آخر الأخبار

الغارة الاسرائيلية في سوريا ورسائلها متعددة العناوين

شارك

أمير مخول – مركز تقدّم للسياسات

غداة الهجوم غير المسبوق الذي قام به سلاح الجو الإسرائيلي شمال سوريا، زار رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير يوم 19 اغسطس موقعاً تابعاً للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، حيث التقى بالضباط والجنود.
لم يصدر أي بيان حكومي إسرائيلي عن الغارة الى حين صدر الموقف الأمريكي عن السفير توم باراك والذي أدان إسرائيل مؤكدا انها كادت تؤدي الى مواجهة عسكرية خطيرة مع سلاح الجو التركي وتُمثل تصعيدًا غير ضروري لا يُسهم في استقرار المنطقة". جاء في بيان مكتب نتنياهو: "اتفقت إسرائيل وسوريا على الوضع القائم (ستاتوس كوو) فيما يتعلق بالقضايا الأمنية، وهو الاتفاق الذي كانت سوريا على وشك انتهاكه بالسماح للقوات التركية بالتمركز في قاعدة جوية قرب حلب. وقد حذرت إسرائيل سوريا مراراً وتكراراً من أن مثل هذا الانتشار سيشكل تهديداً لأمنها. إلا أن سوريا اختارت تجاهل هذه التحذيرات. ولن تتسامح إسرائيل مع أي تهديدات لأمنها، وسترحب بالعودة إلى الوضع الراهن." فيما لاحقا أعلنت إسرائيل بأنها أبلغت إدارة ترامب مسبقاً.
للتذكير، فإن مطار أبو الظهور العسكري المستهدف يعتبر وفقا للتقديرات الإسرائيلية موقعا استراتيجيا رغم انهكان خارجاً عن الخدمة منذ سنوات ويقع في منطقة إدلب شمال سوريا. لكن اللافت موقعه على بعد 300 كيلومتر من الحدود الإسرائيلية السورية، وعلى بعد 60 كيلومتراً فقط من الحدود السورية التركية.
الهدف الإسرائيلي من الغارة:
ما من شك في ان حسابات إسرائيل في الغارة على مطار أبو الظهور كانت استراتيجية، وفي مسعى لفرض قواعد لعبة على دول الجوار والمنطقة ككل. فيما تعيد إسرائيل توسيع حدود أمنها القومي لشمل العمق السوري متحدية النظام السوري في عودة الى المعادلة الأولية التي سعت لفرضها بعد سقوط نظام الأسد، وهي السعي الى نظام سوري قوي داخليا ومطواع لإسرائيل خارجيا. وهي رسالة الى تركيا العضو المركزي في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بأن إسرائيل قادرة على مواجهتها، وبهذا السياق رسالة الى حليفي إسرائيل عسكريا في قبرص واليونان بأن الهيمنة التركية في شرق المتوسط قابلة للردع. الرسالة الى النظام هي ما عير عنه تصريح نتنياهو بالانجليزية بأن إسرائيل لن تحتمل أي تغيير في الوضع القائم (ستاتوس كوو)، بأن تكون قواعد عسكرية تركية في سوريا او ان يسعى النظام السوري لبناء جيش عصري. في هذا السياق تقصد إسرائيل بـ"الوضع القائم" هو الترتيبات الأمنية التي جاءت بعد تدمير الجيش السوري وتفكيكه مباشرة بعد سقوط نظام الأسد، وبعد سيطرتها على مناطق شاسعة في الداخل السوري عام 2024 تضاف الى الجولان المحتل عام 1967.
الرسالة الأخرى توجهها إسرائيل الى دول الإقليم بأن ذراع سلاح الجو الطويلة قادرة الى الوصول – ولو من باب التهديد وليس التطبيق – الى دول المنطقة التي تسعى الى إقامة تحالفات استراتيجية كما يحصل في حلف مكة بين السعودية وباكستان وتركيا على أن يشكل منصة لتحالف أوسع. تسعى إسرائيل الى التصرف كدولة عظمى عسكريا لا تكترث لأية تحديات حتى تلك التي ذكرها السفير الأمريكي لدى تركيا توم باراك بتقويض الاستقرار إقليميا بما فيه المخاطرة بصدام عسكري مع تركيا.
