في القضايا التي تلامس النساء والكرامة والسلطة، لا يكون الصمت دائمًا حكمة، كما أن الكلام ليس دائمًا عدالة. بين صمت قد يحمي الأقوياء، واندفاع قد يصنع إدانة قبل اكتمال الحقيقة، تقف مسؤولية أكثر صعوبة: أن نسمع، وأن نتحقق، وأن نرفض في الوقت نفسه أن تصبح الحقيقة رهينة للانفعال والاصطفاف.
لهذا فإن قضية جعفر فرح ليست مجرد قضية شخص، ولا مجرد سجال انتخابي عابر. إنها، في جوهرها، اختبار لقدرة مجتمعنا السياسي على التعامل مع اتهامات شديدة الخطورة من دون أن يخذل النساء، ومن دون أن يتخلى عن أبسط قواعد الإنصاف.
بحسب جمعيتي «نساء ضد العنف» و«السوار – حركة نسوية عربية»، توجد لديهما ست شهادات مباشرة وموثقة تتعلق بادعاءات تحرش واعتداء جنسي وإساءة استخدام سلطة أو نفوذ منسوبة إلى جعفر فرح. وتقول الجمعيتان إن بعض الشهادات يعود إلى عام 2019، وإن شهادات أخرى بقيت سرية، وإنهما تعملان على الاستماع إلى النساء وحمايتهن ونقل الشهادات إلى الجهات المسؤولة، لا على إصدار أحكام قضائية.
وهذه نقطة أساسية.
حين تتحدث امرأة عن تجربة تحرش أو اعتداء، فإن أقل ما يستحقه كلامها هو أن يُسمع بجدية. لا يجوز أن تصبح مكانة الشخص، أو تاريخه، أو انتماؤه السياسي، سببًا لإسكاتها أو التشكيك بها مسبقًا.
لكن في الاتجاه الآخر أيضًا، لا يجوز أن تتحول الشهادة إلى حكم، ولا الادعاء إلى إدانة نهائية لمجرد أنه انتشر على وسائل التواصل.
السماع ليس إدانة، كما أن طلب التحقيق ليس تبرئة.
جعفر فرح ينفي الاتهامات بشكل قاطع، ويقول إنه مستعد للمثول أمام منبر قانوني أو هيئة مهنية مستقلة. وفي المقابل، أعلنت الجبهة والحزب الشيوعي أن فريقًا خاصًا فحص المعلومات المتاحة وقدم توصيات، من بينها انسحاب فرح من القائمة، بينما رفض هو الانسحاب وتمسك بمطلب الفحص أمام جهة مستقلة.
وهنا تظهر المعضلة الحقيقية.
هل الحزب السياسي هو الجهة التي تفصل في الوقائع؟
هل تكفي لجنة داخلية لإغلاق ملف بهذه الحساسية؟
وهل يمكن لوسائل التواصل أن تحل محل التحقيق؟
أم أن المطلوب جهة مستقلة تسمع الشهادات، تحمي أصحابها، وتتيح للطرف الآخر حق الرد والدفاع؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا قانونيًا.
إنها صميم العدالة.
والأهم أنها تكشف أزمة أوسع من القضية نفسها: أزمة المؤسسات السياسية حين تواجه اتهامات تتعلق بأحد أصحاب النفوذ داخلها.
إذا كانت هناك شهادات تعود إلى سنوات، وإذا كانت جهات نسوية تقول إنها حاولت التواصل مع مؤسسات معنية في السابق، فإن السؤال لا ينبغي أن ينحصر في: ماذا حدث الآن؟ بل يجب أن يمتد إلى: لماذا لم تكن هناك منذ البداية آلية مستقلة وواضحة تستمع إلى مثل هذه الشهادات وتتعامل معها بمهنية وسرية؟
هنا ينبغي للحركة السياسية أن تكون شجاعة مع نفسها.
فالتيار الذي يطالب المجتمع بالعدالة والمساواة لا يستطيع أن يؤجل مساءلة أفراده حتى تصبح القضية علنية ومدوية. وحماية سمعة المؤسسة لا ينبغي أن تأتي على حساب حماية النساء.
لكن حماية النساء لا تعني أيضًا التخلي عن الإنصاف.
وهذا التوازن ليس ضعفًا، بل هو الاختبار الحقيقي لأي حركة تدّعي أنها تؤمن بالعدالة.
فالعدالة التي تعمل فقط عندما يكون المتهم خصمًا سياسيًا ليست عدالة.
والنسوية التي تصمت عندما يكون المتهم من داخل المعسكر نفسه تفقد جزءًا من معناها.
والسياسة التي تعتبر كل اتهام مؤامرة تفقد قدرتها على مراجعة ذاتها.
في المقابل، فإن تحويل كل اتهام إلى إدانة نهائية يهدد مبدأ لا يقل أهمية: أن الوقائع يجب أن تُفحص قبل أن تتحول إلى أحكام.
القضية تصبح أكثر حساسية لأن عودتها إلى الواجهة جاءت في موسم انتخابي بالغ التوتر. لكن التوقيت، مهما كان سياسيًا، لا يصلح وحده دليلًا على كذب الاتهامات، كما أن ظهورها في هذا التوقيت لا يجعلها صحيحة تلقائيًا.
الحقيقة لا تتغير بحسب موعد الانتخابات.
إذا كانت الشهادات صحيحة، فيجب أن تظهر الحقيقة كاملة، وأن يتحمل المسؤولية كل من تثبت مسؤوليته، مهما كان اسمه أو تاريخه أو موقعه.
وإذا لم تثبت بعض الادعاءات، فيجب أن تكون هناك الشجاعة نفسها للاعتراف بذلك.
فالحقيقة لا تحتاج إلى حزب يحميها، ولا إلى جمهور يدينها أو يبرئها. تحتاج إلى مساحة عادلة لكي تظهر.
أما تاريخ جعفر فرح في العمل العام والنضال السياسي والحقوقي، فلا ينبغي أن يمنحه حصانة، كما لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لإدانته.
يمكن لشخص أن يملك تاريخًا طويلًا من العمل العام، ثم يواجه اتهامًا خطيرًا يجب التحقيق فيه.
ويمكن أيضًا أن يواجه شخص اتهامًا لم يثبت، من دون أن يعني ذلك أن تاريخه كله أصبح موضع إلغاء.
الإنسان ليس تاريخه فقط، وليس الاتهام الموجه إليه فقط.
لهذا لا أبحث في هذه القضية عن تبرئة جعفر فرح، ولا عن إدانته.
أبحث عن شيء أصعب: ألا نخسر الحقيقة ونحن نحاول الانتصار للعدالة.
فالمرأة التي تتحدث تحتاج إلى أن تعرف أن المجتمع لن يصمت لأن الشخص الذي تتحدث عنه قوي أو معروف أو صاحب تاريخ سياسي.
وفي المقابل، فإن الشخص الذي تُوجَّه إليه اتهامات خطيرة يحتاج إلى أن يعرف أن المجتمع لن يحوله إلى مدان لمجرد أن قضيته أصبحت مادة للغضب العام.
المطلوب إذن ليس مزيدًا من البيانات، ولا مزيدًا من المعارك على مواقع التواصل، ولا تحويل النساء إلى أدوات في صراع انتخابي، ولا تحويل المتهم إلى ضحية لمجرد أنه ينفي.
المطلوب تحقيق مستقل، مهني وموثوق؛ يحفظ سرية النساء، يستمع إلى شهاداتهن بجدية، يتيح للطرف الآخر حق الرد والدفاع، ثم يضع أمام الرأي العام نتيجة تستند إلى الوقائع لا إلى الاصطفافات.
هذه ليست خدمة لجعفر فرح.
وليست خدمة للجبهة.
وليست تراجعًا عن حقوق النساء.
إنها خدمة للعدالة نفسها.
ربما يكون أصعب ما في العدالة أنها لا تمنحنا دائمًا الموقف الذي نرغب فيه. أحيانًا نريد أن نصدق لأننا نتعاطف. وأحيانًا نريد أن ننفي لأننا نحترم تاريخ شخص. لكن العدالة تطلب منا شيئًا أكثر نضجًا: أن نضع التعاطف جانبًا حين تبدأ عملية التحقق، وأن نقبل بنتيجتها أيًا كانت.
في زمن تستطيع فيه وسائل التواصل أن تصنع محكمة خلال ساعات، يصبح التريث أحيانًا فعل شجاعة.
لا نريد محكمة فيسبوك.
ولا نريد حصانة سياسية.
لا نريد إسكات امرأة.
ولا نريد إدانة إنسان قبل أن تُفحص الوقائع.
نريد حقيقة لا تخاف من التحقيق، وعدالة لا تخاف من الحقيقة
المصدر:
كل العرب