يبدو إطلاق اسم على نوع جديد من الثعابين مهمة علمية هادئة، لكن عالم تصنيف الكائنات يخفي خلافات حادة حول من يحق له تسمية الأنواع وكيف تُقبل أسماؤها.
كتاب "رجال الثعابين: المتمردون والزواحف وسباق تسمية مخلوقات الأرض" للصحفي العلمي الأمريكي زاك سانت جورج يأخذ القارئ إلى هذا العالم، من خلال قصة الأسترالي رايموند هوزر، المعروف بلقب "رجل الثعابين".
صدر الكتاب في يوليو/تموز 2026 عن دار "دبليو. دبليو. نورتون"، ويتتبع هوزر وشغفه بالزواحف الأسترالية، إلى جانب الجدل الذي أثارته طريقته في تسمية أنواع جديدة، في حكاية تتجاوز الثعابين إلى سؤال أوسع: من يملك حق تسمية الكائنات التي نكتشفها؟
رايموند هوزر صائد ثعابين أسترالي وناشر في مجال الزواحف، وارتبط اسمه أيضا بمحاولات في تصنيف الكائنات. ولم يكن جزءا من المسار الأكاديمي التقليدي، إذ جمع بين نشاطه في التعامل مع الثعابين ونشر أبحاث وتصنيفات أثارت جدلا بين المتخصصين.
واشتهر خصوصا بالعدد الكبير من الأنواع التي سمّاها، إذ يذكر الكتاب وبيان الناشر أنه خلال نحو عقد اقترح أسماء لآلاف الكائنات الجديدة، بينها عدد من الثعابين يفوق ما سمّاه أي عالم آخر. ويرى بعضهم في ذلك إنجازا، بينما يتهمه آخرون بما يسمونه "التخريب التصنيفي" (Taxonomic vandalism).
وتتركز الانتقادات على الطريقة التي اقترح بها بعض هذه الأنواع وأسمائها، ومدى كفاية الأدلة التي استند إليها في التفريق بين أنواع جديدة وأخرى معروفة، وما إذا كانت هذه الأسماء تضيف وضوحا إلى النظام العلمي أم تزيده ارتباكا.
قد يبدو الخلاف على اسم ثعبان أمرا مبالغا فيه، لكن الاسم العلمي يؤدي وظيفة تتجاوز التعريف بالحيوان.
فعندما يُعترف بنوع جديد، يصبح اسمه جزءا من الأدبيات العلمية وسجلات العينات وقواعد البيانات التي يعتمد عليها الباحثون في التعرف إلى الأنواع ودراسة توزيعها وعلاقاتها. ولهذا فإن النزاع حول الاسم لا يكون لغويا فقط، بل يمتد إلى طريقة توثيق النوع والتعامل معه في المراجع العلمية.
ومن هنا تأتي حساسية علم التصنيف؛ فالعلماء لا يختلفون فقط على ما إذا كان الكائن جديدا، وإنما يحتاجون أيضا إلى طريقة مشتركة لتسميته وربطه بسجل واضح يمكن الرجوع إليه.
تخضع تسمية الحيوانات لقواعد علمية دولية تهدف إلى تنظيم الأسماء وتوفير نظام مشترك لاستخدامها. لكن الالتزام بالشروط الرسمية لا ينهي بالضرورة الخلاف بين الباحثين.
قد يرى عالم أن اسما ما استوفى المتطلبات اللازمة، بينما يعتقد آخرون أن الأدلة المستخدمة لإثبات أن الكائن نوع مستقل ليست كافية. وهنا تظهر المفارقة؛ يبدو الخلاف على الاسم، لكنه في جوهره خلاف على السؤال الأهم: هل هذا النوع مختلف فعلا عن النوع الذي سبقه؟
في حالة هوزر، امتد الجدل إلى نقاشات حول جودة الوصف العلمي، وعدد الأنواع التي ينبغي الاعتراف بها، ودور الباحثين الذين يعملون خارج المؤسسات الأكاديمية التقليدية. ويعرض الكتاب هذا الخلاف بوصفه جزءا من صراع أوسع بين هوزر وقطاع من علماء التصنيف والزواحف.
تكشف قصة "رجل الثعابين" أيضا عن سؤال أوسع في العلوم الطبيعية: من يستطيع المشاركة في اكتشاف الأنواع وتسميتها؟
فالتاريخ العلمي عرف دورا مهما للهواة وعلماء الطبيعة الميدانيين في جمع العينات ومراقبة الكائنات وتوثيقها، لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدا عندما يتعلق بإضافة أنواع وأسماء جديدة إلى نظام يستخدمه الباحثون حول العالم.
وهنا لا يعود السؤال فقط: هل هذا الشخص عالم أم هاو؟ بل يصبح: هل الأدلة التي يقدمها كافية؟ وهل يمكن للآخرين فحصها ومراجعتها؟
وهذا أحد الجوانب التي تجعل قصة هوزر أوسع من مجرد حكاية عن شخص مهووس بالثعابين، فالكتاب يضعه داخل عالم من علماء التصنيف والباحثين والهواة، ويستعرض الصراع حول القواعد التي تنظم أسماء الحياة على الأرض.
لا تقتصر قيمة "رجال الثعابين" على غرابة العالم الذي يتناوله، بل على الطريقة التي يحول بها موضوعا شديد التخصص إلى قصة عن العلم نفسه.
فوراء كل اسم علمي كائن جرى اكتشافه أو وصفه، وباحثون اختلفوا حول خصائصه، وعينات تحفظ في المتاحف، ومراجع وقواعد بيانات تحتاج إلى أسماء واضحة يمكن للباحثين استخدامها دون لبس.
لهذا يبدو الصراع حول تسمية الثعابين جزءا من صورة أوسع، فالعلم لا يتقدم فقط عبر اكتشاف كائنات جديدة، بل أيضا عبر الاتفاق على اللغة التي نصف بها هذا التنوع.
وفي النهاية، قد يبدو الثعبان هو بطل الحكاية، لكن السؤال الذي يتركه الكتاب أبعد من الزواحف: حين نكتشف نوعا جديدا في الطبيعة، من يملك حق أن يمنحه اسما يبقى معه؟
المصدر:
الجزيرة