمن حياة أفضل؟

شارك

في صباح من عام 1983، يستيقظ يوسف في القاهرة وهو في الثلاثين من عمره، يرتدي قميصه ويستعد لعمل قد يكون في وزارة أو شركة عامة، بينما يخرج جوزيف إلى عمله في مصنع أو مكتب أمريكي، ويوري إلى مؤسسة حكومية في الاتحاد السوفياتي، ولي وي إلى وحدة عمل صينية ما زالت تحمل ملامح الاقتصاد المخطط. أربعة رجال في العمر نفسه، يعيش كل منهم داخل اقتصاد مختلف، لكنهم يشتركون في سؤال واحد لم يكن أحدهم يعرف أنه سيطارده بعد 43 عاما، ماذا يستطيع أن يشتري براتبه فعلا؟

اليوم، تعيد موجة صور الذكاء الاصطناعي على منصات التواصل الناس إلى الثمانينيات بملابسها وتسريحاتها وسياراتها، لكن الصورة لا تُظهر الراتب في الجيب، ولا الإيجار في نهاية الشهر، ولا سنوات الانتظار للحصول على شقة، ولا عدد الرواتب اللازمة لشراء منزل، وهنا تصبح العودة إلى 1983 أكثر إثارة إذا تركنا شكل الحياة جانبا وسألنا عن ثمنها.

لذلك لا تقارن هذه الرحلة بين الجنيه والدولار والروبل واليوان، ولا تحاول تحويل راتب قديم إلى قيمته الحالية فقط، فالمقارنة الأهم هي بين ما يستطيع الراتب أن يحققه لصاحبه: كم يستهلك الطعام منه؟ وكم يحتاج من سنوات للحصول على منزل؟ ومدى استقرار الوظيفة التي تمنحه هذا الدخل، وما إذا كان راتب واحد يكفي لبناء أسرة.

فالراتب لا تساوي قيمته الرقم المكتوب عليه، بل المساحة التي يفتحها لصاحبه داخل الحياة.

يوسف.. 60 جنيها ودولة تحمل جزءا من الفاتورة

في مصر عام 1983، كان يوسف يدخل سوق عمل تؤدي فيه الدولة دورا أكبر كثيرا من اليوم، فالوظيفة الحكومية وشركات القطاع العام لم تكونا مجرد مسارين مهنيين، بل جزءا من نموذج اقتصادي وفر لشرائح واسعة من المتعلمين وظيفة أكثر استقرارا ومعاشا وتأمينا صحيا، في وقت مثلت فيه الهجرة إلى دول الخليج مسارا موازيا لرفع الدخل وتكوين المدخرات.

مصدر الصورة يوسف 1983 صاحب راتب محدود، لكن الدعم الحكومي كان يتحمل جانبا مهما من تكاليف معيشته (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

وتشير بيانات أوردتها دراسة مكتبة الكونغرس عن الاقتصاد المصري إلى ارتفاع متوسط الأجر على مستوى الاقتصاد من نحو 257 جنيها سنويا عام 1977 إلى نحو 1210 جنيهات عام 1986، وبوضع يوسف في منتصف هذا المسار تقريبا، يمكن تصور دخله في 1983 عند حدود 60 جنيها شهريا، مع اختلاف الأجور بطبيعة الحال بين الوظائف والقطاعات.

إعلان

لكن قيمة هذه الستين جنيها لا تُفهم منفصلة عن الاقتصاد الذي كانت تتحرك داخله. فقد كانت أسعار المستهلك ترتفع بنحو 15% سنويا خلال تلك الفترة، وفق المصدر نفسه، وهو ما أدى إلى تآكل الدخول الثابتة حتى شاع وصف شريحة من موظفي الحكومة بـ"الفقراء الجدد".

ومع ذلك، لم يكن يوسف يدفع من راتبه كل ما تدفعه الأسرة اليوم بالسعر السوقي. فالدولة كانت حاضرة في الغذاء والطاقة والنقل والسكن، وهو ما أبقى التكلفة النقدية لبعض الاحتياجات منخفضة. ولهذا قد يبدو راتبه صغيرا إذا قرأناه بأرقام اليوم، لكنه كان يعمل داخل منظومة تحمل الدولة فيها جزءا من فاتورة الحياة.

هذه الميزة نفسها حملت مشكلة أخرى، فالأسعار المنخفضة لم تكن دائما دليلا على الوفرة، والسكن يقدم أوضح مثال.

المنزل الرخيص الذي كان عليك أن تجده أولا

تظهر مفارقة السكن في القاهرة القديمة بوضوح في قوانين الإيجار التي جمدت عقودا لعقود طويلة. وتوثق مجلة نيو لاينز حالة شقة في وسط القاهرة ظل إيجارها عند 14 جنيها شهريا على مدى عقود، وهو رقم يبدو اليوم أقرب إلى الخيال.

مصدر الصورة الإيجارات القديمة في مصر شديدة الانخفاض، لكن ندرة المساكن و"خلو الرجل" كانا جزءا من المعادلة (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

لكن الإيجار المنخفض لم يجعل الشقة متاحة لأي شاب يريدها.

فمع تثبيت الإيجارات تقلصت الحوافز لإتاحة وحدات جديدة بالنظام نفسه، وظهرت سوق موازية تمثلت في "خلو الرجل"، حيث يدفع المستأجر مبلغا كبيرا مقدما للحصول على عقد منخفض الإيجار، وبذلك أصبح للسكن ثمن لا يظهر في الإيصال الشهري، فمن يحصل على الوحدة يدفع قليلا كل شهر، لكن الوصول إليها نفسه قد يكون مكلفا وصعبا.

وفي 2025 أنهت مصر النظام القديم بصورته التاريخية عبر تشريعات جديدة، وتشير تقديرات أوردتها مؤسسة جوريست (JURIST) إلى أن نحو 3 ملايين وحدة ونحو 1.6 مليون أسرة تأثرت بالإصلاح.

وهنا تتغير معادلة يوسف بين الجيلين. يوسف 1983 كان يعيش في سوق يمكن أن تمنحه إيجارا شديد الانخفاض إذا نجح في الدخول إليها، أما يوسف 2026 فيواجه سوقا أكثر اعتمادا على الأسعار الفعلية، لكنه يدفع مقابل ذلك نسبة أكبر كثيرا من دخله للحصول على السكن.

لم يختف العبء، إنما تغير شكله فقط.

جوزيف.. البيت كان أقرب لكن البنك كان أقسى

في الولايات المتحدة، تبدو المقارنة أكثر قابلية للحساب، فحسب مكتب الإحصاء الأمريكي، بلغ متوسط دخل الأسرة المعيشية 20 ألفا و890 دولارا في 1983، بينما بلغ السعر المتوسط للمنزل الجديد المبيع نحو 75 ألفا و300 دولار، أي أن شراء المنزل كان يحتاج إلى نحو 3.6 سنوات من دخل الأسرة.

مصدر الصورة جوزيف 1983 أقرب إلى امتلاك منزل قياسا إلى دخله، رغم فوائد الرهن العقاري المرتفعة آنذاك (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

وبحلول منتصف العقد الحالي، اقترب السعر المتوسط للمنزل من 417 ألف دولار، بينما بلغ متوسط دخل الأسرة المعيشي نحو 80 ألفا و610 دولارات في 2023، لتتجاوز كلفة المنزل خمسة أمثال الدخل السنوي.

من هذه الزاوية، كان جوزيف القديم أقرب إلى المنزل، لكن البنك كان يأخذ بثأره.

وتظهر بيانات فريدي ماك المنشورة عبر بنك الاحتياطي الفدرالي في سانت لويس أن فائدة الرهن العقاري الثابت لمدة 30 عاما بلغت 18.63% في ذروتها عام 1981، وظلت تدور حول 13% في 1983، مقارنة بمستويات أقل كثيرا في منتصف العقد الحالي.

إعلان

لذلك لا تكفي عبارة "المنزل كان أرخص" لحسم المقارنة، فجوزيف 1983 كان يشتري أصلا أرخص نسبة إلى دخله، لكنه يموله بفائدة قاسية. واليوم جوزيف أمام عقار أغلى كثيرا نسبة إلى دخله، لكنه يقترض بسعر أدنى من مستويات الثمانينيات.

البيت اقترب من الراتب آنذاك، لكن القرض ابتعد عنه.