قد تكون الرسالة المحورية موجهة أيضا الى واشنطن، بعد أن فرضت قرارها على إسرائيل في الملف الإيراني واستبعدتها من قرار الحرب او التهدئة، فإن حكومة نتنياهو تبدو معنية بإرسال رسالة تحدي وبخلاف التوقعات الى إدارة ترامب، وقد يكون الامر مرتبطا بالانتخابات الإسرائيلية والسعي الى استبعاد وصمة إذعان نتنياهو لترامب. لكن جوهريا تبدو الخطوة الإسرائيلية أبعد من حصرها في حسابات داخلية، بل في تمرد نسبي على القرار الأمريكي مع العلم ان تفوق إسرائيل النوعي عسكريا، هو بالضرورة بفضل الدعم العسكري الأمريكي، فيما تسعى إسرائيل أيضا الى جس نبض الموقف الأمريكي ودى القدرة على المناورة امامه في جبهات أخرى. أحد المؤشرات لكونها ليست حسابات انتخابية يكمن في جولة رئيس الأركان الإسرائيلي التفقدية في قواعد جيشه في سوريا وبما تحمله من رسائل بأن هذا التواجد مستدام والأرض السورية هي مناطق امن قومي إسرائيلي. إن عدم ربطها بالانتخابات يجعل مغزى الغارات الإسرائيلية أكثر خطورة ويؤكد انها ليس تكتيكا.
هل من علاقة مع انسحاب القوات الروسية في سوريا؟
في بداية شهر 82026 بدأ سريان مذكرة التفاهم بين سوريا وروسيا لإعادة تنظيم الوجود العسكري الروسي في الساحل السوري، حيث أعلنت وزارة الخارجية السورية تحويل قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية إلى "مراكز تدريب وتأهيل مشتركة" تحت الإدارة المدنية السورية تدريجياً خلال ثلاثة أشهر. الا أن إسرائيل قد قيّمت هذا الاتفاق بشكل إيجابي وكونه يقلص الهيمنة الروسية المستقلة ويمنع استخدام هذه القواعد كمنصات تهديد، مع استمرار مراقبتها لحجم القوات المتبقية ومنع أي استغلال إيراني للفراغ، رغم استبعاد الامر لدوافع سورية تتعلق بنظام الشرع، لكن يتضح من الغارة الإسرائيلية بأن القلق هو من تنامي النفوذ التركي لا الإيراني المستبعد.
وفقا للتقديرات الإسرائيلية المسبقة فإن تقليص الوجود العسكري الروسي في سوريا وتغيير تعريف تواجده يمنح سلاح الجو الإسرائيلي أريحية أكبر في الأجواء السورية دون الخشية من صدام مباشر مع موسكو. فيما تركز استخباراتياً على رصد الطبيعة الفعلية لهذه "المراكز التدريبية"، للتأكد من عدم احتفاظها بقدرات لوجستية وهجومية واسعة قد تؤثر على أمنها الإقليمي وفقا لتعريفها له. كما تفضل إسرائيل بقاء دور دبلوماسي أو تنسيقي لروسيا في دمشق بما فيه "آلية منع الاحتكاك"، للاستفادة منه كوسيط يساهم في كبح أي تصعيد محتمل أو ضبط سلوك القوى الأخرى داخل سوريا. الا ان التواجد الروسي في سوريا لا يضاهي وزن النفوذ التركي متعدد الجوانب. في هذا الصدد تخشى إسرائيل من انتشار القوات التركية في المرافق التي يخليها الجيش الروسي كما تقول بصدد مطار أبو الظهور وانتشار قوات تركية فيه.
في الخلاصة، فإن الغارة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور السوري هو خطوة استراتيجية أبعد من حصرها في الحسابات الانتخابية الداخلية، بل مسعى لرسم خارطة الأمن القومي الإقليمي والنفوذ بما يناسب تفوق إسرائيل العسكري النوعي بفضل الدعم الامريكي.
فيما الحلف الذي تقيمه إسرائيل في شرق المتوسط وحصريا مع اليونان وقبرص تسعى من خلاله للتحول الى المنحى الهجومي وردع النفوذ التركي في سوريا وشرق المتوسط، رغم عدم رغبة اليونان وقبرص بالمواجهة العسكرية وانما تريان بالتحالف دفاعيا ورادعاً وليس هجوميا.
رغم كل مساعي إسرائيل لتعزيز سطوتها في سوريا وعلى تركيا، الا ان النفوذ أوسع وأقوى من النفوذ الإسرائيلي وهو مدعوم امريكياً كما النظام السوري مدعوم أمريكياً، وكله على حساب السيادة السورية التي تشكل ساحة صراعات وتجاذبات إقليمية ودولية. فهل نجحت إسرائيل في فرض محددات على الدول التركي في سوريا، لا يزال السؤال مفتوحا ومن المستبعد ان تحسمه.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا