في كرة القدم، لا تكتب النهايات دائما كما تبدأ الحكايات. فبين لاعب خذلته التجارب، وآخر ضل طريقه وسط الضغوط، تظهر أحيانا لمسة مدرب صاحب رؤية مختلفة، قادر على قراءة ما لا يُرى.
هؤلاء المدربون لا يكتفون بإدارة المباريات، بل يعيدون تشكيل المصائر، وينفضون الغبار عن مواهب ظنها كثيرون قد انتهت.
في هذا التقرير، نسلط الضوء على أبرز الأسماء التي امتلكت تلك "العين الخبيرة"، ونجحت في إعادة إحياء لاعبين مروا بمحطات فاشلة، قبل أن يتحولوا من قصص إحباط إلى نماذج للنجاح والنجومية
عندما تعاقد روميلو لوكاكو مع إنتر ميلان في 2019، لم يكن الجميع مقتنعا. كثيرون اعتبروا أنه لاعب "محدود" بعد تجربته المخيبة مع مانشستر يونايتد، لكن مدربه أنطونيو كونتي كان يرى شيئا مختلفا تماما كخامة قابلة للتحول إلى مهاجم عالمي.
قال المدرب كونتي بوضوح: "لوكاكو جاء بإمكانات كبيرة، وإذا عمل بجد يمكنه القيام بأشياء استثنائية"، ومع مرور الوقت، تحول هذا الرهان إلى حقيقة كاملة.
من جهته، صرح روميلو لوكاكو أن المدير الفني لفريق الجنوب أنطونيو كونتي هو أحد المدربين الأربعة الذين غيروا حياته خلال مسيرته الكروية. وقال لوكاكو عن علاقته بكونتي في تصريحات لصحيفة "لا غازيتا ديلو سبورت" (La Gazzetta dello Sport) الإيطالية: "لدينا نفس العقلية التحسن يأتي فقط بالعمل الجاد".
سجل المهاجم البلجيكي روميلو لوكاكو أرقاما مميزة خلال فترته مع إنتر ميلان في مختلف المسابقات، حيث خاض 132 مباراة بقميص النيراتزوري، نجح خلالها في تسجيل 78 هدفا وصناعة 23 تمريرة حاسمة، ليصبح أحد أبرز المهاجمين تأثيرا في الفريق خلال السنوات الأخيرة.
وعلى مستوى الألقاب، ساهم لوكاكو في تتويج إنتر بلقب الدوري الإيطالي موسم 2020–2021، كما أحرز مع الفريق كأس إيطاليا موسم 2022–2023 وكأس السوبر الإيطالي 2022، إضافة إلى بلوغه نهائي دوري أبطال أوروبا 2023 كوصيف للمسابقة.
وعلى الصعيد الفردي، توج بجائزة أفضل لاعب في الدوري الإيطالي موسم 2020–2021، في تأكيد على التحول الكبير الذي شهده مستواه منذ انضمامه إلى إنتر.
كاد مسار كيفن دي بروين أن يتعثر بشكل مبكر بعد خروجه من تشيلسي عام 2014، حيث لم يحصل على فرص حقيقية لإثبات نفسه، لكن انتقاله إلى فولفسبورغ شكّل نقطة التحول الحقيقية في مسيرته تحت قيادة المدرب ديتر هيكينغ.
انتقاله مقابل نحو 24 مليون دولار أمريكي إلى فولفسبورغ الألماني كان الشرارة التي احتاجها دي بروين، إذ استغل اللاعب البلجيكي الفرصة ليُثبت للعالم أنه صانع لعب من الطراز الرفيع كما كان يُعتقد أنه قادر على أن يصبح. سجل 20 هدفًا و37 تمريرة حاسمة في موسمين فقط.
في ألمانيا، لم يعد يُنظر إليه كلاعب شاب غير مكتمل التجربة، بل كصانع ألعاب حر داخل منظومة هجومية تمنحه كامل المساحة للإبداع. هيكينغ منحه دورًا محوريًا في بناء اللعب وصناعة الفرص، فظهر دي بروين بشكل مختلف تمامًا عن صورته في إنجلترا.
هذا التألق لم يمر مرور الكرام، إذ سرعان ما فتح له الباب نحو مانشستر سيتي، حيث انتقل لاحقًا ليبدأ مرحلة جديدة تحت قيادة بيب غوارديولا، ويتحول هناك إلى أحد أفضل لاعبي خط الوسط في العالم.
وانضم دي بروين إلى مانشستر سيتي صيف عام 2015 قادما من فولفسبورغ الألماني في صفقة بلغت قيمتها 76 مليون يورو.
