آخر الأخبار

مرة أخرى.. عظام الحيتان تخدع علماء الحفريات في ألاسكا

شارك

في عالم الحفريات، يُعد العثور على عظمة "ماموث" حديثة العهد نسبيًا بمثابة العثور على كنز مفقود ينتظره علماء الحفريات بفارغ الصبر ليبوح بأسرار جديدة عن انقراض عمالقة العصر الجليدي.

ولكن، في سابقة مثيرة، تحول اكتشاف ما كان يُعتقد أنه أصغر ماموث عمرًا في ألاسكا إلى مفاجأة من نوع آخر. تلك المفاجأة نقلت العلماء من سهول التندرا المتجمدة إلى أعماق المحيط الهادئ، لتثبت أن العلم هو عملية تصحيح مستمرة للأخطاء.

تبدأ تلك السابقة بمشروع طموح في جامعة ألاسكا فيربانكس، يهدف إلى تأريخ حفريات الماموث بدقة، لكن نتائج هذا المشروع قادت الفريق البحثي إلى تقديم بيانات نادرة عن حيتان مهددة بالانقراض في دراسة حديثة منشورة في دورية "كواتيرناري ساينس" (Quaternary Science).

مصدر الصورة تحول اكتشاف ما كان يُعتقد أنه أصغر ماموث عمرًا في ألاسكا إلى مفاجأة من نوع آخر (ماثيو وولر – متحف جامعة ألاسكا الشمالية)

تبنَّ ماموثًا

انطلق المشروع تحت اسم "تبنَّ ماموثًا"، بهدف إجراء تأريخ بالكربون المشع لجميع حفريات الماموث في "متحف جامعة ألاسكا الشمالية". وفي خضم البحث، برزت عينتان لفقرات عظمية عُثر عليهما في خمسينيات القرن الماضي.

يقول مدير مرفق النظائر المستقرة في جامعة ألاسكا فيربانكس ماثيو وولر، والباحث الرئيسي، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "سُجّلت العينات في هذه الدراسة على أنها ماموث في متحف جامعة ألاسكا الشمالية لأنها عُثر عليها في المناطق الداخلية من ألاسكا، ضمن الرواسب. وهذه منطقة عُثر فيها على العديد من حفريات الماموث سابقًا"

أشارت نتائج التأريخ بالكربون المشع إلى أن عمر العينتين يتراوح بين 1900 و2700 عام فقط وهو ما يُعد مفاجأة غير متوقعة. يقول وولر: "نتائج التأريخ بالكربون المشع في البداية جعلتنا نعتقد أن هذه العينات تتطلب مزيدًا من البحث، لأنها أصغر بنحو عشرة آلاف سنة مقارنة بأي ماموث تم تأريخه سابقًا في ألاسكا"

إعلان

إذ تشير الأدلة إلى أن الماموث قد انقرض من البر الرئيسي لألاسكا قبل حوالي 13000 عام، بينما لم تصمد إلا مجموعات معزولة على جزر نائية (مثل جزيرة "رانجل") حتى 4000 عام مضت. لذا، فإن العثور على ماموث عاش قبل 2000 عام فقط في البر الرئيسي يُعد مستحيلاً علميًا، مما استدعى التحقق من الأمر.

يضيف ماثيو: "كانت العينات جزءًا من العمود الفقري لحيوان ثديي ضخم جدًا، مثل الماموث (أو الحوت). وبناءً على موقع العثور عليها في خمسينيات القرن الماضي، وقبل توفر تقنيات الحمض النووي للتمييز بين عظام الحوت والماموث المتآكلة، كان التفسير الأنسب هو أنها تعود إلى ماموث"

مصدر الصورة كانت العينات جزءًا من العمود الفقري لحيوان ثديي ضخم جدًا (شترستوك)

الكيمياء تكشف المستور

لجأ الفريق إلى كيميائيين متخصصين لتحليل النظائر المستقرة للكربون والنيتروجين. تعمل النظائر كبصمة كيميائية لما يأكله الكائن الحي ويُحفظ داخل عظامه. حيث تختلف "البصمة الكربونية" للكائنات البحرية تمامًا عن الكائنات البرية؛ فالمحيطات تحتوي على دورة كربون مختلفة تجعل عظام الحيوانات البحرية أغنى بنظائر معينة مقارنة بتلك التي تتغذى على نباتات اليابسة.

وبالمثل، ترتفع مستويات النيتروجين كلما صعدنا في السلسلة الغذائية، وهو ما يميز الحيتان المفترسة عن الماموث الذي يتغذى على العشب.

أظهرت التحاليل أن هذه العظام تعود لكائنات ذات نظام غذائي بحري بحت، وليس نباتيًا. يقول ماثيو: "النظائر المستقرة للكربون والنيتروجين هي التي أكدت لنا بوضوح أنها ليست على الأرجح عظام ماموث".

ولحل اللغز، استخدم العلماء تحليل الحمض النووي العتيق، الذي أكد أن العظمتين تعودان لنوعين من الحيتان، وهما حوت شمال الهادئ الصائب وحوت المنك.

قد يبدو الأمر مخيبًا للآمال لمن كان يبحث عن عظام آخر ماموث، لكن في العلم، كل معلومة دقيقة هي إنجاز علمي. تحول الاكتشاف من مجرد تصحيح خطأ، إلى فرصة ذهبية لدراسة تاريخ الحيتان.

يؤكد ماثيو على هذه القيمة قائلاً: "على الرغم من أن عيناتنا ليست أحدث ماموث على وجه الأرض (وهو أمر كان سيُعد استثنائيًا للغاية)، إلا أن نتائج تحليل الحمض النووي والنظائر من حوتين قديمين تُشكّل الآن بيانات قيّمة لأي بحث مستقبلي حول حيتان شمال المحيط الهادئ وحيتان المنك. قد تُفيد هذه البيانات في فهم هذه المجموعات بشكل أفضل، وربما تُساعد في حمايتها مستقبلاً" حيث أن حيتان شمال الهادئ الصائب هي واحدة من أكثر الأنواع ندرة وتهديدًا بالانقراض اليوم.

اللغز الأخير، كيف وصل الحوت إلى الغابة؟

يرجح الباحثون أن السبب في العثور على عظام حيتان في منطقة تبعد 400 كيلومتر عن الساحل هو حدوث "خطأ بشري" أثناء نقل الحفريات في الخمسينيات.

كان جامع الحفريات الشهير "أوتو غايست" يجمع عينات من السواحل ومن المناطق الداخلية في ذات الوقت. ونظرًا لأن فقرات الحيتان والماموث المتآكلة تبدو متشابهة بالعين المجردة (فكلاهما كتل عظمية ضخمة ومسامية)، فمن المرجح أن صندوقًا من عظام الساحل اختلط بصندوق من عظام الداخل، ليظل هذا الخطأ مدفونًا في الأرشيف لسبعين عامًا.

تفتح هذه الحادثة باب التساؤل حول دقة تصنيف الحفريات في المتاحف، وأول ما يتبادر في الذهن هو ضرورة مراجعة كل شيء، والتشكيك في كل شيء، لكن يقول وولر بواقعية: "لدينا أكثر من مجرد نتائج الحمض النووي القديم والتي تُشير إلى أن الماموث عاش حتى العصر الهولوسيني (أي أقل من 10000 عام). وتشمل الأسنان والأنياب التي تم تحديدها بشكل جيد للغاية من حيوانات الماموث والتي يعود تاريخها إلى ما بين 6000 و4000 عام من الجزر النائية في الشمال"

إعلان

ثم يستطرد: "لدينا مجموعة من المناهج الكيميائية التي يُمكننا استخدامها – وفي بعض الحالات، يُمكن أن تُكمل بعضها بعضًا – ولكل منها مزاياها وعيوبها"

تعطي هذه الدراسة درسًا قيمًا عن المنهجية العلمية، فالعلم ليس مجرد اكتشافات براقة، بل هو عملية مستمرة من التدقيق والتصحيح الذاتي. ما بدأ كبحث عن ماموث، انتهى بتقديم بيانات شديدة الأهمية عن حيتان المحيط، مبرهنا أن كل عظمة في المتحف، مهما كان تصنيفها، قد تحمل في طياتها قصة لم تُروَ بعد، تنتظر التكنولوجيا المناسبة لفك شفرتها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار