على الضفة الشرقية للنيل، في محافظة المنيا بصعيد مصر، ينفتح الجبل الجيري عن فجوات مظلمة تبدو للعابر من بعيد كأنها ثقوب عشوائية في صخر أبيض رمادي.
لكن من يقترب ويدخل يجد نفسه أمام قاعات هائلة منحوتة بالكامل في باطن الصخر -لا جدار مبنيا ولا سقف مضافا- وعلى جدرانها تنبض مشاهد رسمها فنانون مصريون قبل 4 آلاف عام بألوان لا تزال دافئة، وبتكوينات لا تزال تبهر دارسي الفن في جامعات ميونيخ ولندن والقاهرة.
هذه هي مقابر بني حسن. منحوتات حجرية أفقية تمتد بين 10 أمتار و30 مترا، نُقرت لأمراء الإقليم السادس عشر من أقاليم مصر القديمة -إقليم الغزال كما كان يعرف- في حقب تعود إلى الدولة الوسطى والدولة القديمة وعصر الانتقال الأول. وكما يقول الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور مصطفى وزيري، فإن هذه المنطقة "لم تبُحْ بكل أسرارها بعد"، إذ تشهد اكتشافات أثرية جديدة كل عام.
وقد انتبه لقيمة هذا الموقع مبكرا عدد من أبرز رواد علم المصريات. زاره جان فرانسوا شامبليون عام 1828 -بعد سنوات قليلة من فكه رموز الهيروغليفية- كما زاره المستكشف الفرنسي فريدريك كايو وعالم المصريات البروسي كارل ريتشارد ليبسيوس، الذي وثق مشاهده في موسوعته الشهيرة عن الآثار المصرية.
لم تكن هذه الجداريات زخارف جمالية. كانت سيرا ذاتية بالألوان والأشكال.
يوضح عالم المصريات والفنان المصري عبد الغفار شديد في كتابه "مقابر بني حسن في العصور الوسطى" أن كل أمير أراد من جداريات مقبرته أن تعكس قوته السياسية والاقتصادية، فكان الفنان يأخذ الموضوعات المعروفة في التقاليد الجنائزية ويعيد صياغتها بما يتوافق مع عصر صاحب المقبرة ومكانته. مقبرة الأمير الثري تختلف عن مقبرة من تراجع نفوذه -والجدران لا تكذب.
في المقبرة رقم 27 مثلا، يظهر صاحبها مرتديا رداء من جلد الفهد -رمز المكانة الكهنوتية- وخلفه خادمان وقزمان، وأمامه موكب من حاملي القرابين. على الجدار المقابل، مشهد لمجموعة من المصارعين في أوضاع قتالية متنوعة، ومائدة قرابين ضخمة. المقبرة ليست مدفنا فحسب، بل بيان سياسي واجتماعي محفور في الصخر الأبدي.
تتجاوز موضوعات جداريات بني حسن المشاهد الجنائزية التقليدية لتوثق الحياة اليومية في مصر القديمة بتفصيل مدهش. رسم الفنانون مشاهد صيد الغزلان في الصحراء وصيد الأسماك والطيور في أهوار النيل، ورعاة يسوقون قطعان الماعز والعجول والحمير، ومزارعين يحصدون الحبوب ويزرعون الكتان ويجهزونه لإنتاج القماش والحبال.
ووثقوا حرفا بعينها: تصنيع السكاكين الحجرية، وصناعة الصنادل، وأعمال الخشب والذهب، وتشكيل الفخار على العجلة الدوارة ثم حرقه في الأفران.
وإلى جانب مشاهد العمل، مشاهد اللهو والفنون: الرقص والألعاب الرياضية وألعاب القوى والمصارعة.
حتى الحيوانات الخرافية وجدت مكانها على هذه الجدران، وكذلك قوائم مرسومة بأنواع الطيور -أشبه بموسوعة بصرية للتنوع الحيوي في مصر الوسطى قبل 4 آلاف عام.
وبعض المقابر اختار فنانوها أن يرسموا بالأبيض والأسود فقط، فأنتجوا مشاهد ذات طابع مختلف تماما، أشهرها مشهد شجرة السنط ومجموعة الظباء مع راعيها -تكوين يحمل هدوءا تأمليا يخالف صخب مشاهد الصيد والقتال في المقابر المجاورة.
ما يلفت دارسي الفن في جداريات بني حسن ليس غزارة الموضوعات فحسب، بل المعالجة الفنية ذاتها. نجح الفنانون في تصوير الحيوانات بإبراز جوهر كل نوع وصفاته الخاصة -حركة الغزال تختلف عن ثقل الثور، ورشاقة الطائر تختلف عن جمود التمساح. وحاولوا الخروج عن مبدأ الترتيب المبسط للوحدات، فجمعوا الأشخاص المنفردين في تكوينات موحدة مترابطة ومتآلفة، بدلا من صفهم كقطع متراصة. ووظفوا الفراغ توظيفا مدروسا يمنح الزائر إحساسا بالتناسق بين المساحات الخالية والمشاهد المحيطة بها -وهي حساسية فنية ستظل غائبة عن كثير من الفنون حتى عصور لاحقة.
والألوان أيضا تستحق التأمل. ألوان دافئة متدرجة، نسب متوازنة، وتوزيع دقيق للدرجات اللونية يضفي على كل جدارية إيقاعها الخاص. 4 آلاف سنة من الزمن والرطوبة والظلام، وما زالت هذه الألوان تحتفظ بحضورها.
ظلت الجداريات لعقود طويلة بعيدة عن الاهتمام المنهجي، بينما انصب جهد الباحثين على دراسة النصوص والمعمار. تغير ذلك حين أطلق المجلس الأعلى للآثار مشروعا مشتركا مع مؤسسات ألمانية -بينها متحف رومر وبليتسايوس (Roemer- und Pelizaeus-Museum) في هيلدسهايم ومعهد المصريات بجامعة ميونيخ- ضم آثاريين ومرممين ومصورين من الجانبين. قدم المشروع لأول مرة تحليلا متكاملا للعلاقة بين المعمار والتصوير الجداري، ورسم صورة شاملة لحالة المقابر -فجاء بمثابة شهادة حياة بعد قرون من الإهمال.
وكما يشير شديد، فإن مكانة أمراء بني حسن تقلبت على مدار التاريخ المصري القديم، وأن ذروة قوتهم وثرائهم انعكست مباشرة على حجم مقابرهم وفخامة تجهيزها. يمكن قراءة التاريخ السياسي لإقليم الغزال من خلال اتساع الغرف الحجرية وغنى الجداريات أو تقشفها -كتاب تاريخ مفتوح لمن يعرف كيف يقرأ الصخر-.
اليوم، يتسلق السياح من كل بقاع الأرض منحدر الجبل الشرقي في المنيا ليدخلوا هذه القاعات الحجرية ويقفوا أمام مشاهد رسمها فنانون مجهولو الأسماء قبل 40 قرنا. مشاهد لرعاة وصيادين ومصارعين وحرفيين وأمراء يرتدون جلود الفهود. أولئك الفنانون لم يوقعوا أعمالهم، لكن الجبل احتفظ بها نيابة عنهم -وما زال-.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة