في مبادرة تربط بين الضائقة الاقتصادية في الضفة الغربية وتصاعد العنف المرتبط بالديون في المجتمع العربي داخل إسرائيل، أطلق الإعلامي علاء الريماوي حملة «تنازل لله»، داعيا الأفراد والتجار والشركات إلى إسقاط جزء من ديون المتعثرين أو التنازل عنها كاملة.
وقال الريماوي لـ«بكرا» إن قيمة الديون التي أعلن أصحابها التنازل عنها منذ إطلاق الحملة تجاوزت 50 مليون شيكل، فيما شملت المسامحات ديونا تجارية وشخصية وشيكات وكمبيالات والتزامات مالية بين الأقارب والأصدقاء.
وأوضح أن الحملة انطلقت من مدينة رام الله، ثم امتدت إلى مناطق مختلفة في الضفة الغربية وقطاع غزة والمجتمع العربي داخل إسرائيل، وتحولت إلى مساحة للتخفيف عن المتعثرين وإعادة معالجة ملفات الديون بعيدا عن الخصومات والضغوط.
وأضاف أن الحملة شهدت تسجيل نحو 450 ألف شيكل من المسامحات خلال ساعات صباح يوم واحد، بينما تراوحت حالات التنازل بين مبالغ صغيرة وأخرى وصلت إلى عشرات ومئات آلاف الشواكل.
وأشار إلى تسجيل تنازل عن دين بقيمة 25 ألف شيكل، وآخر بقيمة 70 ألف شيكل، إلى جانب ترتيبات لتوثيق تنازل عن ديون تقترب قيمتها من مليون شيكل في شمال الضفة الغربية.
3.9 مليون شيكل من المجتمع العربي
وقال الريماوي لـ«بكرا» إن التفاعل مع الحملة داخل المجتمع العربي كان واسعا، وإن مجموع المسامحات التي وصلت إليه من البلدات العربية بلغ نحو 3.9 مليون شيكل.
وأضاف: «شعبنا في الداخل عظيم. تواصل معي إخوة من أم الفحم والناصرة وطمرة وعارة وعرعرة. مجموع ما وصلني من مسامحات من الداخل حتى الآن بلغ 3.9 مليون شيكل».
وتابع أن الحملة التي بدأت في رام الله وصلت إلى غزة والضفة الغربية والداخل، مؤكدا أنها ما زالت مستمرة، وداعيا أبناء المجتمع العربي في الجنوب والمركز والشمال إلى الانضمام إليها.
وقال: «اليوم طمرة صنعت تغييرا كبيرا، ونظرتنا الآن إلى جميع مناطق الداخل، في الجنوب والوسط والشمال. حملة تنازل لله تقوم على أن نداوي جراح بعضنا، ونجبر خواطر بعضنا ونرفع من همة بعضنا».
تنازل عن 1.8 مليون شيكل ومنع مسار قد يصل إلى الدم
ومن أبرز الحالات التي كشف عنها الريماوي لـ«بكرا»، تنازل شقيقين من منطقة عارة وعرعرة عن دين تقدر قيمته بنحو مليون و800 ألف شيكل.
وتكتسب هذه الحالة أهمية خاصة بسبب الطريقة التي كان يجري من خلالها التعامل مع ملف الدين قبل التنازل عنه.
وقال الريماوي: «من بين القصص الجميلة شقيقان من منطقة عارة وعرعرة تنازلا عن نحو مليون و800 ألف شيكل. كان أحدهما قد استعان بعصابة، بين قوسين، للمساعدة في تحصيل الدين».
وأضاف أن صاحب الدين قرر تغيير مساره بعد اطلاعه على المبادرة واقتناعه بها، ونقل عنه قوله: «كنت ذاهبا إلى المجهول، وربما كنت سأتسبب، لا سمح الله، في حالة تصل إلى الدم».
ويرى الريماوي أن هذه الحالة توضح الدور الذي يمكن أن تؤديه الحملة داخل المجتمع العربي، حيث قد تساهم معالجة الديون بالتسامح والتفاهم في منع انتقال بعض الخلافات المالية إلى جهات تستخدم التهديد والعنف في تحصيل الأموال.
وقال: «أهلنا في الداخل بحاجة إلى أن نذهب إلى مساحة نعالج فيها جراح بعضنا، خاصة في ظل الجريمة المنظمة التي قتلت أبناءنا وأزهقت أرواحهم. دعونا ندخل في طريق آخر يتعلق بكيفية جبر خواطر بعضنا».
من رام الله إلى بلدات الضفة
وفي الضفة الغربية، سجلت الحملة تفاعلا من مناطق وبلدات عدة، بينها شمال غرب القدس وسلواد والعيزرية وطولكرم، فيما انطلقت مبادرات محلية مشابهة تحت أسماء مختلفة، بهدف تخفيف الديون عن المتعثرين.
وبحسب الريماوي، تعكس الاستجابة للحملة حجم الأزمة الاقتصادية وتراكم الالتزامات المالية في المجتمع الفلسطيني، إذ لا تقتصر الديون على التعاملات التجارية، بل تشمل علاقات مالية بين الأقارب والأصدقاء وأصحاب المصالح.
وأشار إلى أن بعض الدائنين لم يتوجهوا إلى المحاكم لتحصيل أموالهم، مراعاة للظروف الاقتصادية والإنسانية التي يمر بها المدينون.
كما أبدى محامون وجهات اقتصادية استعدادهم للمساعدة في إغلاق ملفات مالية لمصلحة المتعثرين، بما يتيح توثيق التنازل وتسوية الالتزامات بصورة واضحة بين الأطراف.
كيف تساعد الحملة الضفة والداخل؟
في الضفة الغربية، تفتح الحملة بابا أمام التجار والشركات والأفراد لمراجعة ديون المتعثرين، والتنازل عن جزء منها أو إعادة ترتيبها بما يخفف الضغوط عن العائلات وأصحاب المصالح.
أما داخل إسرائيل، فتأخذ المبادرة بعدا آخر إلى جانب بعدها الاقتصادي، إذ تظهر حالة التنازل عن 1.8 مليون شيكل كيف يمكن أن يتحول تحصيل الدين إلى مسار تدخل فيه جهات إجرامية، وما قد يحمله ذلك من تهديد للعائلات والأفراد.
ومن هنا، تجمع الحملة بين حاجتين مختلفتين ومترابطتين: تخفيف آثار الأزمة الاقتصادية وتراكم الديون في الضفة، وفتح طريق للتسامح والتسوية يمنع وصول بعض النزاعات المالية في المجتمع العربي إلى العنف.
ولا تقوم المبادرة على إسقاط حقوق الدائنين بالقوة، بل على قرار طوعي يتخذه صاحب الحق وفقا لظروفه وقناعته.
وأكد الريماوي أن دوره يقتصر على التعريف بحالات المسامحة ونشرها وتشجيع مبادرات الخير، من دون ممارسة أي ضغط على أصحاب الديون.
وقال إن قرار التنازل عن الدين، كليا أو جزئيا، يعود إلى الدائن وحده، وإن الحملة لا تستهدف الانتقاص من حقوق أصحاب الأموال.
دعوة إلى الشركات والمؤسسات
ودعا الريماوي الشركات والمؤسسات الاقتصادية إلى مراجعة ملفات المتعثرين لديها، والنظر في إسقاط بعض الديون أو تخفيفها عن الأشخاص الذين يواجهون ظروفا اقتصادية وإنسانية صعبة.
كما دعا التجار والأفراد إلى فحص إمكان الوصول إلى تسويات تمنح المدين فرصة جديدة، خصوصا في الحالات التي تحول فيها الدين إلى عبء يهدد استقرار الأسرة أو العلاقة بين أطرافه.
وتستند حملة «تنازل لله»، وفق الريماوي، إلى فكرة بسيطة تقوم على التنازل الطوعي وجبر الخواطر. لكنها، بعد وصول قيمة المسامحات إلى أكثر من 50 مليون شيكل وامتدادها من رام الله إلى غزة وبلدات الضفة والمجتمع العربي، تحولت إلى مبادرة واسعة تجمع الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر حول معالجة الديون بالتسامح والتكافل.
وفي المجتمع العربي تحديدا، يضع الريماوي الحملة في مواجهة الطريق الذي قد ينقل ملف الدين من خلاف مالي إلى أيدي العصابات، مؤكدا أن التنازل والتسوية يمكن أن يفتحا مسارا آخر، عنوانه حماية الناس ومداواة الجراح ومنع الوصول إلى الدم.
المصدر:
بكرا