آخر الأخبار

هل يعود تسونامي لشبونة إلى مدينة أغادير المغربية بعد 271 عاما؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

قبل أكثر من قرنين ونصف، هز زلزال لشبونة عام 1755 (نوفمبر/تشرين الثاني) قاع المحيط الأطلسي، مطلقا موجات تسونامي عابرة للقارات وصلت إلى السواحل المغربية وخلف دمارا للمدن الساحلية الأطلسية في المغرب من طنجة شمالا إلى أغادير جنوبا، وهو ما توثقه التقارير القديمة والأبحاث التي نُشرت مسبقا، وعلى رأسهم الدكتورة ماريا أنا بابتيستا في جامعة لشبونة بالبرتغال، فهل يمكن أن تواجه مدينة أغادير، والتي تبدو اليوم رمزا للحياة والسياحة والازدهار، سيناريو شبيها في العصر الحديث؟

لا يبدو هذا السؤال الذي طرحته دراسة مغربية حديثة قادها الدكتور محمد أتيسكت، من قسم بحوث وتطوير علوم الأرض التطبيقية بكلية العلوم والتقنيات بجامعة عبد المالك السعدي بطنجة، محاولة لإثارة الهلع والخوف، بقدر ما هي محاولة للتذكير بأن تلك المدينة التي لها إرث تاريخي مع الخطر، ليست ببعيدة عنه مستقبلا، وهو ما يقتضي ضرورة إدخالها ضمن دائرة التخطيط العلمي الدقيق لمخاطر التسونامي.

واستخدمت تلك الدراسة المنشورة بدورية "جورنال أوف أفريكان إيرث ساينس" (Journal of African Earth Sciences)، نماذج عددية متقدمة وسيناريوهات زلزالية واقعية لإعادة إحياء حدث عام 1755، ليس بوصفه صفحة من الماضي، بل كإنذار علمي للمستقبل، يهدف إلى فهم حجم الخطر وتعزيز جاهزية المدينة في مواجهة أحد أكثر الكوارث الطبيعية تدميرا.

ووقع زلزال عام 1755 في خليج قادس بالمحيط الأطلسي، لكن المنطقة تقع على حدود الصفائح التكتونية النوبية–الأوراسية في المحيط الأطلسي، وهي منطقة تضم عدة صدوع نشطة، ولا يعرف العلماء بالضبط موقع الصدع وعمقه وحجمه، وحددت دراسات سابقة أربعة سيناريوهات محتملة، وهي السيناريوهات التي استخدمها الباحثون في الدراسة الجديدة، لإعادة تمثيل الحدث بدقة.

مصدر الصورة وفق السيناريو الأكثر قوة، من المتوقع حدوث زلزال بقوة 8.5 درجة (شترستوك)

ويقول الدكتور محمد في تصريحات للجزيرة نت: "هناك عدة معايير تدعم مصداقية هذه السيناريوهات الأربعة، منها قدرتها على توليد تسونامي كبير في المنطقة، وتوافقها مع أنظمة الصدوع التكتونية المعروفة، وتوافقها مع التاريخ الزلزالي للمنطقة، وهو ما يتيح إجراء محاكاة واقعية للآثار المحتملة لحدث عام 1755 في منطقة الدراسة".
كيف أجريت المحاكاة؟

إعلان

واعتمد إجراء المحاكاة على نموذج رقمي يعرف باسم "معادلات المياه الضحلة غير الخطية مع الشبكات المتداخلة" (إن إس دبليو آي إن جي)، وهو نموذج حاسوبي يحاكي حركة المياه بعد الزلزال، حيث يحسب ارتفاع الأمواج، سرعتها، ومدى توغلها داخل اليابسة.

وباستخدام هذا النموذج أدخل الباحثون بيانات كل سيناريو زلزالي من السيناريوهات الأربعة، بدءا من موقع الصدع تحت البحر، وقوة الزلزال، واتجاه حركة القاع، وصولا إلى مقدار إزاحة المياه، وقام بمحاكاة انتشار الأمواج من قاع المحيط نحو الشاطئ، وحساب ارتفاع الموجة وسرعتها ومدى توغلها داخل المدينة.

وكشفت نتائج المحاكاة عن خطر حقيقي يهدد المدينة، إذ قد تصل أمواج تسونامي محتملة إلى ارتفاع طابقين (6 أمتار) في أقوى السيناريوهات، فيما قد تتوغل المياه حتى 310 أمتار داخل اليابسة.

ووضع الباحثون خرائط عالية الدقة تظهر بوضوح المناطق الأكثر عرضة للغمر، وخلصوا إلى إمكانية حدوث تأثير مباشر على الأحياء الساحلية، الميناء، والمناطق السياحية.

بيانات إضافية تدعم الدقة

وفي قلب محاكاة التسونامي، كانت البيانات الدقيقة عن ارتفاعات الأرض والبحر هي العقبة الكبرى أمام الباحثين، وهنا جاء دور نموذج الارتفاع الرقمي (دي إي إم)، وهي الأداة التي سمحت للعلماء برسم خريطة رقمية ثلاثية الأبعاد لساحل أغادير وشواطئه.

ويقول الدكتور محمد: "باستخدام نموذج الارتفاع الرقمي (دي إي إم)، بدقة 15 مترا، مكّننا من معرفة أين يمكن أن تغمر المياه أولا، وأي الشوارع والمباني معرضة للخطر، وأي المناطق قد تبقى آمنة، فهذه الأداة لم توفر مجرد أرقام، بل منحتنا نظرة واقعية ومرئية لمدى غمر المدينة المحتمل، مما جعل النتائج أكثر موثوقية".

ولم يقتصر التحدي على جمع البيانات الدقيقة فحسب، بل واجه الباحثون أيضا تعقيدا طبيعيا وبشريا وساحليا، يوضحه الدكتور أتيسكت، ويتمثل في أن "ساحل أغادير يتميز بمزيج من الشواطئ الرملية، المنحدرات الصخرية، والأخاديد البحرية تحت الماء، ما يجعل حركة الأمواج أثناء التسونامي غير متوقعة وتتغير من مكان لآخر".

ويضيف: "إلى جانب ذلك، تلعب الهياكل البشرية مثل أرصفة الميناء، الحواجز كاسرة الأمواج، والمباني الحضرية دورا كبيرا في تعديل مسار الأمواج، سواء بعكسها أو تضخيمها أو تغيير مناطق الغمر، لذلك كان على الباحثين أن يجدوا طريقة دقيقة لتمثيل هذه التضاريس الطبيعية والهياكل البشرية داخل النموذج الرقمي لضمان الحصول على محاكاة واقعية".

مصدر الصورة مدينة أغادير (الجزيرة)

المناطق الأكثر تأثرا

وعن المناطق الأكثر تأثرا بأي تسونامي محتمل، يقول الدكتور محمد: "المحاكاة تشير إلى أن الجزء الشمالي من الميناء الترفيهي بالمدينة، والمجمعات السكنية والسياحية، ومنطقة أنزا (منطقة ساحلية منخفضة قرب أغادير)، هي المناطق الأكثر عرضة للخطر".

ويشرح أنه: "وفق السيناريو الأكثر قوة وهو حدوث زلزال بقوة 8.5 درجة على مقياس ريختر، مصدره صدع حدوة الحصان، قد تصل أمواج تسونامي محتملة إلى ارتفاع 6 أمتار عند الشاطئ، أي ما يقارب طابقين كاملين، وتغمر المياه حتى 310 أمتار داخل المدينة، والمناطق الأكثر تعرضا للخطر تشمل الميناء الشمالي الترفيهي والمجمعات السياحية المزدحمة، حيث يمكن أن تتسبب الأمواج في إغراق الشوارع، تدمير المرافق، وتعطيل الحياة اليومية للسكان والزوار".

إعلان

كما تشير المحاكاة إلى أن منطقة أنزا، بتضاريسها المنخفضة وغياب الحواجز الاصطناعية، قد تتعرض لغمر المياه لمسافة تصل إلى حوالي 290 مترا داخل اليابسة، ما يهدد المباني والمجمعات السكنية والسياحية.

وفي المقابل، كشفت المحاكاة عن أن المناطق المحمية بالحواجز كاسرة الأمواج في الموانئ، مثل الميناء التجاري، يمكن أن تشهد فيضانات محدودة بسبب تجاوز الأمواج، إلا أن بعض المناطق الداخلية لا تزال مهددة بالغمر.

تحذير علمي مبكر

ويشدد الدكتور محمد على أن هذه المحاكاة ليست دعوة للهلع أو الخوف، مشيرا إلى أن هدفهم فهم سلوك موجات التسونامي المحتملة في أغادير، بما يمكن أن ينعكس بشكل مباشر على فعالية أنظمة الإنذار المبكر وخطط الإخلاء وحملات التوعية العامة.

ويقول إنه: "مع توقع وصول الأمواج خلال ساعة ونصف تقريبا، يصبح بإمكان السلطات إصدار التنبيهات في الوقت المناسب وإجلاء السكان إلى المناطق المرتفعة قبل وصول المياه".

ويضيف: "كما أن تحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر، مثل ميناء الترفيه الشمالي ومنطقة أنزا، يساعد على وضع مسارات إخلاء موجهة وتحديد مواقع محطات الإنذار بدقة، كما أن تحديد المناطق المنخفضة، غير المحمية، أو المكتظة بالسياح، كمناطق أكثر تهديدا، يجعل توعية الجمهور وتدريب المجتمع على الاستجابة السريعة أمرا بالغ الأهمية".

ويخطط الفريق البحثي لتوسيع نطاق هذا النوع من نماذج التنبؤ بالتسونامي ليشمل مدنا ساحلية أخرى، ويقول الدكتور أتيسكت إنه: "بالإضافة إلى مناطق الدراسة الحالية، توجد خطط لتوسيع نطاق هذا العمل مستقبلا ليشمل مناطق ساحلية أخرى معرضة للخطر في المغرب، مع الأخذ في الاعتبار سيناريوهات تسونامي إضافية، وستشمل هذه الجهود المستقبلية سواحل المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، مع مراعاة مصادر وآليات التكون المختلفة للتسونامي".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار