جلال بنّا لـ”الصنارة”: ادعاء الأحزاب العربية بأنها ستقوم بالإطاحة بنتنياهو وائتلافه هو أمر أشبه بالدونكيشوتية وكلام الأحلام
زياد شليوط
شهدت أروقة محكمة العدل العليا في القدس، صباح اليوم الخميس، مداولات في الالتماسات التي قدمتها القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة والنائبان عوفير كاسيف وسامي أبو شحادة (المشتركة) ضد شطبهم ومنع ترشحهم لانتخابات الكنيست القادمة. وتميزت المداولات بالحدة والتوتر، وشهد مدخل المحكمة تظاهرة للعشرات من نشيطي المشتركة احتجاجا على قرارات الشطب. وعلى ضوء هذا الحدث التقت صحيفة وموثع “الصنارة” بالمحامي والمحلل السياسي الصحفي جلال بنّا.
الصنارة: هذه أول مرة تقوم فيها لجنة الانتخابات المركزية بشطب قوائم عربية كاملة، على ماذا يدل ذلك وماذا يعني بالنسبة للمواطنين العرب؟
بنّا: صحيح، هي أول مرة تشطب فيها كل الأحزاب والقوائم العربية دون استثناء، لكنها ليست أول مرة يتم فيها شطب أحزاب عربية في لجنة الانتخابات المركزية وهي لجنة تركيبتها سياسية واعضائها عدا الرئيس وهو قاضي المحكمة العليا اما الباقي فهم اعضاء احزاب الائتلاف الحاكم ولهم اغلبية مطلقة ومباشرة.
في سنوات سابقة، وحتى سنوات الثمانينيات، كان يتم نقاش الشطب بشكل عيني، وربما “موضوعي”، في اللجنة، لكن التغير اليوم يتماشى مع التغير في الشارع اليهودي من جهة، وفي تركيبة الكنيست الآخذة بالتطرف من جهة أخرى.
سيد الموقف اليوم في السياسة الإسرائيلية هي الشعبوية والأخبار الكاذبة، وليس هناك أي أحد يطرح ايديولوجيا او نقاشًا موضوعيًا أو يطرح فكرة للحوار او للنقاش. كل الأحزاب تطرح طروحاتها وادعاءاتها بشكل سطحي، دون الاستناد إلى حقائق فعلية، والهدف هو التعبئة الجماهيرية وكسب الاصوات وليس نشر الفكر.
ففي الوقت الذي يكون فيه شخص مدانًا بدعم الإرهاب ومدانًا بمخالفات جنائية، وآخر مطلوبًا لجهاز الأمن العام “الشاباك”، بسبب نشاطات غير قانونية، نجد أنهم قيادات رفيعة المستوى وواجهات لسياسات الائتلاف الحكومي. فكل شيء مباح وكل شيء شرعي خاصة بحق الأقلية العربية، مواطني الدولة وبحق كل من هو ليس يهوديا.
الصنارة: شكلت محكمة العدل العليا قارب النجاة للمرشحين العرب والقوائم كذلك في الماضي، هل ستتغير المعادلة هذا العام برأيك؟
بنّا: المحكمة العليا كانت، حتى قبل عشر سنوات، ملجأً ومأمنًا أخيرًا للأحزاب العربية وللسياسيين العرب. فالجميع لجأ إليها عندما كانت ما زالت تبت في القضايا بشكل عيني، وتطرح القواعد والأسس للقانون التشريعي بشكل حقيقي وقانوني.
أما منذ فترة ولاية الوزيرة أيليت شاكيد، شريكة نفتالي بينيت في حكومة نتنياهو السابقة، فقد تم تعيين قضاة وفقًا لصفقات انتخابية وسياسية، ووفقًا لنهج اليمين الاستيطاني، وكل ذلك بادعاء إيجاد التوازن من وجهة نظر سياسية يمينية استيطانية.
وجميعنا يعي ويعرف الفضائح التي لحقت بنقابة المحامين قبل سنوات بسبب صفقات تعيينات قضاة مقابل جنس مثلًا، وكان هناك قضاة اضطروا إلى الاستقالة بسبب هذه الفضائح، وأنا أقول إن المخفي أعظم.
من هنا بدأت المحكمة العليا بالتوجه نحو اليمين المحافظ واليمين الاستيطاني، ولا يمكن تجاهل الجو العام السياسي والاجتماعي الذي أثر بشكل واضح على المحكمة العليا وعلى قراراتها في مجالات مختلفة، حيث بدأت تتراجع ليبراليتها وبدأت تأخذ منحى أكثر محافظة، وليس فقط تجاه المواطنين العرب، لكن المجتمع العربي، كونه مجتمعًا مستضعفًا، يدفع الثمن أكثر وأسرع.
كل هذا بالإضافة إلى مشروع الانقلاب القضائي الذي طرحته هذه الحكومة، وبالأساس لإسكات المحكمة العليا، وليس فقط لتغييرها بشكل جذري. فعندما يقول وزير رفيع المستوى إنه يجب هدم المحكمة العليا بالجرافات، لا يمكن للقضاة ألا يلتفتوا أو يأخذوا بالحسبان خلال قراراتهم مثل هذه التصريحات.
طوق النجاة، ألا وهي المحكمة العليا، لم تعد كذلك، ولن أتفاجأ إذا قامت بالمصادقة على شطب مرشح أو حزب.
فالعليا تتكون بالأساس من إجماع يهودي صهيوني يميني، وكانت في السابق قرارات بحق مرشحين عرب قد تمت المصادقة عليها بفارق صوت ليس إلا.
واليوم نتحدث عن حالة حرب وحالة طوارئ يعيشها المجتمع اليهودي وتعيشها الدولة، وبالتالي لا تسمح لنفسها المحكمة العليا باتخاذ قرارات قد تكون سببًا في حملة هامة في الانتخابات، أو تؤدي إلى ضرورة تقييد المحكمة العليا.
الصنارة: هل تتوقع رفض المحكمة العليا لطلب سامي أبو شحادة بإلغاء ترشيحه للكنيست، وهل ترى حكمة في تقديمه التماس للمحكمة العليا أم أنك توافق على الدعوات التي طالبته بعدم تقديم التماس كهذا ولماذا؟
بنّا: تقديري الشخصي أن العليا ستوافق على الشطب، أولًا لأن القرارات السابقة بحق مرشحين من قبل التجمع الوطني الديمقراطي اتُخذت بأغلبية صوت واحد أو صوتين، وأشارت قرارات الحكم هذه إلى العديد من المؤشرات التي كانت، ما قبل الحرب، توضح الاتجاه الذي تسير به ليبرالية وديمقراطية المحكمة العليا.
اليوم المحكمة العليا هي سياسية أكثر مما هي قضائية، وهي تسير كجزء من إجماع يهودي في الدولة.
ورغم أن قضية السابع من أكتوبر أصبحت ادعاءً لكل شيء في إسرائيل، لا يمكن فصل القضاة وتوجهات المحكمة العليا عن الإجماع اليهودي اليميني.
وإذا نظرنا، على سبيل المثال، إلى قرارات الحكم التي أصدرتها المحكمة العليا في التماسات ودعاوى قضائية قُدمت خلال فترة الحرب، ومنها التماس لجنة المتابعة للجماهير العربية بطلب المصادقة على التظاهر كحق أساسي في دولة ديمقراطية، أو التماسات تخص الأسرى الفلسطينيين، وخاصة الاعتقالات الإدارية، سنفهم أن المحكمة قيدت نفسها، وأنه لا يمكن أن تكون قراراتها قضائية بحتة، بل فيها الاعتبارات السياسية تغلب الاعتبارات القضائية باسم حالة الطوارئ وفترة الحرب.
الصنارة: هناك اجماع بين الأحزاب الصهيونية على استبعاد الأحزاب العربية عن أي ائتلاف حكومي قادم، هل هذا يعني أننا سنرى في الكنيست القادمة برلمانا صهيونيا من 105 أعضاء وهامشا برلمانيا من 10-15 عضوا عربيا؟ وكيف سيؤثر هذا المشهد على العمل البرلماني؟
بنّا: حتى في أوج التنسيق بين الأحزاب العربية وأحزاب صهيونية، نرى أن الأحزاب العربية على هامش الهامش. فهي معارضة للمعارضة الصهيونية، وبطبيعة الحال هي معارضة لكل ائتلاف حكومي، باستثناء حكومة لبيد-بينيت-عباس التي لم تدم أكثر من سنة ونصف.
الأحزاب العربية بالنسبة للأحزاب الصهيونية هي “عجل خامس”، وهي أشبه بعشيقة، حتى ليست زوجة ثانية شرعية، بل عشيقة للحاجة وللمتعة وقضاء الوقت الممتع ليس إلا.
فكل الأحزاب الصهيونية تصرح ليل نهار بأنها لم ولن تقبل ضم أي حزب عربي إلى الائتلاف، وهنا أنا أصدق هذه الأحزاب، لأن النقاش في إسرائيل أصبح: من سيكون يمينيًا أكثر واستيطانيًا أكثر؟
ليس هناك أي حزب يطرح برنامجًا سياسيًا أو اجتماعيًا أو حتى اقتصاديًا واضحًا، وبات النقاش بين الائتلاف اليميني الاستيطاني لنتنياهو وسموتريتش وبن غفير وبين أحزاب المعارضة لا شرعية لأي ائتلاف مستقبلي يستند إلى أحزاب عربية، علمًا أنها أحزاب إسرائيلية وقانونية، وتعترف جميعها بإسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، وتعترف وتؤيد حق اليهود في بناء دولة.
لذلك أرى أن ادعاء الأحزاب العربية بأنها ستقوم بالإطاحة بنتنياهو وائتلافه هو أمر أشبه بالدونكيشوتية وكلام الأحلام.
من سيطيح، إذا تمت الإطاحة بالائتلاف الحاكم، هو الشارع اليهودي، أما العرب فحتى الآن خارج اللعبة، رغم أنهم يحاولون إقناع الناخب العربي بأن صوته سيقرر وصوته سيحسم، لأن الإجماع الصهيوني سيجمع كل الأحزاب الصهيونية في الكنيست مع حدوث أول حدث طارئ.
الصنارة: ما رأيك بخصوص الحملة الانتخابية للمشتركة والموحدة والشعارات التي تطرحها، هل تساعد على جذب الناخب العربي، أم أن نسبة الناخبين العرب ستراوح مكانها؟
بنا: توقعاتي أن نسبة التصويت ستزيد، فهناك تعبئة في الشارع العربي، ومن حظ الأحزاب العربية أن جمهورها واعٍ سياسيًا ولا يتركها، وأكبر إثبات على ذلك أن 95 بالمائة أو أكثر من المجتمع العربي يصوت لأحزاب عربية.
باعتقادي أن الحملة الإعلانية للقائمتين المشتركة والموحدة ضعيفة جدًا ولا تفي بالغرض المطلوب.
الموحدة تحاول ابراز البرغماتية بحملتها وتركز على شخص منصور عباس وتحاول إقناع الناخب العربي، مع اللون الأخضر المرتبط تاريخيا بالحركة الإسلامية، بأنه فقط منصور بإمكانه تغيير هذه الحكومة وبالتالي بمعنى آخر أن منصور بيضة القبان والمؤثر على مجريات الأمور وبالتالي هي رسالة انتقاد مبطنة تجاه المشتركة كمن سيبقون بأيد فارغة بالسياسة الاسرائيلية ودون انجازات في المعارضة.
وهذا خطاب، عدا عن أنه يضع الموحدة كجزء من الخطاب الصهيوني المعارض للائتلاف الحالي، ومع ليبرمان صاحب فكرة الترانسفير، ومع لبيد المتعالي والمتعامل بفوقية تجاه العرب، ومع بينيت الذي لا يؤمن لا بسلام ولا حتى بحق للفلسطيني أن يعيش، هو خطاب غير دقيق.
ونرى، على سبيل المثال أيضًا، أن الموحدة قامت سابقًا بحملة ضد المثليين، واتهمت المشتركة بأنها تؤيد المثليين، لكن اليوم هي تضم ضابط شرطة سابقًا ويتباهى بأنه يؤيد حقوق المثليين، وأن جزءًا من أفراد عائلته ينتمون إلى المجتمع المثلي، ويصرح بالأمر بشكل طبيعي جدًا.
فهنا نرى خطابًا مزدوجًا للموحدة، وعدم الاعتراف بالخطأ وعدم محاولة تصحيح المسار.
أما المشتركة، وبلون غالبيته الأسود، تحاول تخويف المجتمع العربي بغول بن غفير وسموتريتش ونتنياهو، وتخاطب القوة الجماعية للعرب بقولهم “بأيدينا نروحهم عالبيت” فمن جهة تخويف ومن جهة تحريك المشاعر والتعاطف للتصويت الجماعي.
وتستخدم المشتركة لغة الجمع للعرب وتعرض صورة القادة الحاليين المتسمين بالعنصرية تجاه العرب والرسالة المبطنة هي أن التأثير لا يأتي عبر الخضوع والخنوع لشروط اللعبة (شروط ايزنكوط مثلا الاعتراف بيهودية الدولة وفرض الخدمة المدنية وفقط اجندة مدنية وليست للعرب)
ومع هذا فان شعار المشتركة ضعيف جدًا، علمًا أنه شبيه من ناحية المضمون أو المحصلة بشعار “فقط منصور يغير هذه الحكومة”، وأعتقد أن الشعار لا يحترم بما فيه الكفاية عقل المصوت العربي، عدا عن أن خطاب غالبية أعضائها والمقابلات الصحافية معهم ضعيفة جدًا في الإعلام العبري، لأنه لا يكفي أن تكون صادقًا إعلاميًا، بل عليك أن تكون مبدعًا ومميزًا، فنرى خطابات تبرير في المقابلات الاعلامية وحتى خطابات اعتذار لسامي ابو شحادة مثلا.
في نهاية الأمر، نرى أن الموحدة والمشتركة، رغم الانتقادات والتخوين اللذين تتعرضان لهما من قبل الإعلام العبري المركزي، إلا أن أعضاء القائمتين يتسابقون للمقابلات في الإعلام العبري ولدى أكثر الصحافيين انتقادًا لهم، ولا أبالغ إن كنت أقول أيضًا عداءً لهم.
وهنا يثبت ضعف الخطاب الإعلامي، وليس فقط الإعلاني.