الحج: قصة أبيدوس "القِبلة" التي كان يحج إليها قدماء المصريين


مصدر الصورة

الحج هو ممارسة دينية تتضمن رحلة إلى موقع مقدس لأداء طقوس دينية معينة. وقد كانت هذه الممارسة موجودة في مختلف الحضارات القديمة، حيث اعتقد الناس أن زيارة الأماكن المقدسة والقيام بالطقوس المرتبطة بها تجلب البركة والتطهير الروحي والتواصل مع الآلهة.

وفي مصر القديمة، كان الحج إلى أبيدوس (محافظة سوهاج حالياً) مرتبطاً بعبادة الإله أوزوريس، حيث كان يُعتقد أن زيارة المواقع المقدسة تؤمن الانتقال الآمن إلى الحياة الآخرة. كما شملت الطقوس المواكب الجنائزية وتقديم القرابين. و

كانت المدينة نقطة محورية للحجاج المصريين الذين كانوا يتطلعون إلى أن يُدفنوا بالقرب من مقبرة أوزوريس في أبيدوس. وحتى أولئك الذين لم يتمكنوا من تحمل تكاليف الدفن في أبيدوس، كانوا يضعون لوحات مكتوباً عليها أسماؤهم وألقابهم وصلاة للإله.

ويقول موقع "وورلد هيريتدج سايت" عن أبيدوس إنها مدينة الحج بالنسبة للفراعنة، وهي جزء من القائمة المؤقتة لمصر من أجل التأهل لإدراجها في قائمة التراث العالمي. وكانت مدينة مقدسة منذ الأسرة المصرية الأولى. ويحتوي المجمع الأثري على بقايا مدينة وهرم الملكة تيتيشيري ومعبد جنائزي وتوابيت ومعبد ذي مصاطب. كما تم اكتشاف مقابر ملكية فيها في أم القعاب.

عبادة أوزوريس

تقع أبيدوس التي تُعرف حالياً بـ "العرابة المدفونة" في صعيد مصر، بالقرب من مدينة البلينا في محافظة سوهاج، وكانت هذه المدينة القديمة، المعروفة باسم "أبدجو" بالهيروغليفية، مركزاً دينياً رئيساً مخصصاً لأوزوريس، إله الحياة الآخرة.

وتعود أصول أبيدوس إلى فترة ما قبل الأسرات، حيث كانت مركزاً دينياً محلياً. ومع توحيد مصر وتأسيس الأسرة الأولى، أصبحت أبيدوس موقعًا مهمًا للفراعنة حيث يوجد بها مقابر "أم القعاب" التي تضم مقابر الملوك من الأسرتين الأولى والثانية.

وتقول دائرة المعارف البريطانية إن مقابر أم القعاب تُعتبر ثروة حقيقية حيث أنها تضم فخاراً سليماً، وشعارات ملكية، وملصقات عاجية، وأسماء العديد من ملوك ما قبل الأسرات. وقد أظهرت العلامات المنقوشة أن الكتابة المصرية وصلت إلى مرحلة متقدمة في وقت مبكر جداً. وبالقرب من حافة الصحراء، تم تحديد سياجات كبيرة مبنية من الطوب اللبن كمواقع جنائزية لملوك الأسرتين الأولى والثانية. كما تم اكتشاف سلسلة من القوارب الخشبية المغطاة بأغلفة من الطوب اللبن المطلي باللون الأبيض، مما يشير إلى أهمية الطقوس الجنائزية في تلك الفترة.

وبدأ الحج إلى أبيدوس منذ بداية الدولة القديمة، وزادت أهميته على مر العصور، لا سيما خلال عصر الدولة الوسطى (حوالي 2055 - 1650 قبل الميلاد) والدولة الحديثة (حوالي 1550 - 1069 قبل الميلاد). وكان هذا الحج يعكس التغيرات في المعتقدات الدينية وتزايد أهمية عبادة أوزوريس، الذي أصبح تدريجيًا الإله الرئيسي للحياة الآخرة والقيامة. وذلك بحسب موقع منظمة اليونسكو.

وكانت رحلة الحج هذه بمثابة رحلة روحية مقدسة، مليئة بالطقوس الدينية والرموز المعبرة. وكان الحجاج يأتون من جميع أنحاء مصر، ويتوجهون إلى أبيدوس سيراً على الأقدام أو بواسطة القوارب على طول نهر النيل. وكان للموسم الرئيسي للحج ميعاد ثابت ومحدد وهو يوم الثامن من الشهر الأول من فصل الفيضان حتى يوم السادس والعشرين من نفس الشهر.

وكان الحجاج يشاركون في مواكب جنائزية رمزية تعيد تمثيل وفاة وقيامة أوزوريس. وكانت هذه المواكب تبدأ من معبد الكرنك في طيبة وتنتهي في أبيدوس. وعند وصولهم إلى أبيدوس، كان الحجاج يقدمون القرابين لأوزوريس. وشملت القرابين الأطعمة والمشروبات، إضافة إلى القرابين الحيوانية. وكان الهدف من هذه القرابين هو نيل بركة الإله وضمان حياة أبدية في الآخرة. وكان الحجاج ينقشون أسماءهم وصلواتهم على اللوحات الحجرية أو يتركونها في المعبد.

وتضمنت الطقوس إعادة تمثيل أسطورة أوزوريس، حيث يشارك الحجاج في مشاهد تروي قصة موته على يد أخيه ست، وإحيائه بواسطة إيزيس، مما يرمز إلى دورة الحياة والموت والقيامة. ومن أهم الأماكن التي كان الحجاج يزورونها في أبيدوس معبد "أوزيريون" ومعبد سيتي الأول.

بوابة إلى العالم الآخر

كان المصريون يعتقدون أن أبيدوس تمثل بوابة إلى العالم الآخر، وأن أوزوريس، الذي كانوا يعتقدون أنه مدفون هناك، يمكنه ضمان القيامة والحياة الأبدية. وكانت الطقوس الجنائزية تهدف إلى استرضاء أوزوريس، ومنح الأمل للمتوفى في الحياة الآخرة.

وإذا كان الحج إلى أبيدوس قد مثل للمصريين القدماء تأكيد معتقداتهم في الحياة الآخرة. فإن بناء المعابد هناك كان بالنسبة للفراعنة وسيلة لإضفاء الشرعية على حكمهم وتأكيد مكانتهم كأبناء للآلهة.

وفي عصر الدولة القديمة، كان الإله الحارس لمدينة الجبانة هو إله ابن آوى خينتي إيمنتيو. ومع حلول الأسرة الخامسة، انتشرت عبادة الإله أوزوريس تدريجياً، مما جعل أبيدوس مركزاً رئيسياً لعبادة هذا الإله.

ويُعد معبد سيتي الأول من أبرز المعالم في أبيدوس، ويعود تاريخه إلى الأسرة التاسعة عشرة، ويتميز تصميم هذا المعبد بالنقوش التي تزين جدرانه والتي تتسم برقة وجمال خاصين من بينها نقش بارز يظهر سيتي الأول وابنه رمسيس الثاني يقدمان القرابين.

ويقول موقع مركز البحوث الأمريكي في مصر إن هذا المعبد تم بناؤه على شكل حرف L بخلاف الشكل المستطيل المعتاد للمعابد، وقد بني بشكل أساسي من الحجر الجيري، مع استخدام الحجر الرملي في بعض الأحيان. وتم الانتهاء من المعبد بعد وفاة سيتي الأول في عهد ابنه رمسيس الثاني.

ويقع خلف معبد سيتي الأول معبد صغير يُعرف باسم أوزيريون مبني من الجرانيت الأحمر، ويُعتقد أنه قبر رمزي لأوزوريس، وهو عبارة عن قاعة مقببة تحت الأرض تحتوي على منصة مركزية بها 10 أعمدة متجانسة محاطة بقناة مياه. ويمثل هذا الهيكل مياه الخلق الأولى وهو أعجوبة معمارية تعكس المهارات الهندسية المتقدمة للمصريين القدماء.

الثراء الديني والثقافي

كشفت الحفريات في أبيدوس عن ثروة أثرية مما سلط الضوء على تاريخ المدينة الطويل ودورها كمركز ديني. وقد سلط اكتشاف مقبرة جر، أحد ملوك الأسر المبكرة، في مقابر أم القعاب، الضوء على تفاصيل كثيرة حول المدافن الملكية والتكوين المبكر للدولة المصرية.

وفي عام 2014 اكتشف قبر سينبكاي، وهو فرعون غير معروف سابقاً من سلالة منسية، مما يؤكد على أهمية أبيدوس كموقع دفن ودورها في السرد الأوسع للتاريخ المصري. وهكذا، تقف أبيدوس بمثابة شهادة كبيرة على الثراء الديني والثقافي لمصر القديمة حيث تعكس معابدها ومقابرها وأساطيرها الدائمة الأهمية الروحية العميقة التي يحملها الموقع بالنسبة للمصريين القدماء.

ويمتدّ تراث أبيدوس الثقافي والرمزي إلى الفن والأدب والممارسات الدينية المصرية. وتعكس صور أوزوريس وإيزيس وحورس في المعابد والمقابر في جميع أنحاء مصر مركزية أسطورة أبيدوس في الثقافة المصرية.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي

إقرأ أيضا