ومنذ ذلك الوقت خاض دي بروين 421 مباراة بجميع البطولات، سجل خلالها 108 أهداف وقدّم لزملائه 177 تمريرة حاسمة، وفق أرقام موقع "ترانسفير ماركت" الشهير المتخصص في بيانات اللاعبين والأندية.
كما تُوج مع السيتي بكل الألقاب الممكنة واستقر عددها عند 18 بطولة، أبرزها الدوري الإنجليزي الممتاز (6) ودوري أبطال أوروبا (1) وكأس العالم للأندية (1).
بعد أزمته مع جوزيه مورينيو في تشيلسي وملازمته مقاعد البدلاء لفترات طويلة، لم يُعد اكتشاف محمد صلاح بشكل حقيقي في أوروبا إلا مع انتقاله إلى ليفربول تحت قيادة يورغن كلوب، بعد مسار متذبذب بين تجربة غير مستقرة في تشيلسي وتألق نسبي في روما دون أن يصل بعد إلى صورة النجم العالمي الثابت.
في صيف 2017، وصل صلاح إلى ليفربول وسط شكوك حول قدرته على التألق في الدوري الإنجليزي الممتاز من جديد، لكن بداية الموسم سرعان ما قلبت التوقعات، إذ قدم واحدًا من أكثر المواسم التهديفية إثارة في تاريخ النادي والدوري، حين سجل 44 هدفًا في جميع المسابقات منها 32 هدفًا في الدوري الإنجليزي الممتاز، متوجًا نفسه بجائزة الحذاء الذهبي في أول موسم فقط، في رقم اعتُبر استثنائيًا بالنظر إلى كونه موسمًا أول داخل فريق جديد ونظام لعب مختلف بالكامل.
ومع مرور المواسم، لم يكن الأمر مجرد انفجار مؤقت، بل تحوّل إلى استمرارية واضحة، حيث ساهم في قيادة ليفربول للتتويج بدوري أبطال أوروبا سنة 2019 بعدما كان أحد أبرز مفاتيح الفريق هجوميًا في الأدوار الحاسمة، قبل أن يواصل تأثيره في موسم 2019-2020 عندما قاد الفريق إلى التتويج بالدوري الإنجليزي الممتاز لأول مرة منذ 30 عامًا، مع استمرار معدلاته التهديفية المرتفعة التي تجاوزت حاجز 20 هدفًا في معظم المواسم.
هذا التحول لم يكن رقميًا فقط، بل ارتبط مباشرة بالفلسفة التي فرضها كلوب داخل الفريق، إذ أعاد توظيف صلاح كمهاجم داخلي يتحرك بحرية أكبر داخل منطقة الجزاء بدل الالتزام الصارم بخط الجناح، داخل منظومة تعتمد على الضغط العالي والانتقال السريع من الدفاع إلى الهجوم، ما جعله دائمًا في قلب الفرص بدل أطراف الملعب.
بعد فترة غير مستقرة مع ليفربول، لم يكن كراوتش فاشلا بالمعنى الحرفي، لكنه عانى من غياب الاستمرارية وصعوبة فرض نفسه كمهاجم أول، في ظل منافسة قوية وأسلوب لعب لا يخدم خصائصه بشكل كامل.
طوله الفارع (أكثر من مترين) جعله يُختزل أحيانا في دور "المهاجم الهوائي"، بينما كان يمتلك مهارات فنية أعلى من تلك الصورة النمطية.
عندما انتقل إلى بورتسموث مقابل (نحو 14 مليون دولار)، بدا الأمر للبعض مجرد صفقة ضمن "جنون الإنفاق" في النادي آنذاك، لكن بالنسبة للمدرب هاري ريدناب، كانت عملية إعادة توظيف ذكية وليست مقامرة.
شكّل الثنائي واحدة من قصص الإحياء الكلاسيكية. فقد سجل 16 هدفا في موسم عامي 2008-2009، ليؤكد أن المشكلة لم تكن فيه، بل في البيئة التي لم تُحسن استغلاله.
نجاحه هذا دفعه لاحقا لمرافقة المدرب ريدناب إلى توتنهام هوتسبير، في استمرار لشراكة أعادت له بريقه.
تحت قيادة المدرب ريدناب، تحوّل كراوتش من لاعب يُستخدم كحل مؤقت إلى نقطة ارتكاز هجومية قائد غير مباشر في الخط الأمامي، ولاعب يصنع الفارق في المباريات الكبيرة وهنا تظهر إحدى أهم سمات المدرب الإنجليزي وهي القدرة على رؤية اللاعب كما يمكن أن يكون، لا كما كان.
عندما انتقل بيب غوارديولا إلى بايرن ميونيخ، كان واضحا في طلبه: "أريد تياغو أو لا أحد". هذا الإصرار يعكس إيمانه بقدرات تياغو ألكانتارا، الذي كان يعاني لإثبات نفسه وسط كوكبة نجوم نادي برشلونة.
بينما صرّح اللاعب تياغو ألكانتارا لصحيفة ذا صنداي تايمز (The Sunday Times) أن قرار رحيله عن برشلونة نحو بايرن ميونيخ لم يكن سهلا على الإطلاق، واصفا إياه بأنه "قرار صعب"، لكنه أوضح أن ثقة المدرب بيب غوارديولا كانت العامل الحاسم في اتخاذ هذه الخطوة.
تياغو الذي كان يبلغ من العمر 25 عاما آنذاك تدرج في أكاديمية لا ماسيا الشهيرة التابعة لبرشلونة في فترة كان فيها غوارديولا مدربا للفريق الأول، قبل أن يختار في عام 2013 خوض تجربة جديدة في ألمانيا مع بايرن ميونيخ.
رغم بداية صعبة بسبب الإصابات، لم يتخل غوارديولا عن ثقته. وفي موسمه الأخير، لعب تياغو 41 مباراة وأصبح عنصرا أساسيا في الفريق، قبل أن يتحول لاحقا إلى أحد أعمدة خط الوسط في أوروبا، ويثبت أن الرهان عليه كان في محله.
حوّل بيب غوارديولا تياغو ألكانتارا في بايرن ميونيخ من مجرد موهبة شابة في برشلونة إلى "مايسترو" خط وسط متكامل وعنصر أساسي لا غنى عنه. واعتمد غوارديولا على تياغو كركيزة تكتيكية لبناء الهجمات، ومنحه حرية الحركة، وطور قدراته الدفاعية والتمركزية مما جعله يجمع بين مهارات الاستحواذ والذكاء في التمرير.
تناول تقرير نشرته صحيفة ذا غارديان (The Guardian) فكرة الدور المتنامي للمدربين في كرة القدم، وكيف أصبح تأثيرهم يمتد إلى ما قبل دخول اللاعبين حتى إلى عالم الاحتراف بسنوات طويلة.
وأبرز التقرير كيف أن هؤلاء يلعبون دورًا أساسيًا في تشكيل شخصية اللاعب، من خلال مساعدته على التعامل مع الضغوط، وبناء ثقته بنفسه، وتوجيهه نحو اتخاذ قرارات أفضل داخل وخارج الملعب، في مرحلة عمرية يكون فيها اللاعب أكثر عرضة للتأثر بالمحيط.
كما يشير التقرير إلى أن كرة القدم الحديثة باتت تدرك أن النجاح لا يقوم فقط على المهارة الفنية أو اللياقة البدنية، بل أيضًا على الاستقرار النفسي والنضج السلوكي.
ويلفت المقال إلى أن العديد من الأكاديميات والأندية الكبرى أصبحت تستثمر في هذا الجانب، عبر إدماج خبراء في التنمية الشخصية وعلم النفس التربوي ضمن منظومة التكوين، بهدف إعداد لاعبين قادرين على التعامل مع متطلبات الاحتراف وضغوط الإعلام والجماهير.
وأشار التقرير إلى الدور الذي لعبته بيبا غرانغ وهي طبيبة نفسية رياضية بريطانية شهيرة، تولت منصب رئيسة قسم تطوير الأفراد والفرق في الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم بين عامي 2017 و2019.
حيث لعبت دوراً محورياً في تغيير الثقافة الذهنية للاعبي منتخب إنجلترا الأول للرجال، وساعدتهم في التغلب على الضغوط النفسية التاريخية.
وكان أبرز إنجازاتها مع منتخب إنجلترا في مونديال روسيا 2018 حيث عملت جنباً إلى جنب مع المدرب غاريث ساوثغيت، وساهمت في كسر عقدة ركلات الترجيح الشهيرة لإنجلترا في الأدوار الإقصائية. بينما حقق منتخب إنجلترا المركز الرابع في البطولة، وهو أفضل إنجاز للمنتخب الإنجليزي في المونديال منذ نسخة عام 1990.
بيبا غرانغ طبيبة نفسية رياضية بريطانية شهيرة عملت مع منتخب إنجلترا في مونديال 2018 (مواقع التواصل الاجتماعي)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة