رئيس عربي ثروته الكتب والسمفونيات والأصدقاء.. حوار مع المنصف المرزوقي


مصدر الصورة

إذا كنت دقيقًا في مواعيدك مع أصدقائك، فستصل إلى المكان قبل 5 دقائق من الموعد. لكن ماذا تفعل حين تواعد رئيس جمهورية سابق؟ لا أعرف إجابتك، لكني أعرف أني جئت قبل موعدي بـ40 دقيقة. لا تلمني، لا ألتقي برؤساء كل يوم.

وصلتُ إلى فندق شيراتون الدوحة في الثامنة وخمسين دقيقة مساءً، كان موعدي مع الدكتور المنصف المرزوقي، أول رئيس منتخب في انتخابات حرة بعد الربيع العربي، في التاسعة والنصف. وكنت أطمع بأن يتاح لي وقت إضافي إذا بدأنا اللقاء قبل الموعد المحدد بنصف ساعة.

جلستُ في البهو أقلّبُ أوراقي وأنتظر أملًا في أن يؤذن لي قبل الموعد فآخذ نصف ساعتي منضافًا إليها دقائق من الهوامش.. فتحت هاتفي وأرسلت صورتي لوالديّ وكتبت لهما: أتجهّز الآن لإجراء حوار مع أول رئيس عربيّ منتخب. بابٌ من أبواب البرّ تعلّمته من زكي مبارك، ولكن بطريقة معكوسة. قرأت لزكي مبارك (ت 1952) مرةً أنه لم يشكُ يومًا لأبيه صعوبات عيشه، مخافة أن يهمّه. وأنا لا أشارك والديّ إلا الأخبار السعيدة. ولعل الفتى زكي المغروس في التراث العربيّ اقتبس هذا الخلق الرفيع من مقولة إبراهيم بن إسحاق الحربي (ت 285هـ = 898 م): "الرجلُ كل الرجل، من يدخل غمه على نفسه، ولا يدخله على أهله".

في التاسعة إلا 5 دقائق، وقف شاب أنيق في قلب البهو، عرفت من إمساكه بهاتفه وتلفّته أنه من فريق المنصف، فمشيتُ نحوه.

مرحبًا، أنا عبد القدوس.

مرحبًا، الدكتور مستعدٌ لاستقبالك الآن. ومشينا نحو المصعد. إذا كنتَ ممن يحتمل الصمت الرهيب، في المساحات الضيقة كالمصاعد، فلستُ أفهمك، ذلك شيء لا أطيقه. قطعت الصمت المزعج بسؤاله عن مكان إقامته، وعن عمله، ففهمت أنه يملك مخبزًا في فرنسا منذ وقت طويل. التفتّ إليه بكلّي، واستقبلته، ومددت إليه يدي لأصافحه للمرة الثانية.

"حسنًا سيدي هذا سؤالٌ خارج عن الحوار مع فخامة الرئيس، لكن لا بدَّ لي منه" سألته بكل جديّة.

"تفضل" قالها وهو يشدّ يده على يدي، ليعكس جديّته في تلقي السؤال.

"ما هو سر الكرواسون عندكم، الناس عندنا يأكلون عجينًا صرفًا على شكل هلال ويسمونه كرواسون، وهو مختلف لما ذقته في فرنسا، هل السر في تخمير العجين، أم جودة الأفران، أم ماذا؟".

"هذا سؤال جيّد، سأبوح لك بسر الصنعة، السرّ في الزبدة! لا بد أن تكون ذات جودة ليكون الكرواسون ممتازًا" قال هذا وانفتح باب المصعد، وظن أن السؤال قد انتهى.

تشبثت بيده لأشعره أن الموضوع لم ينتهِ بعد، وسألته: وما هي الزبدة التي تستخدمونها. بنصف ابتسامة ونصف دهشة قال: "نشتري زبدتنا من إقليم فرنسي مشهور بجودة ألبانه قريب من بواتييه، واسمه (grand fermage)، ها قد أصبح لديك كل أسباب المنافسة". أردف ممازحًا. دوّنت اسم الزبدة، ووضعت الورقة في جيبي.

ربما لو انتصر عبد الرحمن الغافقي على شارل مارتل في معركة بواتييه بلاط الشهداء 114هـ/ 732م، لكان الوصول إلى هذه الزبدة الجيّدة أسهل..

في الطابق الخامس ينفتح الباب رقم 34 على جناحٍ واسع أنيق، سرنا في الممر المفضي إلى جلسة واسعة وغرفتين تتوزعان على الممر يمينيًا وشمالا. في نهاية الممر يقف رجلٌ على رأس الـ70، في بدلة زرقاء داكنة وقميص أبيض. انتهينا إلى غرفة الجلوس المتسعة بمكتب وأريكتين، تطل من شاشة الحاسوب المفتوح على المكتب صورة لطفلتين جميلتين، فهمتُ لاحقًا أنهما حفيدتاه.

رحبَ بي، وأجلسني على أريكة مفردة، وجلس مما يليني على الأريكة الممتدة. وقال لمساعده: قبل أن تذهب، أرجوك تفاهم مع آلة القهوة هذه لم أحسن التعامل معها.  قدّم لنا مساعده القهوة وودعنا.

بعد السلام والرسميات، بادرته قائلًا:

"فخامة الرئيس أستأذنك في مسألتين"

فقال: بحفاوة "بالتأكيد تفضل"

أولا، في طرح الألقاب، حتى ينطلق لساني بالأسئلة، وأنت تعلم أن أول ما فاتح به أبو حيان التوحيدي الوزير ابن العارض في ليالي الإمتاع والمؤانسة أن قال له: [أيها الوزير] يُؤذن لي في كاف المخاطبة، وتاء المواجهة، حتى أتخلص من مزاحمة الكناية ومضايقة التعريض، وأركب جَدَد القول من غير تقيّة".

وثانيا، أن الصحفيّ إذا لم يتواقح في بعض أسئلته بقيت غصَّة في قلبه، وشجًا في حلقه. فاحتمل لي جرأتي في السؤال، واغفر لي تطاولي في التنقيب.

فقال متبسمًا: "شيء طبيعي، خذ راحتك!"

ففتحتُ مذكّرتي، وتوجهت له بأول سؤال مُعدّ: حسنا، ما الذي يفعله المنصف المرزوقي الآن، رجل في الـ70، كان معارضًا ثم وصل إلى سدة الرئاسة حين نفخت رياح الربيع في شراعه، ثم انقلبوا عليه وصار اليومَ شبه مشرّد يلاحقه القضاء التونسي كما يطارد المجرمين، فلماذا لا يستريح ويتقاعد عن العمل السياسي، فقد بلغ الغاية في الجهد، ولم تعد بوارق الأمل تشي بتغيير قريب. كثير من الشباب -والتفاؤل أقرب إلى أخلاق الشباب من الشيوخ- كفروا بالتغيير حين رأوا ما آلت إليه الأمور، فلم لا تستريح؟

كان يستمع إليّ بتركيز، ولم أكد أفرغ من طرح السؤال حتى انقض مجيبًا وكأن الجواب كان مختمرًا في ذهنه "شوف، أنا لا أنغمس في الزمن القصير بل أنا منغمس في الزمن الطويل، أنا قارئ جيّد للتاريخ، وقد عشتُ معركة والدي الذي قاوم الاستعمار الفرنسي ودخل السجن بسبب نضاله، ثم وجد نفسه في الصف الخاسر بين صالح بن يوسف الذي كان عروبيًا إسلاميًا وبو رقيبة الذي كان فرنكفونيا، اختار والدي الشق الخاسر، ووُصِم بالخيانة، بالمناسبة، وصف الخيانة يلاحقني منذ كنت طفلًا حين كان يطلق على والدي، والآن صار يطلق عليّ، لقد بقي والدي معارضًا للسلطة 33 سنة، ولا بد أن أحطم رقمه وأصمد 34 سنة" قالها باسمًا، كالممازح.

ثم عادت ملامح الجدِّ على وجهه الراسخ في السحنة العربيّة وقال "نحن بدو، والبدويّ عنيد بطبعه، تعوّدنا على شظف العيش والصراع، الدرس الذي حفظته من التاريخ أن زمن الأفراد ليس هو زمن الشعوب، الذي قد يمتد لمئة أو مئتين سنة.. دورك أنت أن تكون حلقة في مسار التحرر" قال الجملة الأخيرة، وقد لانت ملامحه، وعاد كمعلّمٍ ينصح لتلميذه، أو شيخ يلقي بوصيته الأخيرة إلى حفيده.

متى توفي الوالد؟

"في عام 1988، لقد قاوم والدي الاستعمار، وأنا أقاوم الاستبداد، والاستبداد والاستعمار وجهان لعملة واحدة، وسأورِّث هذا لابنتي التي تدرِّس الآن في برنستون، سأنغّض عيشهم إلى أن أموت، وبعد الموت سأنغّص عيشهم أكثر لأني تركت كتبًا وكتاباتٍ كثيرة.. حتى بعد موتي سأواصلُ النضال!".

لا يمكن أن تمنع نفسك من التأثر بتيّار الحماسة السياسيّة، الذي يولّده المنصف المرزوقي حتى وهو جالس على الأريكة، وكأنه أمام حفل جماهيريّ في ميدان من ميادين التحرير. أردتُ أن نكسر نمط الحديث السياسيّ الذي بدأ ساخنًا منذ البداية فقلبتُ أوراق مذكرتي إلى السؤال الأخير.

"حدثني عن القناعات التي توصّلتَ إليها بعد كل هذا العمر المديد" ولأوضّح السؤال أكثر، ضربتُ له مثالًا "قرأتُ مرة في مذكرات مراد هوفمان، أنه كان يكتب خلاصة قناعاته ومعتقداته الفكريّة التي انتهى إليها في دفتر صغير، فلما شبَّ ابنه، دفع الدفتر إليه في عيد ميلاده الـ18".

"خلاصاتي الحياتيّة ستجدها في كتابي الرحلة، وهو كتاب سمين في 600 صفحة، فلا يمكن تلخيصه في جلسة، ولكن دعني أقول لك خلاصة رئيسة وصلت إليها، وهي أن البشريّة تهددها 3 آفات طبيعية و3 آفات من صنع الإنسان، أما الآفات الطبيعية: فالزلازل والطوفان والأوبئة وهذه الأخيرة أعرفها لتخصصي فيها.

وأما تلك التي من صنع الإنسان فهي: الاستبداد، والاستعباد، والاستعمار، وإذا استطعنا أن نخلص البشرية منها فسنصنع عملًا عظيما. في تونس عام 1846 كان البشر يباعون على قارعة الطريق، كالبهائم، وقد كانت تونس رائدة العالم في إلغاء نظام العبودية، قبل سنوات من قرار إلغاء الولايات المتحدة له، وأنا فخور بهذا. إذن، الاستعباد قد انتهى إذا استثنينا تجارة الجنس، والاستعمار كذلك انتهى ما عدا في فلسطين، وبقي الاستبداد الذي هو من بقايا النزعات الحيوانيّة التي في الإنسان، فهو من شريعة الغاب. إذا أرادت البشرية العيش بكرامة لابد من القضاء على هذه الآفات. ودوري كمثقف وسياسي دفع البشرية للتخلص من الاستبداد".

قلتُ في نفسي لقد عدنا إلى السياسة، وبالتالي يبدو أن محاولة الخروج عنها جهدٌ ضائع، يقول الفرنسيّون في أمثالهم: بائعة السجائر مهما بلغ جمالها، لا يمكنها أن تبيعك شيئًا غير السجائر.

هذه خلاصة طيّبة، لنعد إلى المشهد اليوم، كيف تنظر إلى "طوفان الأقصى" وهل أحدث لديك تغييرًا أو مراجعات؟

"لديّ نظريّة في مسألة الربيع العربي، فالتسمية واردة إلينا ولا تعبر عن واقعنا، أما أنا فأشبّه وضعنا في المنطقة العربية بالبراكين التي تحصل بدون توقع ويكون أثرها هائلًا، فنحن لا نعلم متى وأين سيثور البركان، لأنه لا يثور إلا فجأة، وكذلك كان الربيع العربي، والطوفان هو بركان ثانٍ من البراكين التي انفجرت في منطقتنا، وهو من جهة تصفية لفاتورة الانقلاب على الربيع العربي، انفجار هذه البراكين وتغيير الواقع أمر حتمي".

"لكن البراكين تخمد لقرون!" قلتُ معلقًا، بعد أن أعجبتني الاستعارة، وأردتُ مجاراته فيها ولكن بنظرة تشاؤميّة.

"صحيح لكنها إذا ثارت تغيّر كل ما حولها. وتصبح أراضيها من أخصب الأراضي للعيش من بعد".

عشتَ في الغرب طويلًا، ألم يغيّر الطوفان نظرتك إلى الغرب، ألم يبدِ لك وجهه القبيح؟

"بالعكس، ما حصل تجميل لوجه الغرب!" وصاحبت كلمته التالية تعابير وجهي التي قرأها سريعًا فقال: "وهنا ستفاجأ!"

كيف؟

مد يده إلى كوب القهوة أمامه وارتشف منه، ثم قال:

"أين خرجت المظاهرات لمناصرة غزة؟ في لندن، ونيويورك، وسيدني. أنا حضرت مظاهرة في باريس كان 90% من المتظاهرين من الفرنسيين البيض! هؤلاء لم تخرجهم القرابة، وإنما القيم. نحن دائما ما نخلط بين الشعوب والأنظمة. الغرب ليس هو الحكومات الغربية. أضف إلى ذلك الحديث عن الاعتراف بدولة فلسطينية لدى إسبانيا وأيرلندا وبلجيكا. لقد حسّن الطوفان نظرتي إلى الغرب، أرادتها إسرائيل حربًا ضد اليهود وضد السامية لكنها بدت حرب تحرر عند الغرب!.

لكن يا سيدي، تخرج المظاهرات في الغرب وتملأ الشوارع هتافًا، وبعدها تطير الطائرات بالأسلحة لإسرائيل لتذبح الفلسطينيين، وبالتالي ما الفائدة من موقف الشعوب، والفعل المؤثّر يحتكره السياسي؟

"في البلاد الديمقراطية تؤثر الشعوب في القرار. ليس كدول الاستبداد، صدقني أن الحراك في فرنسا غير قليلا في موقف الحكومة، وهذا الشارع الأميركي يحاصر بايدن في سياسته مع إسرائيل. من أحرق نفسه تظاهرًا لغزة؟ طيار أميركي. هل تصورت هذا من قبل؟ أنا منذ 50 سنة أعيش في أوروبا ولم أر تفاعلًا أوروبيا مثل المظاهرات الحالية" عاد ليرتشف من كوبه، وأردف "هذا جيل جديد. ولا يشبه الأجيال القديمة، أجيال الاستعمار، ولا بد أن نتواصل ونتفاعل معه".

أغراني شربه للقهوة بأن أمدَّ يدي إلى كوب القهوة أمامي، وأرتشف منه، لم تكن قهوةً رئاسية، غسلت بقاياها في فمي، بشربة من كأس الماء، ثم وجهت إليه سؤالا كان يلوح في ذهني وأنا أتابع مسيرة ذلك الرئيس الذي يشبه شعبه، ويشبهنا.

لماذا يكره المنصف المرزوقي المال؟

"كيف قلت لي؟" نظر إليّ باستغراب

لقد خرجتَ من الرئاسة بذمة مالية نقيّة، وبقيتَ رافضًا لكل عروض الثراء المقدمة لك من قوى الرجعية، هل تكره المال، هل أثرت ميولك اليسارية في نظرتك له؟

"المال وسيلة وليس هدفًا. يساعد على تسهيل حياة الناس، لكن عندما يكون وسيلة لشراء الضمائر.."

قاطعته قائل ....

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي

إقرأ أيضا