آخر الأخبار

محاولة إقامة بؤرة استيطانية في مجد الكروم: إنذار خطير يستدعي اليقظة

شارك

محاولة إقامة بؤرة استيطانية في مجد الكروم: إنذار خطير يستدعي اليقظة
المحامي علي حيدر

أثارت محاولة مستوطنين إقامة بؤرة استيطانية في منطقة "الروس"، الواقعة ضمن منطقة نفوذ المجلس المحلي في مجد الكروم، اهتمامًا واسعًا في الإعلامين العربي والعبري، ودَفعت العديد من سكان القرية، بالتنسيق مع المجلس المحلي واللجنة الشعبية وأصحاب الأراضي، ولاحقًا بالتنسيق مع لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية والنواب العرب ولجنة المتابعة العليا، إلى إطلاق حراك جماهيري واسع من النشاطات والفعاليات الاحتجاجية الرافضة لهذه المحاولة.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة، ليس فقط بسبب الاعتداء المحتمل على ملكية الأراضي الخاصة، وإنما أيضًا بسبب ما قد تحمله من دلالات سياسية واستيطانية أوسع. فهذه المحاولة تأتي في سياق مشروع استيطاني يرى في الأرض عنصرًا مركزيًا في الصراع على المكان والحيز( أرضىأكثر، عرب أقل)، وترافقها، توجهات لدى أوساط في اليمين المتطرف الإسرائيلي تسعى إلى توسيع منطق الاستيطان إلى مناطق مختلفة داخل البلاد، بما فيها الجليل والنقب.
وفي هذا السياق، تبرز سياسات ومشاريع اليمين الاستيطاني، ولا سيما لدى التيار المرتبط بوزير المالية بتسلئيل سموتريتش( ثورة الاستيطان) ، وكذلك سياسات وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وما يرافقها من دعم سياسي للاستيطان اليهودي من قبل رئيس الحكومةوحزبه. ومن المهم ملاحظة محاولة نقل أنماط من السيطرة على الأرض عرفتها الضفة الغربية إلى مناطق أخرى داخل إسرائيل.

وتشير المعطيات المتداولة حول القضية إلى أن الصندوق القومي لإسرائيل (كيرن كييمت ليسرائيل) كان قد أجر جزءًا من الأرض لأحد سكان المجلس الإقليمي مسغاف بهدف استخدامه لرعاية المواشي. غير أن الأرض، بحسب المعطيات التي أثيرت حول القضية، لم تُستخدم لهذا الغرض، وإنما وُضعت تحت تصرف مجموعة من المستوطنين(شباب التلال) القادمين من مستوطنة تكواع في الضفة الغربية. وقد بدأ هؤلاء بالحضور إلى المكان قبل عدة أسابيع، ثم نصبوا خيامًا كبيرة، ووصلوها بالكهرباء، وأدخلوها إلى الموقع، بحسب ما ورد، ثلاجات وأفرانًا وأنابيب غاز، كما نصبوا علمًا إسرائيليًا كبيرًا، في خطوة بدت وكأنها محاولة لتثبيت وجود دائم في المكان وإقامة بؤرة استيطانية جديدة.
وقد قاد سكان مجد الكروم، إلى جانب عدد كبير من الناشطين والقيادات المحلية والقطرية، حراكًا جماهيريًا وشعبيًا واسعًا للتصدي لهذه المحاولة. وتكمن خطورة هذه الخطوة، في أنها قد تشكل سابقة جديدة، خصوصًا في منطقة شهدت خلال العقود الماضية مصادرة مساحات واسعة من الأراضي العربية وإقامة بلدات ومستوطنات يهودية عليها في إطار سياسات "تهويد الجليل".

أما منطقة "الروس" فهي، بحسب أصحاب الأراضي وسكان مجد الكروم، منطقة زراعية تعود ملكية أجزاء منها إلى سكان البلدة. وقد أثارت التقارير عن منع أصحاب الأراضي من الوصول إليها، بالتزامن مع توفير الحماية للمتواجدين فيها، قلقًا واسعًا لدى السكان، ولا سيما أن حماية حق الملكية والوصول إلى الأراضي يجب أن تكون من مسؤوليات مؤسسات الدولة وسلطات إنفاذ القانون، لا أن تتحول هذه المؤسسات إلى طرف في النزاع وحماية المستوطنين.
بين القانون الدولي والواقع الإسرائيلي
من المهم هنا التمييز قانونيًا بين وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 وبين وضع الأراضي الواقعة داخل إسرائيل. فالقانون الدولي الإنساني، وبخاصة المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، يحظر على دولة الاحتلال نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 أن نقل إسرائيل مستوطنين إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية، وكذلك استمرار وجودهم هناك، يتعارض مع الفقرة السادسة من المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، كما خلصت المحكمة إلى أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية والنظام المرتبط بها أُقيمت وتُحافظ عليها بما يخالف القانون الدولي.
كما أكد مجلس الأمن الدولي في القرار 2334 لعام 2016 أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 لا تتمتع بالشرعية القانونية، وطالب بوقف جميع الأنشطة الاستيطانية. وقد واصلت الأمم المتحدة تأكيد هذا الموقف في قرارات لاحقة.
لكن الوضع القانوني في الداخل يختلف عن الضفة، رغم أنه من ناحية سياسية تندرج الممارسات في نفس الإطار السياسي. ولذلك فإن الاعتراض على إقامة البؤرة في مجد الكروم يحتاج، من الناحية القانونية، إلى أن يستند بصورة أساسية إلى حقوق الملكية الخاصة، وقوانين التخطيط والتنظيم، وقرارات تخصيص الأراضي واستخدامها، ومبدأ المساواة، وإلى سائر القواعد القانونية الإسرائيلية ذات الصلة كما تخص أيضا الصندوق القومي لأسرائيل والذي يجب أن يلغى منذ زمن بعيد.

ومع ذلك، فإن البعد السياسي والقومي للقضية لا يمكن تجاهله. فقد أقر الكنيست عام 2018 «قانون أساس: إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي»، ونص في مادته السابعة على أن الدولة «ترى في تطوير الاستيطان اليهودي قيمة قومية، وستعمل من أجل تشجيع وتعزيز وإقامة هذا الاستيطان وتثبيته». كما ينص القانون على أن ممارسة حق تقرير المصير القومي في دولة إسرائيل «خاصة بالشعب اليهودي».
ولا يتضمن قانون أساس القومية نصًا يعلن إسرائيل «دولة ديمقراطية» أو بندًا عامًا صريحًا عن المساواة، وهو ما كان ولا يزال موضع نقاش وانتقاد سياسي وقانوني واسع.

ومع ذلك، يظل السؤال السياسي والأخلاقي مشروعًا: كيف يمكن لدولة تدعي الديمقراطية أن تتعامل مع أزمة السكن والأرض واحتياجات المواطنين العرب من خلال سياسات تؤدي، إلى تعزيز الاستيطان اليهودي، في الوقت الذي يعاني فيه المواطنون العرب من ضائقة مزمنة في مجال الأرض والتخطيط وتوسيع مناطق النفوذ؟

خطوة يجب ألا تمر من دون انتباه
لقد قرر الصندوق القومي لإسرائيل، بحسب ما أعلن في هذه المرحلة، إخلاء الموقع الذي تواجد فيه المستوطنون، مع إبقاء إمكانية إعادة النظر في الموضوع وفق شروط معينة. وإذا كان الإخلاء قد أوقف محاولة تثبيت البؤرة في هذه المرحلة، فإن القضية لم تنتهِ بالضرورة، ما دام الباب مفتوحًا أمام إعادة بحث استخدام الأرض في المستقبل.

ومن هنا، فإن ما جرى يجب ألا يُنظر إليه باعتباره حادثة محلية فحسب. فمحاولة إقامة بؤرة جديدة على أراضٍ بمجد الكروم تحمل، بصرف النظر عن مآلها القانوني النهائي، دلالات سياسية واجتماعية تستحق المتابعة الدقيقة، خصوصًا في ظل التوترات المتزايدة حول الأرض والتخطيط والاستيطان في الجليل والنقب وفي ظل استنفار المستوطنين واعتداءاتهم المتكررة على الفلسطينين في كافة أماكن تواجدهم.

إن محاولة توسيع منطق الاستيطان، أو نقل أنماط الصراع على الأرض من الضفة الغربية إلى الداخل، يمكن أن تؤدي إلى زيادة التوتر بين المواطنين العرب واليهود، وإلى خلق وقائع جديدة على الأرض، وربما إلى استفزازات قد تدفع إلى مواجهات لا تخدم أحدًا سوى قوى اليمين المتطرف والمستوطنين التي تستفيد من التوترات والمواجهات.

لهذا، على المجتمع العربي ومؤسساته وممثليه، في أن يبقوا في حالة يقظة ومتابعة، وأن يواجهوا مثل هذه المحاولات بالوسائل القانونية والشعبية والقضائية والإعلامية والدولية، وبالتنسيق بين السلطات المحلية ولجنة المتابعة والنواب العرب واللجان الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني وأصحاب الأراضي وبالتعاون مع القوى اليهودية الديموقراطية والمناصرة للحق العربي الفلسطيني.

لكن الأهم هو أن يكون هذا النضال مسؤولًا، وألا ينجر المجتمع العربي إلى العنف أو إلى ردود فعل قد تستخدم لاحقًا ضده، كما يهدف قادة الإستيطان واليمين. فالحفاظ على الأرض يحتاج إلى الحكمة بقدر ما يحتاج إلى الحزم، وإلى العمل القانوني والمؤسساتي بقدر ما يحتاج إلى الحضور الجماهيري.

ومن الدروس المهمة التي ينبغي استخلاصها من هذه القضية ضرورة إعادة بناء العلاقة اليومية بين المجتمع العربي وأرضه. فالأرض التي لا تُزرع ولا تُفَلَّح ولا يحضر أصحابها فيها تصبح أكثر عرضة للتهميش والمصادرة وتغيير استعمالها. ولذلك فإن حماية الأرض لا تكون فقط بالاحتجاج عندما تبدأ محاولات الاستيلاء عليها، وإنما أيضًا بالحضور المستمر فيها، وزراعتها، وفلاحتها، وتوثيق ملكيتها، والدفاع عنها بكل الوسائل القانونية المتاحة.

وربما تكون هذه القضية أيضًا مناسبة لإعادة طرح قضية أوسع ما زالت حاضرة في الذاكرة والوجدان الفلسطيني: قضية القرى العربية المهجرة ومهجري الداخل، وحقهم في العدالة والاعتراف بحقوقهم التاريخية في الأرض والمكان وعودتهم إليها.

إن قضية الأرض قضية ذاكرة وهوية وحقوق ومساواة ومستقبل. ولذلك فإن مواجهة محاولات تغيير الواقع على الأرض يجب أن تواجه بتصدي ومسؤولية ومثابرة ومبادرة وإخلاص.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا