ربطت المجتمعات العربية والدينية الخلاص تاريخيا بالنجاة من العذاب، وبالدينونة، وبالبعث أو الفردوس والخلود الأبدي السعيد. لكن مع تغير المجتمعات، صارت مفردات الخلاص تتخذ وجودا دنيويا: الهجرة، والتعليم، وتحقيق الذات، والتحرير النفسي.. أي إن الخلاص قد تحول مما بعد الموت إلى الخلاص قبل الموت.
لم تكن فكرة الخلاص يوما غريبة عن الوجدان العربي، لكنها لم تكن بالحدة أو بالإلحاح أو الارتجاف الداخلي الذي يعيشه الفرد اليوم. فشهوة الخلاص بمعناها النفسي والوجودي لم تعد بحثا عن نهاية ألم فحسب، بل تحولت إلى رغبة كلية في إعادة كتابة الحياة من جديد؛ رغبة في قفزة روحية واجتماعية ومصيرية.
لكن لماذا الآن؟ ولماذا تبدو هذه الشهوة أكثر حضورا لدى العرب مقارنة بغيرهم؟ وهل هي هروب من الواقع أم محاولة جدية لإعادة خلق الواقع بمعنى يجعل الحياة قابلة للعيش؟
الخلاص تحول مما بعد الموت إلى الخلاص قبل الموت
من الخروج من الظلم في الشعر الجاهلي إلى الخلاص من الفتنة في التاريخ الإسلامي إلى حلم الخلاص من الاستعمار، ظل العربي يربط وجوده بإمكانية أن يتجاوز واقعه إلى وضع أفضل.
الخلاص كان دوما حركة نحو وعد، وعد من السماء أحيانا ومن الزعامة أحيانا ومن المستقبل أحيانا أخرى. لكن الجديد اليوم أن الخلاص لم يعد مشروع جماعة بل أصبح حلم فرد يشعر أنه وحده يدفع ثمن أخطاء العالم كله.
الجيل العربي الحالي عاش سلسلة اهتزازات متتابعة: ثورات، وحروب، وأزمات اقتصادية، وبطالة، واغتراب، وهجرة، وتغير هائل في القيم والأدوار والعلاقات.
هذه الاهتزازات وإن بدت سياسية في ظاهرها، فقد كان لها أثر نفسي عميق: الإحساس بعدم الثبات وخسارة اليقين. وحين يعيش الإنسان في عالم غير ثابت، يصبح الخلاص وهما مريحا وحلما معقولا واستراتيجية نجاة. لذلك فالخلاص هنا دليل إرهاق طويل لم يعد الجسد ولا الروح قادرين على احتماله.
النوع الجديد من الخلاص الذي نعيشه هو حركة داخلية، رغبة في التخلص من ثقل الهوية أحيانا، أو رغبة في التحرر من التوقعات الاجتماعية، تتبدى في محاولات الجيل المعاصر التفلت من صور الماضي ورسم هوية بعيدة عن إمكانية إقامة مقارنة، أقول لو أخذنا اللغة فحسب، سنجد كيف تبدت محاولات الجيل العربي الخلاص من خلال وضع حدود صورية ونفسية عالية مع الماضي، وبذلك تمكن من التحرر من أي توقع اجتماعي أو قيد أو أطر كانت تحدد هوية من سبقهم من أجيال.
بالإضافة إلى ذلك النوع من الخلاص، هناك الرغبة في الخروج من دوائر القلق، والمقارنات، والخوف، والشعور بالعجز الذي قد يصل أحيانا إلى تضخيم صورة عن الذات غير واقعية.
وهناك الرغبة في إعادة تشكيل الذات على نحو أكثر حرية وتساميا، كنوع من الانفصال عن النسخة القديمة من النفس أو الهوية الجمعية المثقلة بالخيبات، والتي غالبا ما يكون الوالدان أقرب تمثلاتها.
فنجد أن هذا الجيل يحاول باستماتة إعلان استقلاله الحاسم عبر الإيمان بقضايا الحاضر، وبطريقة الحاضر، فيتحمس عبر مشاركة منشور، ويدعم عبر فيديو قصير يحكي فيه بلغته وبتمكن وذكاء.. هذا الانفصال لا يعلن بصوت عال، بل يتسلل من أصغر تفاصيل الحياة.
الجيل الأصغر وكأنه يرفع شعارا يقول: أنا معكم ولكني لست ضد نفسي
عاشت المجتمعات العربية طويلا ضمن بنى جماعية صلبة: العائلة، والقبيلة، والحارة، والحزب، والطائفة. وفرت هذه البنى أمانا، لكنها ألغت مساحة واسعة من الحرية الفردية.
وفي العقدين الأخيرين، ومع صعود الفردانية والفضاء الرقمي والهجرة والانكشاف على العالم، وجد العربي نفسه ممزقا بين عالمين: عالم قديم يطلب منه الثبات وعالم جديد يطلب منه التغيير.
هذه الازدواجية تصنع توترا داخليا لا يمكن تجاوزه إلا عبر قفزة: قفزة يسميها البعض تغييرا ويسميها آخرون خلاصا. لذلك قد نجد أن جيل زد لا يعاني مثل سابقيه، فخلاصه كان عبر وسائل التواصل الاجتماعي والحرية التي تمنحها التكنولوجيا، بينما نجد أن الجيل الأسبق لا يزال يقف حائرا، يستخدم التكنولوجيا ولكن خلاصه يتمثل في الحنين إلى الماضي، وكأنما تلك القفزة ارتدادية، تجمع بين الأنا والنحن وإن دون اتزان، بينما الجيل الأصغر وكأنه يرفع شعارا يقول: أنا معكم ولكني لست ضد نفسي.
القلق هو الدوار الذي تحدثه الحرية حين تنظر في الهاوية
ليست شهوة الخلاص في عمقها سياسية ولا اجتماعية.. بل وجودية. إنها محاولة لمواجهة سؤال كبير عاشه الإنسان في كل زمان: ما معنى أن أكون هنا؟ وبهذا الشكل بالذات؟
لكن العربي يعيش هذا السؤال تحت ضغط أكبر؛ حيث يتجاور ألمه الخاص مع ألم الجماعة وأزمته الفردية مع أزمات المنطقة وجرحه القديم مع جروح سياسية لم تشف يوما. هكذا تصبح نافذة النجاة طريقة لمقاومة العدمية ورفض السقوط في اليأس.
فكيف تتبدى أشكال شهوة الخلاص اليوم؟ أول ما قد يتبادر إلى الأذهان، رحلات اللاعودة، الهجرة. وهي بوصفها خلاصا: ليست هروبا بل بحث عن فضاء يستطيع فيه الإنسان التنفس.
أضف إلى الهجرة الانسحاب النفسي: تقليل العلاقات، وتجميد العواطف لحماية الذات من الاستنزاف، سواء في العلاقات العاطفية أو الاجتماعية والأسرية. والمدهش في تبديات الخلاص تلك النزعة الروحانية الجديدة: البحث عن معنى خارج الأطر التقليدية. فنجد المتنبئين وقراء التاروت ومن يؤمنون بوحدة الأديان أو الداعين إلى اللادين.
وكما أشرت سابقا هناك إعادة تعريف الهوية والانتقال من نحن ثقيلة إلى أنا خفيفة، وأخيرا العزلة كملاذ، بمعنى أنها ليست تجنبا للناس أو ضدهم، بل ضد الضجيج الداخلي والخارجي. بهذا يصبح الخلاص توقا داخليا يبحث عن شكل يتحقق فيه.
يعطي البحث عن معنى شهوة الخلاص العربية اليوم، مساحة خصبة لقراءة أوسع داخل الفكر الفلسفي الوجودي، إذ لا يمكن فهم هذا الميل من دون وضعه ضمن سياق أوسع من الأسئلة التي طرحتها الإنسانية على نفسها.