يوري.. الإيجار لا يرهقه لكن قائمة الانتظار تفعل

في الاتحاد السوفياتي، لا يمكن وضع يوري في المعادلة نفسها أصلا، إذ كان الاقتصاد المخطط يوفر عملا شبه كامل، وكانت الدولة أو جهة العمل تخصص المساكن، وظلت الإيجارات منخفضة للغاية، وتوضح دراسة منشورة في منصة "ريفيو أوف إنكم آند ويلث" أن الأسر المقيمة في مساكن الدولة كانت تغطي أقل من ربع تكلفة صيانة مساكنها.

مصدر الصورة يوري اليوم أكثر حرية في العمل والتملك، لكنه يتحمل مباشرة تكاليف السكن وتقلبات سوق العمل (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

لو اكتفينا بهذا الرقم لخرج يوري فائزا بسهولة، لكن السعر النقدي لم يكن المشكلة الأساسية في الاقتصاد السوفياتي، بل كانت المشكلة في الحصول على السلعة أو المسكن.

فالشقة قد تكون رخيصة جدا حين تصل إليها، لكن الوصول إليها قد يتطلب سنوات من الانتظار، والسيارة قد تكون في متناول الدخل على الورق، لكن قوائم الانتظار ونقص المعروض يجعلان امتلاكها عملية مختلفة تماما عن الذهاب إلى معرض والدفع والخروج بها.

كان يوري يعيش إذن نوعا آخر من الغلاء، غلاء لا يقاس بالروبل بل بالوقت وقلة الاختيار، وفي ذلك تكمن إحدى أهم مفارقات الثمانينيات، ففي اقتصاد السوق يمكن أن تكون السلعة أمامك ولا تستطيع دفع ثمنها، وفي الاقتصاد المخطط تستطيع دفع السعر لكن لا تجد السلعة أمامك.

لي وي.. من الدراجة إلى أكبر سوق للسيارات الكهربائية

أما لي وي، فيقدم القصة الأكثر دراماتيكية بين الشخصيات الأربع.

في الصين عام 1983، كانت إصلاحات السوق لا تزال في بداياتها، وكان نظام وحدة العمل "دانوي" يربط الوظيفة بالسكن وجزء من الخدمات الاجتماعية، في حين ظلت الدخول منخفضة والخيارات الاستهلاكية محدودة.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن الأجر الحضري للعامل الصيني كان لا يزال في حدود بضع مئات من اليوانات سنويا في بداية الثمانينيات.

أما في 2025، فتظهر بيانات المكتب الوطني للإحصاء الصيني أن متوسط الأجر السنوي في الوحدات الحضرية غير الخاصة بلغ 129 ألفا و441 يوانا، بينما بلغ 71 ألفا و590 يوانا في الوحدات الخاصة.

الفرق لا يُختصر في تضاعف الراتب آلاف المرات اسميا، بل في طبيعة الاقتصاد الذي ينفق فيه هذا الراتب.

لي وي 1983 كان يعيش في اقتصاد تمثل فيه الدراجة والساعة وبعض الأجهزة المنزلية مقتنيات مهمة، بينما كانت السيارة والهاتف الخاص بعيدين عن متناول معظم الأسر. أما نظيره اليوم فيعيش في واحدة من أكبر أسواق العالم للسيارات الكهربائية والهواتف الذكية والتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية.

مصدر الصورة لي وي 2026 أكثر ثراء بفارق هائل عن نظيره في 1983، بعد أربعة عقود من التحول الاقتصادي الصيني (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

وهنا تصبح فكرة أن الماضي كان أفضل أكثر صعوبة، فالتحول الصيني لم يمنح لي وي مزيدا من السلع فحسب، بل نقل ملايين الأسر من نظام السكن المخصص عبر وحدات العمل إلى انتشار واسع للملكية الخاصة بعد إصلاحات الإسكان، خصوصا منذ 1998، وفق الأدبيات الأكاديمية الخاصة بتحول سوق السكن الصيني.

لكن النجاح نفسه خلق مشكلة جديدة، ففي المدن الكبرى أصبح الحصول على منزل عبئا ضخما على الشباب، حتى في اقتصاد جعل المواطن الصيني الحالي أغنى بكثير من نظيره في 1983.

لي وي ربح أكثر من الجميع من التحول، لكنه لم يربح كل شيء.

الطعام.. الراتب الذي كان يختفي على المائدة

إذا أردنا معرفة مقدار الثراء الحقيقي الذي حققه أي مجتمع، فثمة مؤشر أبسط من السيارات والمنازل وهو: كم من ميزانية الأسرة يذهب إلى الطعام؟

في الصين مطلع الثمانينيات، كان الغذاء يستحوذ على نحو 59% من إنفاق الأسر الحضرية، وفق البيانات الصينية المستخدمة في الدراسة. وفي العقود الأخيرة هبطت هذه الحصة إلى أقل من 30%.

إعلان

ذلك التحول وحده يقول الكثير، فالأسرة التي تنفق ستة من كل عشرة يوانات على الطعام لا تملك مساحة كبيرة للادخار أو الترفيه أو شراء منزل أو تعليم أبنائها. وحين تهبط النسبة إلى أقل من ثلاثة من كل عشرة، يصبح جزء أكبر من الدخل متاحا لبقية الحياة.

وفي مصر، تظهر بيانات مسح الدخل والإنفاق والاستهلاك لعامي 2017 و2018 التي أوردها البنك الدولي أن الطعام يمثل نحو 44% من إنفاق أفقر 20% من الأسر، مقابل 30% لدى أغنى 20%.

الأرض والسكن استثناء بارز من موجة انخفاض كلفة كثير من السلع والخدمات خلال العقود الماضية (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ولا تزال الدولة تحاول تخفيف هذه الفاتورة عبر منظومة دعم واسعة، إذ يستفيد نحو 70 أو 71 مليون شخص من الخبز المدعوم، بحسب البنك الدولي.

وفي 2024، رفعت الحكومة سعر الرغيف البلدي المدعوم من 5 قروش إلى 20 قرشا، وفق المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، في أول زيادة منذ 1989.

خمسة عشر قرشا لا تبدو رقما كبيرا إذا قرئت منفردة، لكنها تصبح رقما سياسيا واقتصاديا مختلفا عندما يتعلق الأمر بعشرات الملايين من المستفيدين وبسلعة تقع في قلب موازنة الأسرة.

التكنولوجيا تقلب كفة المقارنة

حتى هذه النقطة، يستطيع جيل الثمانينيات تقديم حجج قوية لصالحه، فالسكن كان أقل كلفة في بعض الحالات، والوظيفة أكثر استقرارا، والدولة تتحمل جزءا أكبر من فاتورة المعيشة. لكن المقارنة تتغير عندما نصل إلى التكنولوجيا والسلع والخدمات التي يستطيع الراتب شراءها.

فالهاتف الذي يحمله يوسف أو جوزيف أو يوري أو لي وي اليوم يجمع في جهاز واحد كاميرا وتلفزيونا وخريطة وصحيفة ومكتبة وآلة حاسبة وحسابا مصرفيا ومتجرا ووسيلة اتصال بالعالم. وفي 1983، كان الوصول إلى كثير من هذه الإمكانات يتطلب أجهزة مستقلة ومكلفة، بينما لم تكن إمكانات أخرى متاحة للمستهلك العادي أصلا.

ولا تقتصر القفزة على الهاتف، فقد أصبحت الحوسبة والاتصالات والإلكترونيات والمعلومات والترفيه أكثر وفرة وأعلى جودة وأقل كلفة قياسا إلى ما تقدمه. ويستطيع الاقتصاد الحديث إنتاج ملايين الأجهزة الإضافية، كما تستطيع المنصات الرقمية تقديم خدماتها إلى ملايين المستخدمين الجدد بكلفة إضافية محدودة.

التكنولوجيا أكبر نقاط تفوق جيل 2026، بعدما جمعت أجهزة وخدمات عديدة في هاتف واحد صغير (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

لكن هذه القاعدة لا تنطبق على الأرض والسكن، فلا يمكن إنتاج مليون قطعة أرض إضافية في وسط القاهرة أو نيويورك أو بكين كما يمكن إنتاج مليون هاتف جديد. ولهذا تحركت التكنولوجيا والأصول النادرة في اتجاهين مختلفين خلال العقود الماضية، فأصبحت الأولى أرخص وأكثر قدرة، بينما ازدادت كلفة السكن في كثير من المدن الكبرى.

وهنا تكمن واحدة من أبرز مفارقات المقارنة بين 1983 و2026. يستطيع الشاب اليوم شراء حاسوب يفوق بقدراته أجهزة كانت حكرا على مؤسسات كبيرة قبل أربعة عقود، لكنه قد يحتاج إلى سنوات أطول من دخله لشراء الجدران التي سيضع هذا الحاسوب بينها. لقد أصبح امتلاك التكنولوجيا أسهل بكثير، من دون أن يصبح امتلاك الأصول الأساسية أسهل بالقدر نفسه.

الوظيفة.. حين انتقل الخطر من الدولة إلى العامل

ولا تكفي القوة الشرائية وحدها لفهم حياة شاب في الثلاثين، لأن الراتب الذي يبدو جيدا اليوم قد لا يكون موجودا غدا. وهنا يحتفظ جيل الثمانينيات بإحدى أقوى أوراقه.

يوسف كان أكثر احتمالا للعمل في الحكومة أو القطاع العام، مع معاش وتأمين واستقرار نسبي، حتى وإن كان الأجر ضعيفا. أما سوق العمل المصرية الحالية فهي أوسع وأكثر تنوعا، لكنها تعتمد بدرجة كبيرة على العمالة غير الرسمية، مما يعني أن مزيدا من الفرص لا يساوي بالضرورة مزيدا من الأمان.

وجوزيف الأمريكي عاش تحولا مشابها بطريقة مختلفة. فاقتصاد الثمانينيات منح وزنا أكبر للتصنيع والنقابات ومعاشات التقاعد المحددة المزايا، بينما يحمل الموظف اليوم جزءا أكبر من مسؤولية تقاعده عبر حسابات الادخار والاستثمار، في اقتصاد أكثر اعتمادا على الخدمات والتكنولوجيا والرعاية الصحية واللوجستيات.

أما يوري، فانتقل من نظام يضمن العمل تقريبا بحكم بنيته إلى اقتصاد سوق حقيقي، بما يحمله ذلك من فرص وأخطار وتفاوت في الدخول.

ولي وي انتقل من وحدة عمل لا تمنحه راتبا فقط، بل تنظّم أيضا جزءا كبيرا من حياته الاجتماعية والسكنية، إلى اقتصاد يستطيع فيه تغيير الوظيفة والقطاع والمدينة، لكنه يتحمل في المقابل أخطار سوق أكبر.

إعلان

وفي الوقت نفسه، تغيرت قيمة المهارات نفسها، فوظائف مثل عامل الطباعة ومشغل الهاتف والسكرتير التقليدي وموظف المؤسسة العامة الضخمة فقدت جانبا كبيرا من وزنها، في حين ظهرت وظائف لم يكن لها اسم عملي قبل أربعة عقود، من مطور البرمجيات ومحلل البيانات إلى صانع المحتوى والعامل عبر المنصات.

التكنولوجيا لم تجعل ما نشتريه أرخص فقط، بل غيرت أيضا ما يجب أن نعرفه حتى نستطيع كسب الراتب.

الأسرة ذات الدخل الواحد أقل قدرة اليوم على تمويل نمط الحياة نفسه في عدد من الاقتصادات المتقدمة (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

راتب واحد أم حياة تحتاج إلى دخلين؟

هنا نصل إلى اختبار يرتبط بحياة الشاب مباشرة، وهو قدرة الراتب على تمويل حياة مستقلة وتأسيس أسرة.

وفي الولايات المتحدة، ارتفعت نسبة الأسر ذات الدخلين مقارنة بالثمانينيات، بالتزامن مع زيادة أعباء مثل السكن والتعليم والرعاية الصحية، فالأسرة الأميركية تحصل اليوم على سلع وخدمات أكثر، لكن الحفاظ على مستوى معيشي مناسب أصبح يعتمد في حالات كثيرة على دخلين.

وفي مصر، تجعل كلفة السكن وهشاشة جانب من سوق العمل تأسيس الأسرة أكثر صعوبة أمام شريحة من الشباب، ويحدث ذلك رغم اتساع خيارات العمل وتنوع السلع والخدمات مقارنة بالثمانينيات.

وفي روسيا، تغيرت المعادلة منذ الحقبة السوفياتية، حين وفرت الدولة قدرا أكبر من الأمان الوظيفي والسكن والخدمات الأساسية. أما يوري اليوم فيملك حرية أكبر في العمل والاستهلاك، لكنه يتحمل بصورة مباشرة كلفة السكن وأخطار سوق العمل.

وفي الصين، ارتفعت الدخول ومستويات الاستهلاك بصورة هائلة منذ 1983، لكن شراء المنزل أصبح عبئا كبيرا في المدن الرئيسية. وقد تدخل مدخرات الوالدين والأسرة في تمويل المنزل الأول، رغم أن الجيل الحالي أكثر ثراء من جيل الثمانينيات.

وتكشف التجارب الأربع فرقا مهما بين مستوى المعيشة والأمان الاقتصادي. فالشاب اليوم يستطيع شراء سلع وخدمات أكثر، لكن قدرته على امتلاك منزل وتكوين مدخرات وتأمين مستقبله لم تتحسن بالوتيرة نفسها.

فمن كان أغنى فعلا؟

بعد 43 عاما، لا تمنح الأرقام الفوز لجيل واحد، فجوزيف 1983 كان أقرب إلى امتلاك منزل قياسا إلى دخله، لكنه كان يواجه فوائد رهن عقاري قاسية، بينما يعيش جوزيف اليوم في اقتصاد أكثر ثراء وتنوعا، لكنه يحتاج إلى حصة أكبر من دخله لشراء المنزل نفسه.

أما يوسف، فكان راتبه في 1983 صغيرا ويتآكل مع التضخم، لكن الدولة كانت تتحمل جانبا أكبر من تكاليف الحياة، وتوفر له الوظيفة الرسمية قدرا أكبر من الأمان. يوسف 2026 يملك سلعا وخدمات وفرصا مهنية لم تكن متاحة لجيل والده، لكنه يدفع أكثر مقابل السكن ويتحمل بنفسه حصة أكبر من أخطار السوق.

جيل 2026 أغنى في عالم الأشياء والخيارات، بينما يبقى امتلاك السكن وتأمين المستقبل اختبارا أكثر تعقيدا (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ويوري السوفياتي كان أقرب إلى ضمان الوظيفة والمسكن، لكن ذلك جاء على حساب حرية الاختيار وتوافر السلع. أما لي وي، فهو الاعتراض الأقوى على حنين الثمانينيات، فالصيني اليوم أغنى وأكثر قدرة على الاستهلاك وامتلاك الأصول بفرق هائل عن نظيره في 1983، حتى مع صعوبة شراء منزل في أكبر المدن.

لذلك، لا تقول المقارنة إن راتب الثمانينيات كان أفضل، ولا إن راتب 2026 انتصر، بل إن معنى الثراء نفسه تغير، فإذا كان الثراء هو ما تستطيع شراءه واستهلاكه والوصول إليه، فإن جيل اليوم يتفوق بوضوح، أما إذا كان الثراء يعني ضمان الوظيفة والمعاش والحماية من تقلبات السوق، فيحتفظ جيل 1983 بأفضلية في بعض الاقتصادات، ويبقى السكن أكثر عناصر المقارنة تعقيدا، فقد كان أرخص في أسواق، ومدعوما أو مخصصا في أخرى، بينما أصبح اليوم أكثر توافرا لكنه أشد كلفة في مدن كبرى كثيرة.

وهنا تصبح العودة إلى صور الثمانينيات أكثر إثارة، فالذكاء الاصطناعي يستطيع إعادة البدلة الواسعة والتلفزيون الصغير والسيارة ذات الزوايا الحادة، لكنه لا يُظهر فائدة الرهن العقاري التي قاربت 13% في أمريكا، ولا خلو الرجل في القاهرة، ولا سنوات انتظار الشقة السوفياتية، ولا الأسرة الصينية التي كانت تنفق معظم ميزانيتها على الطعام.

وفي المقابل، لا تُظهر صورة شاب 2026 القلق الكامن خلف الهاتف الذكي وكل ما يتيحه بضغطة واحدة، فقد أصبح العالم قادرا على بيع الشاب أشياء لم يكن جيل 1983 يستطيع شراءها بأي راتب تقريبا، لكنه لم يجعل امتلاك منزل مستقر ووظيفة آمنة وتأسيس أسرة بدخل واحد أسهل بالضرورة.

خلال 43 عاما، أصبح شراء الأشياء أسهل بكثير، أما شراء الاستقرار فلم يصبح أرخص بالقدر نفسه.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار