في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تسلل الخطاب العنصري إلى المؤسسات الطبية، وتثار تساؤلات حول ما يجري في مستشفى رمبام بحق الطواقم الطبية العربية، يجد المجتمع العربي نفسه في مواجهة أزمة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في استمرار الخلافات بين الأحزاب العربية، في مرحلة وصفها كثيرون بأنها من أصعب المراحل التي يمر بها المجتمع العربي.
وفي محاولة لقراءة المشهد من زاوية مهنية واجتماعية وسياسية، أجرى موقع «بكرا» لقاءً مع السيد محمد أبو يونس، مالك المركز الطبي في سخنين ورئيس نادي اتحاد أبناء سخنين سابقا ، الذي تحدث بصراحة عن قدسية المهنة الطبية، وخطورة تحويل المستشفيات إلى ساحات للصراع السياسي، كما تطرق إلى الخلافات بين الأحزاب العربية وما تتركه من أثر على الشارع العربي.
«المهنة الطبية مقدسة.. لا تسألوا المريض عن هويته»
أبو يونس بدأ حديثه من بوابة المهنة الطبية، مؤكداً أن هناك خطوطاً حمراء لا يجوز تجاوزها، وأن الطبيب عندما يقف أمام المريض لا يرى أمامه عربياً أو يهودياً، وإنما يرى إنساناً يحتاج إلى العلاج.
وقال إن المركز الطبي في سخنين يستقبل العرب واليهود، وإن التعامل مع الجميع يتم على قدم المساواة، مضيفاً أن الأطباء والطواقم الطبية العرب واليهود يعملون معاً في المستشفيات المختلفة، والهدف الأساسي أمامهم هو إنقاذ حياة الإنسان وتقديم العلاج.
وشدد على أن «المهنة الطبية مقدسة، والمريض عندما يدخل المستشفى لا يجب أن تكون هويته أو انتماؤه السياسي أو القومي هو المعيار، وإنما حالته الصحية وحاجته إلى العلاج».
رمبام.. عندما تدخل السياسة إلى غرفة العلاج
وتوقف أبو يونس عند ما أثير حول مظاهر عنصرية ضد الطواقم الطبية العربية في مستشفى رمبام، معتبراً أن دخول السياسة والعنصرية إلى المؤسسات الصحية يشكل خطراً على منظومة كاملة يفترض أن تقوم على المهنية والإنسانية.
وقال إن وجود أطباء عرب ويهود في المستشفيات هو أمر طبيعي منذ سنوات، وإن هذه الطواقم تقدم العلاج للجميع دون تمييز.
وأضاف أن استهداف الطبيب بسبب هويته العربية أو محاولة تحميله مسؤولية انتمائه القومي أو السياسي يتناقض بشكل كامل مع جوهر المهنة الطبية.
«قبل الانتخابات يبدأ الهجوم»
ويرى أبو يونس أن توقيت هذه الأحداث ليس بعيداً عن الحسابات السياسية، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات.
وقال بوضوح إن ما يحدث، من وجهة نظره، مرتبط بدرجة كبيرة بالسياسة والانتخابات، وإن بعض أحزاب اليمين تبحث في كل مرة عن قضية يمكن استخدامها في حملاتها السياسية.
وأضاف أن الخطر الحقيقي يكمن في أن تتحول هذه الحملات إلى أداة لهدم علاقات مهنية وإنسانية بنيت على مدار عشرات السنين بين الطواقم الطبية العربية واليهودية.
وأكد أن المستشفيات ليست مكاناً للصراعات السياسية، وأن الطبيب يجب أن يبقى طبيباً، بعيداً عن هوية المريض أو انتمائه السياسي والقومي.
من رمبام إلى الأحزاب العربية.. أزمة ثقة تتسع
ولم يتوقف حديث أبو يونس عند ملف العنصرية، بل انتقل إلى قضية أخرى تشغل الشارع العربي، وهي الخلافات المستمرة بين الأحزاب العربية.
وفي هذا السياق، عبّر عن استغرابه من استمرار حالة الانقسام في وقت يعيش فيه المجتمع العربي أزمات حقيقية ومتراكمة، من الجريمة والعنف إلى الخوف وانعدام الأمان وتراجع الشعور بالاستقرار.
وقال إن المواطن العربي العادي لا يستطيع فهم الكثير مما يدور في الخلافات السياسية بين الأحزاب، خصوصاً عندما لا يرى انعكاساً إيجابياً لهذه الخلافات على حياته اليومية.
«شعبنا ينزف.. وهم منشغلون بمن مع من»
وفي واحدة من أكثر الرسائل وضوحاً في حديثه، قال أبو يونس إن المجتمع العربي يدفع ثمن الخلافات السياسية، بينما المواطن يواجه يومياً واقعاً صعباً.
وأضاف: «شعبنا كله مستهدف، ونحن ننزف دماً يومياً، والمواطن لا يشعر بالأمان. لا يستطيع الإنسان أن يخرج ليلاً حتى لإرسال ابنه إلى المخبز، وفي المقابل نستمر في الحديث عن الخلافات بين هذا الحزب وذاك».
ويرى أبو يونس أن الأولوية يجب أن تكون لمعالجة القضايا التي تهدد المجتمع العربي بشكل مباشر، وعلى رأسها العنف والجريمة والخوف، بدلاً من استنزاف الطاقات في صراعات حزبية.
«الخلافات ليست مبدئية.. والمواطن لا يعرف سببها»
وانتقد أبو يونس ما يعتبره غياباً للوضوح في الخلافات بين الأحزاب العربية، متسائلاً عن طبيعة الخلافات الحقيقية وما الذي يستفيد منه المواطن البسيط منها.
وأكد أن المجتمع العربي بحاجة إلى التوافق وليس إلى المزيد من الانقسام، مشيراً إلى أن هناك شخصيات مهنية وأكاديمية يمكن أن تحظى بقبول مختلف الأطراف، ويمكنها أن تلعب دوراً في تقريب وجهات النظر.
وقال إن المطلوب اليوم هو وضع مصلحة المجتمع فوق الحسابات الحزبية، والبحث عن نقاط الاتفاق بدلاً من تكريس نقاط الاختلاف.
«لا تجعلوا الانتخابات تهدم ما بنيناه»
وفي ختام حديثه، وجّه أبو يونس رسالة تتجاوز اللحظة السياسية الحالية، محذراً من السماح للحسابات الانتخابية بأن تهدم العلاقات المهنية والاجتماعية التي بنيت على مدار سنوات.
وأكد أن المجتمع العربي يحتاج في هذه المرحلة إلى الوحدة والتكاتف، سواء في مواجهة مظاهر العنصرية أو في مواجهة الجريمة والعنف والأزمات الاجتماعية.
وبين قدسية الطب وضرورة احترام الطواقم الطبية العربية، والخلافات التي تعصف بالأحزاب العربية، تبدو الرسالة التي أراد أبو يونس إيصالها واضحة: في الوقت الذي يحتاج فيه المجتمع إلى توحيد صفوفه، فإن استمرار الاستقطاب السياسي والعنصري لا يخدم سوى من يريد إضعافه.
فالمريض يحتاج إلى طبيب يعالجه، والمجتمع يحتاج إلى قيادة توحّده.. وكلاهما لا يحتمل مزيداً من الانقسام.
المصدر:
بكرا