هنا تتقاطع الأصوات الفلسفية في نقاط، وتختلف في أخرى، بعضها يرى الخلاص وهما وبعضها يراه حقيقة نفسية نابعة من عمق التجربة البشرية.
وهنا نبذة مختصرة عن بعض المفكرين الذين أدلوا بآرائهم عن معنى الخلاص ومحاولة لتحليل تلك الآراء في ضوء السياق العربي اليوم.
"القلق هو الدوار الذي تحدثه الحرية حين تنظر في الهاوية" إذا حللنا قوله هذا سنرى أنه يذهب إلى أن الإنسان حين يمتلك حرية الاختيار يشعر بالقلق لأنه يقف أمام احتمالات لا نهائية.
ينطبق هذا بنسبة كبيرة على ما أسلفناه عن التجربة العربية المعاصرة؛ فتوسع مساحة الخيارات من سفر أو هجرة أو تغيير مسار مهني وخروج عن مسارات تقليدية، يقابله فقدان اليقين حول المستقبل، ما يجعل الخلاص يبدو حلا جاهزا للهروب من هذه الحيرة الوجودية.. أي هو طلب للاستقرار داخل عالم متحرك.
الاختلاف أن كيركغارد يرى القلق علامة نضج للذات، في حين أن القلق العربي نتاج ضغوط سياسية واقتصادية واجتماعية ولا يعبر عن حرية الاختيار وحدها.. أي إن القلق العربي أقل وجودية وأكثر واقعية.
يفكك كامو مفهوم الخلاص بوصفه أسطورة مريحة، يلجأ إليها الإنسان ليهرب من عبثية الوجود. وفقا له الطريق الحقيقي تمرد على الواقع بكل عبثيته.
وعند إسقاط هذا الكلام على التجربة العربية، نجد أن شهوة الخلاص المتمثلة في الهجرة والانسحاب والبحث عن اليقين، يمكن أن تقرأ كاستسلام لا كقوة تغيير، كامو هنا يرى أنه بدل البحث عن نافذة نجاة المطلوب صناعة واقع جديد، وهنا نسأل العربي: هل يحق للإنسان أن يطلب الخلاص أم عليه أن يخلق معنى من العبث بدل الهروب منه؟
"الإنسان قد يهرب من حريته إذا أثقلته مسؤولياتها" يربط فروم فقدان المعنى بالهرب من الحرية الحديثة، وفي السياق العربي، الانهيارات الاقتصادية جعلت الحرية نفسها مصدر تهديد، التشتت والضياع يولدان رغبة بالخضوع لشيء ينقذ أو يوجه، دولة أو علاقة أو حتى خرافة.
وهنا تصبح شهوة البقاء بحثا عن سلطة نفسية لا عن حرية. فكم من ذات عربية جريحة جمعية أو فردية تهرب إلى الوراء بحثا عن حضن يضمن الاستقرار؟
شهوة الخلاص هي آخر أشكال الأمل التي تحافظ على شرارة الحياة في قلوب الناس
يرى نيتشه أن الإنسان القوي لا يهرب، بل يواجه مصيره ويصنع قيمه، ووفقا لمنظوره شهوة الخلاص العربية ليست قوة، بل ضعف ناتج من انهيار الإرادة، التحليل النيتشوي يطرح سؤالا: هل شهوة الخلاص العربية علامة على تدمير الذات العربية؟
شهوة الخلاص هي تعبير صادق عن الوضع النفسي العربي اليوم. شهوة لا تحمل بالضرورة وهما بل قدرة على التخيل، على الرفض، وعلى رغبة دفينة في حياة أكثر كرامة وحرية. فالعربي حين يبحث عن نافذة نجاة، لا يهرب من العالم، بل يحاول أن يعيد بناء العالم بداخله، وربما كانت هذه الشهوة بكل تناقضاتها هي آخر أشكال الأمل التي لا تزال تحافظ على شرارة الحياة في قلوب الناس.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة