إمبراطورية "أبو هلالين".. لماذا يعد الكبتاغون أخطر مخدر وصل إلى العالم العربي؟

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على الرابط أعلاه للمشاهدة على الموقع الرسمي

في غرفة ذات إضاءة خافتة تملؤها القمامة، انكب أحمد (اسم مستعار) على مكتبه المكتظ محاولًا إيجاد شريط الدواء الذي يبحث عنه منذ ساعات. بعينين متسعتين تطاردان النشوة، لم يتذكر الشاب، الذي كان طالبًا جامعيًّا نابغًا حتى وقت قريب، كيف كانت حياته قبل أن يبدأ تعاطي حبة الكبتاغون المرسوم عليها قوسان؛ وهو ما جعلها تشتهر بأبي هلالين.

كان الأمر قد بدأ قبل أشهر بمحاولة التركيز والبقاء مستيقظًا لأيام من أجل التحضير لاختبارات نهاية العام، حينها اقترح عليه بعض الأصدقاء تجربة "الدواء" الذي لن يساعده على الدراسة فحسب، بل سيعطيه شعورًا بالسعادة لم يشعر به منذ أن كان طفلًا! الآن، لم يعد "أحمد" مستعدًا لتصور حياته من دون الدواء الذي أدمنه، وصار شديد العصبية والتوتر إذا أدرك أن مخزونه على وشك النفاد. ليست هذه المعاناة من نصيب أحمد وحده، إذ إن قصته هي قصة عشرات آلاف الشبان العرب الذين وقعوا في براثن إدمان هذا المخدر، الذي تحاول سلطات دول عدة محاربته بكل الطرق.

فخلال الأسبوع الثاني من ديسمبر/كانون الأول 2023 أعلن الجيش الأردني إحباط عملية تهريب لكميات كبيرة من المواد المخدرة على رأسها الكبتاغون، قادمة من سوريا لتمر إلى الدول الخليجية من خلال أراضي الأردن. حينها قال الجيش الأردني في بيان على موقعه الإلكتروني الرسمي، إن إحباط التسلل والتهريب جاء عبر عملية نوعية، رغم الظروف الجوية المعاندة وطبيعة تضاريس المنطقة الصعبة. وبحسب البيان، فقد عثر على 119 ألف حبة كبتاغون، و14 ألفا و800 حبة ترامادول، و1748 كف حشيش (وهي قطعة من مادة الحشيش المخدر بحجم كف اليد).

الحادث لم يكن استثناءً أو مصادفة، فمنذ أوائل عام 2022، كان من الواضح أن الحدود الشمالية للأردن مع سوريا أصبحت موقعًا لصراع شبه حربي، حيث تصاعدت الاشتباكات العنيفة بين حرس الحدود الأردني ومهربي المخدرات وكانت قوات الأمن الأردنية قد تبنت سياسة "إطلاق النار بقصد القتل" اتجاه تجار المخدرات على حدودها الشمالية، وبحلول نهاية العام نفسه قتلت أكثر من 35 من المشتبه في أنهم مهربو مخدرات، وفي مايو/أيار 2023 صعد الجيش الأردني من استخدامه للعنف فقتل أحد زعماء المخدرات المشتبه فيهم خلال هجوم داخل الأراضي السورية نفسها.

ولا يقف الأمر عند حدود الأردن، إذ ورد اسم الكبتاغون كثيرا في الأخبار القادمة من كل الدول العربية تقريبًا خلال السنوات القليلة الماضية، وبشكل خاص الأخبار الواردة من المملكة العربية السعودية. وربما كان من أكثرها لفتًا للانتباه ما ورد منتصف عام 2022 حينما أعلن عن إحباط محاولة تهريب كمية كبيرة من حبوب الكبتاغون بلغت نحو 15 مليون حبة، عُثر عليها مُخبأة في "آلة لصناعة الكتل الخرسانية" وردت عبر ميناء جدة الإسلامي، بحسب هيئة الزكاة والضريبة والجمارك السعودية.

وفي أغسطس/آب من العام نفسه أعلنت المديرية العامة لمكافحة المخدرات عن ضبط كمية مخدرات قياسية في البلاد، حيث تم اكتشاف 47 مليون قرص مخدر غير قانوني في شحنة دقيق، وهذا يعادل حوالي 8 أطنان من هذه الحبوب. لم يتم تأكيد طبيعة الحبوب رسميا، إلا أن الاحتمال الأكبر هو أنها من الكبتاغون مثل معظمها.

أما في مصر، وفي مطلع عام 2023 أعلنت وزارة الداخلية المصرية عن ضبط أكثر من 800 ألف قرص كبتاغون تم تصنيعها في القاهرة، وضبطت قبل أن ترد إلى سلاسل التوزيع الأولية، ومنها إلى المتعاطين. وفي السودان ضبطت السلطات مليوني حبة كبتاغون في أغسطس/آب من العام نفسه كانت في طريقها للتوزيع على محليتي شندي وعطبرة.

ولو قررت أن تبحث قليلا عن اسم الكبتاغون عبر أي محرك بحث لوجدت أن "أبو هلالين" (هكذا يطلق عليه ضمن أسماء عدة) وصل إلى كل الدول العربية تقريبًا، ولكنه بشكل خاص تركز في دول الخليج العربي.

وفي تقرير مكتب الأمم المتحدة المعنى بالمخدرات والجريمة لعام 2023، جاء أن سوق الكبتاغون آخذ في التوسع عامًا بعد عام، ويكفيك أن تعرف أن أكثر من مليار حبة من مخدر الكبتاغون ضُبطت في الجزيرة العربية فقط بين عامي 2019 و2022، وهو ما يكفي لتغطية نحو ستة ملاعب كرة قدم.

لا شك في أن ذلك يدفع إلى التأمل، عبر النظر في معطَيين رئيسيين، أولهما يتعلق بالكثافة، حيث إننا لا نتحدث عن شحنة واحدة تُضبط كل عام، بل عشرات من الشحنات تمثل في مجملها أقل بكثير من تلك التي وصلت إلى المستهلكين. وثانيها يتعلق بطبيعة المخدر نفسه، فقد كان العالم العربي عادة منطقة للتجارة غير المشروعة للمواد الأفيونية ومستخرجات القنب (مثل الحشيش والماريجوانا أو البانجو)، أما الكبتاغون فهو ضيف جديد جاء ليحتل الصدارة، واجتمعت فيه عدة خصائص جعلته أخطر مخدر يصل إلى العالم العربي على الإطلاق بحسب وصف عدد من المراقبين.

 

شديد الإدمان

تم تصنيع الفينثيلين، وهو المركب الكيميائي المعروف باسم الكبتاغون، في ألمانيا للمرة الأولى عام 1961 ليحل محل الأمفيتامين، وهو منشط للجهاز العصبي استُخدم لعلاج اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة والخدار والاكتئاب وعدد من الاضطرابات الأخرى. قُدم الدواء في شكل أقراص تحتوي على 50 ملليغرام من الفينثيلين، واستُخدم طبيا مدة ربع قرن تقريبا، لكنه فقد شعبيته بين الأطباء بسبب ارتباطه بأعراض ثلاثة خطِرة، هي الهلوسة والسلوك العدواني والإدمان، ومنذ ذلك الحين تم حظره طبيا. وقد تمت أول عملية ضبط للكبتاغون المُتاجَر به بشكل غير مشروع في ألمانيا عام 1984.

مثل بقية الأمفيتامينات، ينتمي الكبتاغون إلى منشطات الجهاز العصبي، حيث يعمل على تحسين الوعي واليقظة لدى متعاطيه، ويرفع من القدرة على الأداء بشكل عام، وإلى جانب ذلك يسبب اندفاعًا سريعًا للنشوة وشعورًا بالبهجة والتحفيز في الجسم. سبب هذه النشوة هو إثارة الكبتاغون لنواقل كيميائية في الدماغ؛ خاصة "الدوبامين" الذي يُعرَف باسم "هرمون السعادة"، وهو مسؤول عن تحقيق المتعة والشعور بالثقة والنشاط والتحفز لتحقيق الهدف، والشعور بالمكافأة.


مصدر الصورة
(الجزيرة)

تخيل مثلا أنك في انتظار طرد قادم بهدية ثمينة من الخارج، هدية تنتظرها منذ زمن، قد تكون هاتفًا جديدًا أو حاسوبًا محمولًا مثلًا بخصائص ممتازة ستساعدك على الدراسة والألعاب الإلكترونية وربما على العمل، أو تكون في انتظار أي شيء ثمين. ما هو شعورك حينما تستيقظ كل يوم وتكون أول فكرة تأتي إلى دماغك هو ذلك الطرد الثمين المنتظر؟ سبب هذا الشعور هو تلك المجموعة من الهرمونات والنواقل العصبية التي تجري فيك. الآن ضاعف هذا الشعور بالتحفيز والمتعة عشرات، بل مئات الأضعاف، هذا هو ما يشعر به متلقي تلك المادة المخدرة.

ينتج الكبتاغون تأثيرات سريعة ومكثفة في الدماغ، إذ يُبلغ متعاطوه عن مشاعر بالنشوة والثقة والمناعة (الإحساس بأنك منيع في مواجهة الأحداث والأشخاص) في غضون دقائق من تلقي الجرعة، وعلى عكس الكوكايين مثلا، فإن جرعة واحدة من هذا المخدر تحافظ على هذه التأثيرات عدة ساعات.

يزيد هذا التأثير السريع الممتد، من سهولة إدمان المخدر، فيرغب الشخص في الحصول على جرعة أخرى بعد تلقي السابقة، ويبدأ مع الوقت في بذل الجهد في سبيل ذلك بغض النظر عن تأثر حافظة نقوده، وفي مرحلة متقدمة قد يصل الأمر إلى درجة السرقة من أجل الحصول على المخدّر.

الآن، أصبحت في أسر المخدر. وكل ما سبق من مشاعر بالراحة والنشوة سينقلب عليك بأقسى مما كنت تظن، الاستخدام الممتد للكبتاغون يقود المريض إلى الحاجة إلى جرعات أعلى لتحقيق نفس التأثيرات المرغوب فيها، لأن الجسم يتكيف مع المادة المخدرة بشكل يحتاج إلى تركيزات أكبر منها، ومع التوقف المفاجئ عن استخدام الكبتاغون تظهر أعراض الانسحاب مثل التعب والاكتئاب والقلق والرغبة؛ مما يعزز السلوك الإدماني.

ومع الاستخدام المزمن تظهر الآثار الجانبية، التي قد تكون غاية في الخطورة، مثل الذهان والتشوهات البصرية والهلوسة وقصور القلب الحاد واحتشاء عضلة القلب الحاد ونوبات الصرع، وقد تم الإبلاغ عن قصور القلب الحاد بشكل واضح في سوريا منذ بداية الثورة ثم سيطرة النظام على مجريات الأمور في غالبية سوريا، التي تعد مركزا للكبتاغون في العالم العربي، وهو أمر سنتطرق إليه بالتفصيل بعد قليل.

 

صراع مخدرين

لما سبق من أسباب، يعد الكبتاغون مادةً شديدة الإدمان مثل غيره من المنشطات العصبية الشبيهة، ومن ثَمّ فهو قنّاص كيميائي، يسهل انتشاره خاصة داخل فئات عمرية تبدأ من المراهقة وتصل إلى الشباب، وهو يشبه في ذلك الميثامفيتامين، الذي يشتهر حاليًّا كذلك في العالم العربي تحت أسماء "الشابو" و"إتش بوز" و"الميث الكريستالي" و"الآيس"، إلخ.

والواقع أن هناك أسبابًا دفعت إلى تحول سوق المخدرات العربي لتميل الكفة ناحية الكبتاغون مع الوقت في مواجهة الميثامفيتامين، الذي يؤدي نفس الوظيفة، وهو أنه قد يكون أخف في الأعراض الجانبية من الميثامفيتامين وأقل تسببا في الوفاة (ربما لأنه يخترق أنسجة المخ بشكل أبطأ من باقي الأمفيتامينات).

وهذه بالتحديد هي الرسالة التسويقية لمروجي الكبتاغون في العالم العربي، الذين ينتشرون على الإنترنت كبيئة عمل رئيسية، فيقول لك أحدهم إنه آمن وكان يُستخدَم علاجًا في وقت سابق، وإن له قدرة كبيرة على تحقيق اليقظة والوعي الظرفي والقدرة على أداء المهام بشكل عام، وهو تحديدًا الهدف الذي يقع بسببه طلاب الجامعات (وكذلك الموظفون في مهام تتطلب تركيزا ولياقة كالسائقين) في أسر المخدر.

لكن ذلك خاطئ تمامًا لعدة أسباب، أولها يتعلق بأعراضه الجانبية كما أسلفنا، وكذلك فإنه من المرجح أن يتسبب الكبتاغون في حدوث تغييرات لا رجعة فيها في دوائر الدماغ التي تتحكم في الانفعالات والحُكم على الأمور من حولك، مما يؤدي إلى سلب قدرة الشخص على التفكير بعقلانية والتحكم في ذاته.

أضف إلى ذلك أن أقراص الكبتاغون ليست نقية عادة، فقد كشفت اختبارات السمية أكثر من مرة عن أنها تحتوي على مركبات أخرى مثل الأمفيتامين والميثامفيتامين والبروكايين والكافيين والميترونيدازول وغيرها، والواقع أن العديد من الأقراص التي تمت مصادرتها في سوق المخدرات في الأعوام الأخيرة والتي تباع تحت اسم كبتاغون تحتوي أصلا على القليل جدا من مادة الفينثيلين والكثير من الأمفيتامينات الأخرى مثل الميثامفيتامين الممزوجة بعدد من الملوثات؛ مما يفند ادعاء الأمان، ويلقي بالمتعاطي في براثن أعراض جانبية قاسية ترتبط في مجملها بالإجرام والتدهور الاجتماعي، حيث تمنع عقل المتعاطي من التعامل بشكل طبيعي، فينخرط في نشاطات غاضبة.

وغالبًا ما يكون الكبتاغون جزءا من تعاطي مخدرات متعددة، فيفتح الباب بعد استخدامه لمزيج من المخدرات الأخرى التي تسيطر على المتعاطي تماما، فيدمج عادة مع المواد الأفيونية (الميثادون بشكل خاص)، وكذلك مع الكحول ومنتجات القنب، مما يعني أن الكبتاغون يمكن أن يكون مدخلا للإدمان.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي

إقرأ أيضا