لم يعد دور المهاجم الصريح في كرة القدم الحديثة مقتصرا على هز الشباك أو استقبال الكرات العرضية، بل تحول إلى مهندس الخط الأول لضغط الفريق وصانع المساحات ومربك خطط بناء اللعب لدى المنافس.
وفي أرسنال، يجسد المهاجم الألماني كاي هافيرتز هذا التحول التكتيكي بأبهى صوره؛ إذ يخوض تحت قيادة ميكيل أرتيتا أدوارا مركبة تتجاوز التمركز التقليدي، لتصل إلى قراءة أدق تفاصيل المنافس، بدءا من تحركات المدافعين وصولا إلى تحليل القدم المفضلة لحارس مرمى الخصم وكيفية تعطيل زوايا تمريره.
قصص مقترحة
list of 2 items
* list 1 of 2 انكسارات وصدامات وتوهج متأخر..
قصة "الرحالة" أوباميانغ في ملاعب أوروبا
* list 2 of 2 شاهد.. مانشستر سيتي يكتسح نورويتش سيتي ويبلغ ثمن نهائي كأس الرابطة end of list
يتحدث أرتيتا باستمرار عن صعوبة مراقبة هافيرتز وكيفية خلقه للمساحات لزملائه؛ إذ يُعد دوره كلاعب "حر الحركة" (floater) أمرا لا يمكن تعويضه.
تحركه المستمر نحو الجهة اليمنى يربك الدفاعات، ويمنح بوكايو ساكا ومارتن أوديغارد وبن وايت فرصة لزيادة خطورتهم.
ورغم بروز إسهاماته بالكرة، يحرص أرتيتا على تسليط الضوء على جانب آخر، حيث صرح قبل مباراة سندرلاند (2-0): "يتحدد المركز الأفضل بناء على ما تتطلبه المباراة. يتمتع كاي بذكاء فائق؛ يمكنك اللعب مهاجما صريحا (رقم 9)، ولكن ما دورك بالكرة أو من دونها؟ وماذا تفعل في لحظات التحول والضغط العالي، أو بناء على ما إذا كان حارس المرمى يستخدم قدمه اليمنى أم اليسرى؟ هناك عوامل عديدة تنقل مسألة التمركز إلى بُعد آخر تماما".
قامت صحيفة "ذا أثلتيك" (The Athletic) بتحليل عدة مباريات هذا الموسم لاستكشاف تفاصيل المهام التي يؤديها هافيرتز أثناء عدم استحواذ أرسنال على الكرة بناء على قدم حارس الخصم:
1. مواجهة مانشستر سيتي (الدرع الخيرية 3-0)
* الخصم والحارس: مانشستر سيتي – الحارس جيانلويجي دوناروما (يُعرف بضعف مستواه في اللعب بقدميه).
* التطبيق التكتيكي: كُلِّف هافيرتز بمهمة إغلاق مسارات التمرير السهلة في الجانب الأيمن (الجانب الأقوى) للحارس الدولي الإيطالي.
* النتيجة: اقترن تمركز هافيرتز بتقدم أوديغارد ونوني مادويكي للضغط، مما أجبر دوناروما باستمرار على تسديد الكرة ووضعية جسده مغلقة واللجوء للكرات الطويلة. تكرر هذا النمط بفعالية في أول 15 دقيقة وحتى أثناء التقدم بنتيجة 3-0 في الشوط الثاني، ليفرض أرسنال سيطرته الكاملة دون كرة.
2. مواجهة تشلسي
* الحارس: إيميليانو مارتينيز (يعتمد على قدمه اليمنى).
* التطبيق التكتيكي: تمركز هافيرتز في موقع مشابه لمباراة سيتي لقطع مسار التمريرة نحو الجهة اليمنى لمارتينيز. صاحبت ذلك تحركات مترابطة حوله؛ حيث تقدم غابرييل من خط الدفاع لمراقبة كول بالمر الذي تراجع للخلف، بينما تولى مايلز لويس-سكيلي مراقبة محور الارتكاز روميو لافيا.
* التعديل خلال المباراة: في وقت لاحق من الشوط الأول، عدل أرتيتا الأسلوب بسبب اعتماد تشلسي على 3 مدافعين؛ فتولى هافيرتز مراقبة لافيا بنفسه، وتراجع لويس-سكيلي للخلف، مع تقدم كريستوس تزوليس وساكا للضغط على قلبي الدفاع، مما أجبر مارتينيز على لعب كرات طويلة فوق خطوط الضغط كسبها أرسنال في الهوائيات.
3. مواجهة سندرلاند
* الحارس روبن روفس (أعسر، يستخدم قدمه اليسرى)، مع اعتمادهم على قلب الدفاع كيفن دانسو لتنفيذ الكرات المستأنفة بتمريرة قصيرة للحارس.
* التطبيق التكتيكي: اتخذ هافيرتز موقعا أكثر مركزية (في العمق) عند تنفيذ ركلات المرمى، ينتظر التمريرة العرضية داخل الست ياردات ثم ينطلق بسرعة نحو الجهة اليسرى لروفس لتضييق زاوية التمرير وإجاره على التشتيت بعجالة.
* القطع العمودي: كفل تمركزه في العمق قطع مسار التمرير الجانبي نحو قائد أرسنال السابق غرانيت تشاكا، ومنعه من بناء اللعب بحرية.
4. مواجهة أستون فيلا
* الحارس الدولي الياباني زيون سوزوكي (يتميز بقدرة ممتازة على توزيع الكرة بكلتا القدمين).
* التطبيق التكتيكي: عقب فترة تحضير مدتها 10 أيام، اتخذ هافيرتز موقعا أوليا قريبا من العمق أثناء إعادة قلبي دفاع فيلا الكرة لسوزوكي. اندفع هافيرتز بسرعة لإجباره على توجيه الكرة جهة اليسار حيث ينتظره ساكا وأوديغارد لاستخلاصها داخل منطقة الجزاء.
* التحدي: ورغم إرغامه على لعب الكرات الطويلة في البداية، أظهر سوزوكي ثقة متزايدة لاحقا واستخدم قدمه اليسرى بتمريرات دقيقة خلقت مساحات خلف المدافع بن وايت، ليكون الاختبار الأكثر صعوبة لتكتيك هافيرتز.
جهد بدني خارق وتأثير متكامل
تُبرز مباراة تشلسي التفاهم الجماعي والفردي؛ حيث تجد هافيرتز أحيانا في الجهة اليسرى، ولويس-سكيلي في المقدمة، وغابرييل في خط الوسط.
هذا التبادل يتطلب جهدا بدنيا استثنائيا؛ إذ استهل هافيرتز الموسم بقطع مسافة تفوق أي مهاجم آخر في الدوري الإنجليزي الممتاز (بمعدل 44.5 كيلومترا إجمالا، أو 11.5 كيلومترا في المباراة الواحدة لكل 90 دقيقة)، متفوقا على جواو بيدرو لاعب تشلسي (48.1 كيلومترا إجمالا بمعدل 10.4 كيلومترات في المباراة الواحدة).
يتجاوز تأثير هافيرتز مجرد تسديد الأهداف (3 أهداف في 6 مباريات)؛ ويمتد إلى صناعة الفارق بالتحرك والذكاء التكتيكي دون كرة، كما ظهر في لقطة التمويه الحركي الشهيرة التي ترك فيها الكرة لتمهيد هدف الفوز لأوديغارد أمام تشلسي.