كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت تفاصيل جديدة ومثيرة حول العملية التي أدت إلى اكتشاف البرنامج النووي السوري وتدمير المفاعل الذي كان قيد الإنشاء في دير الزور، مشيرًا إلى أن الفضل في كشف الخيوط الأولى يعود إلى ضابطة في الموساد كادت أن تُطرد من الجهاز بسبب إصرارها على أن هناك نشاطًا سريًا يجري في سوريا.
ضابطة تشكك في الرواية السائدة
وقال أولمرت، في مقال مطول نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، إن إسرائيل لم تكن تمتلك في البداية معلومات استخباراتية واضحة عن النشاط النووي السوري، وإن الموقع في دير الزور كان يُعتقد أنه مجرد حظيرة دواجن أو مزرعة، بل بدا في بعض المراحل كموقع مهجور لا يثير الشبهات.
وأوضح أن ضابطة متدربة في الموساد، أصبحت لاحقًا من الشخصيات المهمة في الجهاز، أصرت على أن هناك تحركات غير عادية مرتبطة بالموقع، ورصدت صلات بين عدد من الشخصيات السورية والأجانب الذين كانوا يزورون المكان.
ومن بين الشخصيات التي أثارت اهتمامها إبراهيم عثمان، الذي كان مسؤولًا عن ملف الطاقة الذرية في سوريا آنذاك، واللواء محمد سليمان، الذي اغتيل لاحقًا في مدينة طرطوس عام 2008 في عملية نسبت إلى إسرائيل.
«سوريا؟ لديها دبابات صدئة!»
وأشار أولمرت إلى أن رئيس الموساد آنذاك مئير داغان لم يكن مقتنعًا في البداية بفرضية امتلاك سوريا برنامجًا نوويًا.
ونقل عنه قوله بسخرية: «سوريا؟ هذه دولة لديها دبابات صدئة! مستحيل... نحن نعرف كل ما يجري هناك».
لكن إصرار الضابطة على وجود نشاط غير عادي دفع الجهاز في نهاية المطاف إلى تخصيص موارد إضافية للتحقيق، خصوصًا بعد ظهور مؤشرات على وجود تعاون مع خبراء من كوريا الشمالية، إلى جانب تحركات مرتبطة بخبراء نوويين من دول أخرى.
وبحسب أولمرت، لم تكن الولايات المتحدة أيضًا تمتلك في البداية معلومات استخباراتية عن المشروع السوري.
عملية استخباراتية قلبت الصورة
وأوضح أولمرت أن نقطة التحول الرئيسية جاءت خلال عمليات استخباراتية خارج سوريا، بعدما تمكنت إسرائيل من الحصول على معلومات ووثائق كشفت طبيعة المشروع.
وفي نهاية مارس 2007، طلب مئير داغان ونائبه تامير باردو من أولمرت الموافقة على عملية تهدف إلى الحصول على دليل قاطع بشأن المشروع النووي السوري.
وكان الهدف إبراهيم عثمان، الذي كان يزور إحدى الدول الأوروبية، حيث نُفذت عملية استخباراتية معقدة للحصول على قرص صلب كان بحوزته.
وقال أولمرت إن العملية كانت شديدة الخطورة وكادت تكشف القوة الإسرائيلية التي نفذتها، والتي قادها باردو بنفسه، مشيرًا إلى أن القرص الصلب جرى الحصول عليه أثناء تناول عثمان العشاء خارج الفندق.
وتبيّن من المعلومات الموجودة على القرص أن المشروع السوري كان بالفعل مشروعًا نوويًا سريًا، وأن الموقع في دير الزور لم يكن منشأة زراعية أو مهجورة كما كان يُعتقد.
مراقبة الموقع قبل الضربة
بعد ذلك، وُضع الموقع تحت مراقبة مكثفة، ورُصدت زيارات لشخصيات سورية وأشخاص من كوريا الشمالية، إضافة إلى محمد سليمان وإبراهيم عثمان.
ومع تراكم المعلومات الاستخباراتية، تبلورت لدى إسرائيل صورة أكثر وضوحًا بشأن طبيعة المنشأة، وصولًا إلى اتخاذ القرار بتنفيذ العملية العسكرية التي انتهت بتدمير الموقع النووي السوري في عام 2007.
أولمرت يحذر من تجاهل التحذيرات الاستخباراتية
وفي مقاله، ربط أولمرت بين هذه القضية وما حدث لاحقًا في السابع من أكتوبر، مشيرًا إلى أن مسؤولين أمنيين إسرائيليين تعاملوا باستخفاف مع تحذيرات صادرة عن ضابطة في الوحدة الاستخباراتية التي رصدت تحركات مرتبطة بحركة حماس قبل الهجوم وفي ليلته.
ورأى أولمرت أن التجربة السابقة مع الضابطة التي كشفت المشروع النووي السوري تثبت خطورة تجاهل المعلومات غير التقليدية أو التقليل من شأن التحذيرات التي لا تتوافق مع التقديرات السائدة داخل الأجهزة الأمنية.
«لولا عنات.. لربما استيقظنا على سوريا نووية»
وقال أولمرت إن الضابطة «عنات»، التي كشفت الخيوط الأولى للبرنامج النووي السوري، أصرت على موقفها رغم الشكوك التي واجهتها داخل الموساد، وكادت أن تفقد منصبها بسبب تمسكها بتقديراتها.
وأضاف، في خلاصة تحمل رسالة واضحة للأجهزة الاستخباراتية، أنه لولا إصرار عنات وعزيمتها وإصرارها على أن هناك خطرًا حقيقيًا، «لربما استيقظنا يومًا ما على واقع نجد فيه سوريا نووية».
وتكشف رواية أولمرت بذلك أن الطريق إلى اكتشاف البرنامج النووي السوري لم يبدأ بمعلومة استخباراتية حاسمة، وإنما بشكوك طرحتها ضابطة أصرّت على متابعة تحركات اعتبرها آخرون في البداية غير مهمة، قبل أن تتحول تلك الشكوك إلى واحدة من أهم العمليات الاستخباراتية والعسكرية في تاريخ إسرائيل.
المصدر:
بكرا