ربما لن يستوعب السائرون في شوارع مدن عدة بالولايات المتحدة ما يجري إذا أوقفتهم فجأة وسألتهم عن توقعاتهم لكأس العالم 2026 لكرة القدم.
كثير من هؤلاء سيطلبون مزيدا من التوضيح، وآخرون سيختلط الأمر لديهم عما تسأل تحديدا، وهل المسألة تتعلق بحدث رياضي أم مؤتمر أم معرض عالمي؟
بالطبع هناك من يعشقون كرة القدم، وهؤلاء ينتظرون انطلاق المونديال بفارغ الصبر، لكن المشهد الأمريكي العام لا يبدو حتى قبل أيام قليلة من انطلاق الحدث العالمي شغوفا بالمونديال ولا مرتبطا بتلك الأجواء التقليدية المعروفة عنه.
على الأرض لا تبدو هناك معالم واضحة للمونديال في كثير من المدن الأمريكية التي لن تستضيف المباريات، وتعيش شوارع تلك المدن إيقاعها العادي دون مشاهد تدل على اقتراب الحدث الكبير.
وفي محيط العاصمة واشنطن، حيث تظل كرة القدم الأمريكية والبيسبول وكرة السلة الرياضات الأكثر شعبية، لن يمكنك غالبا ملاحظة أي مظهر يدل على اقتراب الحدث الكبير، ربما فقط في متاجر تحتشد رفوفها بمنتجات المونديال مثل الأكواب والأغطية والميداليات والقمصان والكرات والهدايا التذكارية التي تحمل شعار البطولة وألوانها، فضلا عن ألبومات صور للاعبي المنتخبات المشاركة تصدر عادة بالتزامن مع الأحداث الكبرى.
لكن المدن الأمريكية المضيفة للمباريات تعيش مشاهد مختلفة نسبيا، وتعكس شوارعها أجواء اقتراب كأس العالم، سواء من خلال الملصقات الإرشادية واللافتات أو حتى الشاشات الرقمية، كما تضاء فيها معالم تاريخية وجسور بألوان البطولة الزاهية.
ويتجلى الأسلوب الأمريكي بتلك المدن في تعديلات أنظمة المرور لاستقبال الزوار، وتحديث شبكات النقل لرسائلها المعلوماتية واللافتات الإلكترونية لإعطاء الأولوية لـ"المشجعين".
وفي مدن مثل فيلادلفيا وهيوستن، تستبدل اللافتات المرورية الرقمية التقليدية القريبة من مواقع الفعاليات بمعلومات عن تدفق الحشود ولوحات إرشادية وتنبيهات تتعلق بالسلامة.
كما تعرض الشوارع الرئيسية ومناطق الفنادق لوحات إعلانية رقمية لمتابعة أحداث البطولة.
يفرض الطابع الأمريكي نفسه على الأجواء، بينما يبدو البلد الشاسع منقسما بشأن متابعة المونديال، بنفس درجة انقسامه بشأن قضايا سياسية واقتصادية مثيرة للجدل.
يحظى الأمن بالأولوية بطبيعة الحال، وقد حصلت المدن الأمريكية المستضيفة على 846 مليون دولار عبر برنامج جديد للمنح خاص بالمونديال، بالإضافة إلى تمويل فيدرالي منفصل مخصص للأمن باستخدام الطائرات المسيّرة (Drones)، واحتياجات أخرى تتعلق بالخدمات العامة.
ويستعرض موقع أكسيوس (Axios) بعضا من نماذج الإجراءات الأمنية الاستثنائية، ففي كانساس سيتي مثلا تنشر الشرطة أسطولا من الطائرات المسيّرة المخصصة للاستجابة السريعة يمكنها الوصول إلى موقع الطوارئ في غضون 30 ثانية.
وفي أتلانتا بولاية جورجيا نبه مسؤول فيدرالي إلى أنه سيكون على الجماهير توقع إجراءات مشددة تشمل تأمين محيط الملعب، وتسيير دوريات جوية.
وفي بوسطن تعمل منظمة "جين دو" (Jane Doe Inc) مع منظمات أخرى وجهات إنفاذ قانون لرصد ومنع أي حوادث للاتجار بالبشر والاعتداء الجنسي والعنف الأسري خلال فعاليات المونديال.
ويتفاوت المشهد من مدينة إلى أخرى كذلك فيما يتعلق بالاحتفالات الجماهيرية، وستكون فيلادلفيا المدينة الأمريكية الوحيدة المضيفة التي تقيم مهرجانا جماهيريا يوميا طوال فترة البطولة التي تمتد 39 يوما.
وبينما ستتوقف المهرجانات في دالاس وهيوستن لعدة أيام خلال البطولة، قررت مدن أخرى تبني فعاليات أقل عددا وزخما وعزت ذلك إلى ارتفاع التكاليف.
أما لوس أنجلوس فقد تخلت كليا عن النموذج المجاني، وقررت فرض رسوم دخول بقيمة 10 دولارات.
قبل أيام على انطلاق المونديال، لا يزال ملايين الأمريكيين يجهلون حقيقة أن بلدهم سيستضيف كأس العالم لكرة القدم. وكشف استطلاع أجرته منصة سيت بيك (SeatPick) أُجري على ألف من الأمريكيين البالغين، أن واحدا من كل 5 أشخاص تقريبا (تحديدا 19.3%) لا يعرف أن البطولة ستُقام في الولايات المتحدة.
وبحساب إجمالي عدد السكان البالغين في الولايات المتحدة، يعني هذا أن نحو 50 مليون أمريكي لا يدركون أن أكبر حدث رياضي في العالم سيُقام في بلدهم هذا الصيف.
ورغم تزايد شعبية كرة القدم بسرعة في أنحاء الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، تؤكد نتائج الاستطلاع أن مستوى الوعي بالحدث لا يزال منخفضا في العديد من مناطق البلاد.
وجاءت مدينة سان أنطونيو (ولاية تكساس) في المرتبة الأولى بين المدن الأقل دراية بالحدث، إذ أفاد ما يقرب من 58.3% من المشاركين منها بالاستطلاع بأنهم لا يعلمون إطلاقا أن كأس العالم سيُقام في الولايات المتحدة.
ولن تستضيف سان أنطونيو أي مباريات ضمن البطولة، إذ خُصصت مباريات تكساس لمدينتي هيوستن ودالاس، ومع ذلك يفترض ألا تكون سان أنطونيو بعيدة عن الحدث بصفتها مدينة صُنفت كموقع معسكرات أساسي.
ويزداد الأمر سوءا إذا علمنا أن 19.1% من سكان تكساس، وهي إحدى الولايات المحورية في تنظيم المونديال، لا يعلمون أن البطولة ستُقام في الولايات المتحدة من الأساس.
استطلاع آخر أجرته شركة "يوغوف" (YouGov) المتخصصة في أبحاث السوق وتحليل البيانات كشف عن نتائج أكثر كارثية.
وتوصل الاستطلاع الذي أُجري في نهاية مايو/أيار الماضي إلى أن 59% من الأمريكيين لا يخططون لمشاهدة أي من مباريات كأس العالم.
وفي المقابل قال 16% إنهم سيشاهدون المباريات كلما أتيحت لهم الفرصة، وأشار 11% إلى أنهم سيشاهدون عددا قليلا ومحددا من المباريات، بينما قال 5% فقط إنهم ينوون مشاهدة المباريات خلال جميع أيام البطولة.
أسعار التذاكر المرتفعة تبقى كذلك عاملا حاسما في تعاطي الأمريكيين مع المونديال، ويكشف استطلاع "يوغوف" أن 13% من الأمريكيين لن يدفعوا أكثر من 100 دولار لمشاهدة أي مباراة لن يكون أحد طرفيها هو المنتخب الأمريكي، وهو رقم يقل كثيرا عن أسعار التذاكر الفعلية.
وقال 30% فقط من هؤلاء إنهم سيشجعون المنتخب الأمريكي خلال المونديال، في حين كشفت نسبة أكبر (46%) أنها لا تشجع أي منتخب.
يرى الكاتب جيري بريور من ذي أثلتيك (The Athletic) أنه لولا حتمية الالتزام بالموعد المحدد قبل سنوات، لما أُقيم المونديال هذا العام.
ويرجع بريور السبب في ذلك إلى ما يشهده العالم حاليا من أوضاع دولية بالغة الهشاشة والتوتر. كما يقول إن الموقع يبدو غير ملائم أيضا، إذ تلعب الولايات المتحدة دور المضيف الرئيسي وسط حالة من الجدل الداخلي والخارجي والتطورات الأمنية الاستثنائية.
وتبدو المفارقة في أن هذه النسخة التاريخية الموسعة من المونديال (48 منتخبا و104 مباريات في 16 مدينة في 3 دول تغطي قارة بأكملها) قد تكون أقل البطولات المتاحة للجماهير. وبينما سيتواجد عدد قياسي من المنتخبات في الملاعب، سيحضر عدد أقل من المشجعين العاديين الذين يمكنهم تحمل تكلفة تذاكر المباريات.
وبالنسبة للكثير من الزوار ستكون العقبة الأكبر، التي تفوق مشكلة المغالاة في الأسعار هي مجرد دخول البلد بسلام وبلوغ الملاعب دون مشكلات، فضلا عن الشعور بالأمان في حال وصولهم بالفعل.
ويبقى أن استطلاع سيت بيك (SeatPick) كشف أن أكثر الأمريكيين ليسوا على دراية حتى بهوية المدير الفني للمنتخب، إذ أفاد 76.1% من المشاركين بأنهم لا يعرفون من هو ماوريسيو بوتشيتينو، في حين تمكن 12.6% فقط من التعرف عليه بشكل صحيح باعتباره المدرب الحالي للمنتخب.
وأضفت بعض الإجابات الخاطئة في الاستطلاع طابعا كوميديا على نتائجه، إذ ظن بعض المشاركين أن بوتشيتينو رئيس دولة في أمريكا الجنوبية، أو لاعب سابق في دوري كرة القدم الأمريكية (NFL)، أو طاهٍ حائز على تكريم خاص، أو حتى "دب" يظهر في أحد برامج الرسوم المتحركة الأرجنتينية الشهيرة.
وتسلط تلك الأرقام والحقائق الضوء على التحدي الذي يواجه منظمي المونديال لا سيما في الولايات المتحدة، ورغم تزايد شعبية كرة القدم، إلا أن اعتبارات كثيرة أغلبها غير كروي ربما تؤثر على تعاطي الأمريكيين مع الحدث الذي ينتظره العالم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة