تقريبا ثمن الأشخاص الذين يعيشون في ألمانيا تعرّضوا للتمييز مرة واحدة على الأقل في عام 2022. هذا ما استنتجته دراسة بعنوان "كيف تعيش ألمانيا التمييز"، وقدّمتها مؤخرًا في برلين مفوضة الحكومة الاتحادية لشؤون مكافحة التمييز، فردا أتامان . وبعبارة أخرى: يوجد في ألمانيا تسعة ملايين شخص يعرفون ما معنى التعرض للتمييز بسبب مظاهر خارجية.
يتّضح من بعض الأمثلة الفردية بشكل أفضل من الأرقام والإحصائيات كيف يبدو التعرض للتمييز. ذكرت فردا أتمان يوم الثلاثاء في برلين قصة امرأة سوداء اسمها سارة تواصلت مع مفوضة مكافحة التمييز : "أثناء التسوّق في السوبر ماركت، جاءت إليها موظفة وفاجأتها بتفتيش عربة طفالها الرضيع. من دون أن تستأذنها، ومن دون مراعاة الطفل الموجود داخل العربة. ولم يكن هناك سبب واضح لتفتيش عربة الطفل. وعندما سألتها عن السبب، برّرت الموظفة عملها هذا بقولها: 'آسفة، لكن واحدة مثلكِ سرقت من هنا قبل فترة قصيرة".
توجد في الدراسة التي قدّمها "المركز الألماني لأبحاث الاندماج والهجرة" الكثير من الحالات التي تشبه حالة سارة. واستخدم الباحثون في هذه الدراسة أرقامًا وبيانات من المسح الاجتماعي والاقتصادي الشامل والتمثيلي لعام 2022، وهو استطلاع شمل مجموعة واسعة من المسائل الاجتماعية، وشارك فيه نحو 30 ألف شخص.
وتوصلت الدراسة إلى نتيجة مخيّبة للأمل، تلخصها فردا أتامان كما يلي: " التمييز في ألمانيا ليس حادلة فردية، بل هو ظاهرة اجتماعية واسعة الانتشار. والتمييز لا يحدث على هامش المجتمع، بل في وسطه. في مكان العمل، في المدرسة، أثناء البحث عن سكن، وحتى أثناء التسوُّق". تمامًا كما حدث للأم سارة في السوبر ماركت.
ومع ذلك فإنَّ التمييز القائم على المظاهر الخارجية محظور في ألمانيا بموجب "قانون المساواة العام" (اختصارًا AGG)، الموجود منذ 20 عامًا. ولكن هذا لا يساعد المتضررين كثيرًا. وهم يعرفون ذلك. ولهذا السبب لم يقم - بحسب الدراسة - أكثر من نصف الأشخاص المشاركين في الاستطلاع باتخاذ أية إجراءات ضد التمييز الذي تعرضوا له.
وعلى أي حال، تحدّث نحو 30 بالمائة من المتضررين مباشرة وبوضوح مع الشخص الذي صدر منه التمييز. ولكن فقط 3 بالمائة اتخذوا إجراءات قانونية.
وتوجد من هذه المجموعة الأخيرة الصغيرة امرأة ألمانية من أصول باكستانية اسمها حُميرة وسيم ، تعمل معلمة وهي أم لطفلين. لقد استعانت من أجل العثور على شقة بسمسار (وكيل عقاري)، لكنها تعرضت للرفض. ثم حاولت ذلك مرة أخرى باسم مختلف وحصلت على موعد لمعاينة الشقة. ولذلك رفعت دعوى قضائية ضد السمسار وكسبتها في نهاية المطاف. فقد حكمت المحكمة الاتحادية العليا في كارلسروه بحق حُميرة وسيم في الحصول على تعويض 3000 يورو استنادً إلى قانون المساواة العام.
ويوضح هذا المثال أنَّ التمييز، مثلًا بسبب الاسم، يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة، من خلال تسببه بمشاكل كبيرة مثلًا عند البحث عن سكن. وفي هذا الصدد تؤكد فردا أتامان أنَّ "التمييز له آثار سلبية على المشاركة في سوق العمل، والحياة الاجتماعية، والصحة، والشعور بالارتياح، والثقة في التماسك الاجتماعي، والانتماء إلى ألمانيا".
ولكن ماذا يعتقد المتضررون أنفسهم عن سبب تعرضهم للتمييز؟ تقدم الدراسة معلومات حول ذلك أيضًا. تتكوّن المجموعة الأكبر بنسبة 42 بالمائة من أشخاص يشعرون بالتمييز بسبب أصلهم وأحكام مسبقة عنصرية . ويشعر نحو 24 بالمائة بأنَّهم يعاملون معاملة غير عادلة بسبب جنسهم، وغالبيتهم من النساء.
حُميرة وسيم تعرضت للتمييز خلال البحث عن سكن ونجحت في الحصول من المحكمة الاتحادية العليا في كارلسروه على حكم يقضي بتعويضهاصورة من: Philipp von Ditfurth/dpa/picture allianceومن أسباب التعرض للتمييز أيضًا العمر والتوجه الديني أو حتى المرض. ولكن المجموعة الأكبر ضمن هذا السياق تتكون من أشخاص يشعرون بالتمييز بسبب أصولهم أو لون بشرتهم.
وتفترض فردا أتامان أنَّ حالات التمييز الحالية زادت أكثر. وذلك لأنَّ الأرقام التي تم جمعها لعام 2022 تعود في الواقع إلى فترة جائحة كورونا . وفي تلك الفترة كانت العديد من الدوائر الرسمية مغلقة أمام الجمهور، وكان من النادر أن يبحث شخص ما عن سكن أو أن يغيّر مكان عمله.
وحاليًا تعمل فردا أتامان من أجل إدراج خصائص مثل الجنسية ضمن الخصائص التي تحظر التمييز بموجب قانون المساواة العام. وتقول إنَّ ألمانيا لديها حاجة ماسة إلى العمل واستدراك ما فاتها في مكافحة التمييز.
ففي بلجيكا مثلًا تقدّم السلطات أيضًا مساعدة وحماية قانونية للمتضررين، ولكن دائرة فردا أتامان يقتصر عملها فقط على تقديم المشورة. وتقول أتامان باختصار إنَّ التمييز في الحياة اليومية أقل انتشارًا في الدول الناطقة بالإنجليزية والدول الاسكندنافية مما هو عليه في ألمانيا.
والهيئة الاتحادية لمكافحة التمييز (ADS) هي مؤسسة ألمانية مستقلة وتتبع وزارة التعليم الألمانية وهدفها حماية الأفرا من التمييز في ألمانيا. وتعمل فردا أتامان منذ عام 2022 مفوضة الحكومة الاتحادية لشؤون مكافحة التمييز.
أعده للعربية: رائد الباش
المصدر:
DW