استعار حرب باب المندب مع تراجع حيويته
أمير. مخول، مركز تقدم للسياسات
تفيد القراءات الإسرائيلية بأن الضرر الناجم عن سيطرة الحوثيين على باب المندب ثانوي وممكن تحمّله، استناداً إلى التحولات المتسارعة في مسارات الممرات العالمية للتجارة والطاقة منذ عامين. ويرى قائد سلاح البحرية الإسرائيلي السابق إليعيزر (تشيني) ماروم أن ميناء إيلات مغلق فعلياً، لكن الضرر ممكن تحمّله عبر تحويل مسارات التجارة من شرق آسيا نحو مينائي حيفا وأسدود، من دون الاضطرار إلى العبور عبر باب المندب والبحر الأحمر. أما المتضرران الرئيسيان فهما مصر، التي تخسر سنوياً عائدات من قناة السويس تقدّر بنحو 6 مليارات دولار، والسعودية، التي تخسر الاستفادة من خط أنابيب النفط من شرقها إلى البحر الأحمر في مساعيها لتجاوز انعكاسات الصراع على مضيق هرمز. وتتمثل الخسارة السعودية أساساً في انكشاف عدم قدرتها على مواجهة الحوثيين رغم ترسانتها العسكرية الأمريكية الصنع والهائلة كماً.
وفقاً للجنرال الإسرائيلي اليعيزر تشيني ماروم ، وكذلك الضابط الرفيع في قسم التخطيط الاستراتيجي سابقا عميت ياغور، تراهن إسرائيل على أن الحل الوحيد أمام السعودية هو اقتناء الدفاعات الجوية الإسرائيلية، وحصرياً القبة الحديدية القادرة على حماية مصافي النفط السعودية التي يستهدفها الحوثيون.
ويتضح من صحيفة هارتس في 15 سبتمبر أن الجيش الإسرائيلي أوصى المستوى السياسي بالامتناع عن ضربة عسكرية مباشرة ضد الحوثيين، والتمحور حول تشكيل ائتلاف دولي وإقليمي، إلى جانب الاستعداد لمواجهة عملية حوثية ضد إسرائيل. وتلتقي توصيات الجيش مع ما ورد سابقاً بأن الحوثيين لا يستهدفون إسرائيل ولا الولايات المتحدة عند سيطرتهم على باب المندب. كما تجتمع مصالح الأطراف الثلاثة، الحوثي والإيراني والأمريكي، في الحيلولة دون التدخل الإسرائيلي المباشر، حيث تخشى واشنطن بدورها من تعويق نتنياهو لأولوياتها في المنطقة.
تراهن إسرائيل أيضاً على فتور رد ترامب على ولي العهد بن سلمان، ورفض الولايات المتحدة التورط المباشر في الحرب. وتراهن ايضاً على هشاشة الحلف الجديد السعودي الباكستاني التركي، الذي لم يسعف المملكة العربية السعودية ولم يثبت قدرته على الدفاع عنها، إذ اختارت باكستان وتركيا دور الوساطة لا الحماية المتبادلة. وتشير القراءة الإسرائيلية إلى أن الحوثيين حددوا حربهم بأنها مع السعودية وليست مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، كما أن مصر، رغم قدراتها العسكرية والأضرار المادية اللاحقة بها، لن تتورط في حرب من هذا القبيل تفوق تكلفتها الأضرار الحاصلة ولا ضمان لنتيجتها.
وتشير زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة إلى أن الرهان على الحلف الثلاثي الجديد ليس واعداً بالنسبة لها، بل إن انتهاج تركيا وباكستان نهج الوساطة دليل على رهانهما على التمويل السعودي للحلف. فيما تعود السعودية إلى المشروع طويل الأمد القائم على قوة عربية بتمويل سعودي تقودها مصر بجيشها وقدراتها الحربية الكبرى. وترفض السعودية بشكل قاطع أي دعم حربي إسرائيلي أو تدخل إسرائيلي لصالحها. أما الموقف المصري فكان ثابتاً منذ 2023 في عدم التورط في أي حرب، وحصرياً مع إيران أو الحوثيين، رغم الثمن المادي، واعتماده السبيل الدبلوماسي.
أما الموقف الإسرائيلي فيقوم ليس فقط على تدارك الأضرار الاقتصادية من حصار باب المندب، بل على اغتنام الفرصة لاستعادة مكانة إسرائيل التي باشرت محادثات إقليمية بوساطة أمريكية سعياً لكسر الحصار الحوثي، مما قد يعيد احتمال ترسيخ الاتفاقات الإبراهيمية وتوسيع نطاقها. كما تروّج إسرائيل الى أن الحرب الحوثية هي سيطرة إيرانية وحصار للسعودية، بينما تنفي طهران ضلوعها، مبررة الأمر بأنه صراع يمني سعودي. وعلى النقيض، ربط الناطق باسم الحوثيين بين السيطرة على باب المندب وفك الحصار الأمريكي عن مضيق هرمز، ليظهر لاحقاً موقف حوثي اخر منافٍ باعتبار الحرب هي رد على هجمات سلاح الجو السعودي على اليم، مؤكدين استعدادهم على وقف الحرب اذا تعهدت السعودية بعدم الاعتداء وفقا للناطق الحوثي.
وهناك مؤشرات على أن الاستراتيجية الإيرانية بصدد وحدة الساحات باتت هشة للغاية، وحصرياً بعد قيام إسرائيل مؤخراً بتفجير مرتفعات علي الطاهر في الجنوب اللبناني رغم التهويل بأن إيران ستتدخل. كما توجد مؤشرات على محادثات أمريكية إيرانية للحيلولة دون حرب إسرائيلية إيرانية متجددة، رغم الضربة الاستراتيجية التي تلقاها حزب الله في لبنان. بينما يختلف الأمر مع الحوثيين، إذ لم تعد أولوياتهم وتحركاتهم متبناة، وبات الرهان على الأطراف أن تحدد خطواتها بما يخدم أولوياتها وليس بالضرورة أولويات طهران.
يبدو الموقف الأمريكي عقابياً تجاه السعودية التي رفضت إتاحة المجال للولايات المتحدة لاستخدام أراضيها في الحرب مع إيران، كما ردّت دعوات ترامب إلى المشاركة في الحرب. ورأت واشنطن في الحلف السعودي الباكستاني التركي، رغم هشاشته، خروجاً عن طاعتها، ويفتح المجال لتحالفات عديدة إقليمياً تخرج عن السيطرة الأمريكية. كما يتضمن موقف واشنطن تحذيراً إلى معظم دول المنطقة بأنها في حال تخلت عن واشنطن ستجد نفسها وحيدة في مواجهة إيران، وفي هذه الحالة الحوثيين. ويبدو أن الأمر يتضمن دفعاً نحو القول بأن الاتفاقات الإبراهيمية لم تمت، بل تزداد الحاجة إليها، بينما لا تقبل المملكة العربية السعودية مثل هذا الطرح رغم استهدافها من الحوثيين.
أوروبياً، انتهجت دول الاتحاد منذ أكثر من عامين تلقي وارداتها من التجارة والطاقة عبر ممرات بديلة، يستغرق بعضها وقتاً أطول وكلفة أكبر، لكن ضمن القدرة على تحمّل تبعات ذلك. فمن ناحية تمر السفن حول القارة الإفريقية من رأس الرجاء الصالح وصولاً إلى المحيط الأطلسي وأوروبا، وفي موازاة ذلك خطوط الإمدادات الصينية من "خط الشمال" أو ما يطلق عليه طريق الحرير المتجمد، بالإضافة إلى الاستثمار في توفير ممرات برية للطاقة عن طريق العراق والأردن وسوريا باتجاه تركيا وأوروبا.
في الخلاصة ؛ تأتي السيطرة الحوثية على باب المندب في مرحلة تحولات عالمية في ممرات التجارة وإمدادات الطاقة، ما يجعل أثرها على الاقتصاد العالمي محدوداً. والدول الأكثر تضرراً هي السعودية ومصر وإسرائيل، فيما لا تتوافر مقومات لحرب إقليمية دولية الأبعاد، كما ويبقى احتمال ائتلاف عسكري دولي ضعيفاً في ظل التورط الأمريكي مع إيران والصراع على هرمز، مع ترجيح الحلول الدبلوماسية ما لم يتفاقم الوضع.
تسعى إسرائيل إلى استثمار الإخفاق السعودي لدفع الرياض نحو اعتماد المنظومات الدفاعية الإسرائيلية والاتفاقات الإبراهيمية، لكن السعودية ترفض التدخل الإسرائيلي وتربط العلاقة بقضية فلسطين لا بباب المندب، وتملك قدرات مالية على احتواء أضرار استهداف أنابيب النفط. وعليه، لا تبدو حظوظ إسرائيل كبيرة في إحياء هذه الاتفاقات أو توسيعها.
كشفت السيطرة الحوثية السريعة على باب المندب وتفجير منشآت الطاقة السعودية عن عدم نضوج الحلف السعودي التركي الباكستاني، وعدم تفعيل ركن الدفاع المشترك. كما كشف طبيعة الدور الأمريكي بأن قواعدها في الدول الخليجية لا توفر اية حماية لهذه الدول بل قد تصبح عبئاً عليها.
ترى التقديرات الإسرائيلية الأمنية أن إسرائيل ليست مستهدفة من الحوثيين، ولذلك أوصى الجيش بالامتناع عن ضربة مباشرة. سياسياً، لا تبدو الضربة الإسرائيلية مفيدة لنتنياهو انتخابياً، وقد تكون نتائجها عكسية.
هناك مؤشرات على أن قضية فلسطين باتت هامشية في خارطة الصراعات الإقليمية، مع هشاشة استراتيجية وحدة الساحات، لكن محوريتها تستند الى عدم القدرة على تجاوزها دولياً.
المصدر:
كل العرب