من المصطلحات التي تتكرر كثيرًا في الكتابات الأكاديمية والإعلامية والسياسية مصطلح "الأسلمة". فنقرأ عن "أسلمة المجتمع"، و"أسلمة الدولة"، و"أسلمة التعليم"، و"أسلمة الحيز العام"، بل وعن "أسلمة القضية الفلسطينية". وفي كثير من هذه الاستخدامات لا تبدو الكلمة مجرد وصف لتحول اجتماعي أو فكري، وإنما تحمل معنى نقديًا أو تحذيريًا، وكأننا أمام عملية يجري من خلالها إدخال الإسلام إلى مجال لم يكن موجودًا فيه أصلًا.
لكن ماذا تعني "الأسلمة" أصلًا، ومن أين جاء هذا المصطلح؟ ولماذا يأخذ في كثير من الأحيان طابعًا سلبيًا، ويُقدم في خطابات فكرية وسياسية مختلفة باعتباره ظاهرة ينبغي التحذير منها ومقاومتها فكريًا وعلميًا، بينما نستخدم مصطلحات أخرى تصف تحولات فكرية وهوياتية مثل "العلمنة" و"العربنة" و"القومنة"، من دون أن تحمل بالضرورة الدرجة نفسها من التحذير؟
من الناحية اللغوية، تعني "الأسلمة" إضفاء الطابع الإسلامي على شيء ما، ويقابلها في الأدبيات الأجنبية مصطلح Islamization. وقد اتسع استعمالها ليشمل عمليات تاريخية تتعلق بانتشار الإسلام وتحول مجتمعات إليه، ثم عمليات معاصرة تتصل بتعزيز حضور المرجعية الإسلامية في المعرفة والتعليم والقانون والسياسة والمجتمع والمعاملات ومختلف مجالات الحياة العامة.
ولا شك أن استخدامات "الأسلمة" ليست من طبيعة واحدة، كما أن المصطلح لا يُستخدم دائمًا من الأطراف نفسها أو بالمعنى نفسه. فهناك استخدام ذاتي تبنته مشاريع إسلامية فعلًا، ولعل أشهر أمثلته مشروع "أسلمة المعرفة" الذي برز بصورة منظمة في العقود الأخيرة من القرن العشرين. وفي هذه الحالة لم تكن "الأسلمة" تهمة أطلقها الخصوم، وإنما مصطلحًا اختاره أصحاب المشروع أنفسهم للتعبير عن إعادة النظر في المعرفة الحديثة وعلاقتها بالتصور الإسلامي.
ويختلف ذلك عن استعمال آخر للمصطلح يأتي من الخارج، كما في الحديث عن "أسلمة المجتمع" أو "أسلمة الحيز العام". ففي هذه الحالة قد لا تكون الحركة أو الجماعة قد وصفت مشروعها أصلًا بهذه اللغة، وإنما يأتي الباحث أو الكاتب ليعيد تعريف ما تقوم به باعتباره عملية "أسلمة".
ومن هذه الزاوية يمكن فهم جانب من انتشار مدرسة الإخوان المسلمين واتساعها خارج الحدود الجغرافية والتقسيمات التي تشكلت في المنطقة. فقد قدمت نفسها، في خطابها وأدبياتها وممارستها على أرض الواقع، باعتبارها مشروعًا للإصلاح والإحياء واستعادة حضور الإسلام في مختلف مجالات الحياة بعد سقوط الخلافة، لا مشروعًا لتحويل مجتمعات لا علاقة لها بالإسلام إلى مجتمعات إسلامية.
وهنا يظهر الفرق بين أن تصف حركة مشروعها بأنه "إحياء" أو "استئناف" للحياة الإسلامية، وبين أن يصفه آخر بأنه "أسلمة للمجتمع". فالتعبير الأول ينطلق من أن الإسلام موجود أصلًا في هوية المجتمع ومرجعيته، وأن المطلوب إعادة تفعيل حضوره، بينما قد يوحي الثاني بأن عنصرًا خارجيًا يجري إدخاله إلى المجتمع وإعادة تشكيله من خلاله.
ولا يعني ذلك قبول تعريف الحركات الإسلامية لذاتها من دون نقد، أو منع الباحث من استخدام مفاهيم أخرى، لكن الدقة تقتضي ألا يتحول المصطلح الخارجي إلى حقيقة مسبقة، وألا يصبح كل ازدياد في حضور التدين أو المؤسسات الإسلامية "أسلمة" بالضرورة.
وقد ذهب الكاتب حلمي الأسمر أبعد من ذلك، فرأى أن "الأسلمة" تحولت في جانب من الخطاب الإعلامي والسياسي إلى تهمة تُستخدم في شيطنة الحركات الإسلامية. ويلفت إلى التفاوت في التعامل مع حضور الدين في السياسة، إذ يثير الحديث عن "أسلمة" الدولة أو المجتمع مخاوف واسعة، بينما لا يحظى تصاعد نفوذ التيارات الدينية اليهودية وسعيها إلى تعزيز حضور الشريعة اليهودية في الدولة والمجال العام بالقدر نفسه من التحذير والانتقاد. وهذا يفتح سؤالًا أوسع حول سبب التعامل مع تعزيز حضور الإسلام باعتباره "أسلمة" تستدعي التحذير والمقاومة، بينما قد تُعامل تحولات أخرى، كالعلمنة أو القومنة، باعتبارها تحولات اجتماعية أو فكرية عادية.
لذلك، ليست المشكلة في كلمة "الأسلمة" في ذاتها، فقد يتبناها أصحاب مشروع معين، كما في "أسلمة المعرفة". لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول إلى توصيف خارجي واسع ومحمّل بدلالة سلبية، بحيث يصبح كل تعزيز لحضور الإسلام "أسلمة".
ختامًا، هل نحن أمام مصطلح يساعد على فهم ما يجري، أم يجعل الإسلام، الحاضر في هذه المجتمعات منذ قرون، يبدو عنصرًا طارئًا يجري إدخاله إليها؟ وربما لهذا تبدو "الأسلمة" في كثير من استعمالاتها تهمة أكثر منها وصفًا.
المصدر:
كل العرب