آخر الأخبار

زمن الترند ..من يقرر ما يستحق أن نفكر فيه؟

شارك

لم يعد السؤال في زمن وسائل التواصل الاجتماعي: ما الخبر؟
بل أصبح السؤال الأكثر خطورة: ما الذي قررنا أن يكون خبرًا؟

في بريطانيا حيث للصحافة تقاليد طويلة في صناعة الأجندة العامة تستطيع صحيفة أن تضع قضية سياسية أو تصريحًا لرئيس وزراء أو فضيحة داخل مؤسسة في صدارة النقاش الوطني. وقد تتحول القصة الصحفية إلى مساءلة حكومية أو قضية رأي عام. ورغم وجود صحافة الإثارة يبقى الضوء الإعلامي في كثير من الأحيان، مسلطًا على أصحاب القرار والنفوذ والشخصيات العامة.

أما في كثير من مجتمعاتنا العربية فقد حدث تحول آخر.

لم يعد المجتمع ينتظر الصحيفة كي تخبره بما ينبغي أن يناقش. أصبح الهاتف غرفة الأخبار وأصبح الجمهور هيئة تحرير مفتوحة على مدار الساعة وأصبح «الترند» قادرًا خلال ساعات على تحويل حادثة عادية إلى قضية عامة وخلاف شخصي إلى معركة اجتماعية.

وهنا بدأت المشكلة.

فالترند لا يخبرنا دائمًا بما هو مهم وإنما يخبرنا بما هو قابل للانتشار.

وهناك فارق هائل بين الأمرين.

ما هو مهم يحتاج إلى قراءة وسياق ووثائق وخبرة ،أما ما هو قابل للانتشار فيحتاج إلى صورة مثيرة أو جملة مستفزة أو فضيحة أو انقسام.

ولهذا قد تمر قضية تمس مستقبل التعليم أو الاقتصاد أو المجتمع دون أن تحصد جزءًا يسيرًا من الاهتمام الذي تحصده مشاجرة بين شخصين على منصة اجتماعية.

ليس لأن المجتمع أصبح أقل اهتمامًا بمستقبله وإنما لأن الخوارزمية لا تقيس أهمية القضية بل تقيس قدرتها على إبقاء الناس أمام الشاشة.

وهنا ينتقل الترند من كونه ظاهرة إعلامية إلى ظاهرة اجتماعية.

في كثير من المجتمعات الغربية، تستطيع وسائل الإعلام الكبرى أن تخلق موجة اهتمام حول قضية تخص رئيس حكومة أو وزيرًا أو مؤسسة أو شخصية عامة. أما لدينا فقد أصبح الشخص العادي نفسه مادة للترند.

قد يستيقظ شخص من نومه ليجد حياته الخاصة قد أصبحت قضية عامة. صورة مقطع، زواج، طلاق، مشادة أو تعليق ثم يبدأ الجمهور في إصدار الأحكام وتتكون المعسكرات ويصبح لكل طرف «دفاعه» و«خصمه».

والأغرب أن المجتمع لا يكتفي بالمشاهدة ، إنه يدخل إلى المعركة.

يتحول المتابع إلى محامٍ والمحامي إلى قاضٍ والقاضي إلى جلاد.

وهكذا تنتقل المسألة من الاختلاف إلى الاستقطاب و من النقاش إلى التنمر، و من الاهتمام إلى الابتذال.

والسؤال هنا ليس فقط: ماذا حدث؟

بل: لماذا أصبح هذا الحدث يستحق كل هذا الاهتمام؟

في الظاهر الجميع مستفيد: المؤثر يحصل على المشاهدات والمنصة تحصل على وقت أطول والإعلان يصل إلى جمهور أكبر والمستخدم يحصل على جرعته اليومية من الإثارة.

لكن المجتمع قد يكون هو الخاسر الصامت.

فالمجتمع الذي يقضي أسبوعًا كاملًا في مناقشة فضيحة شخصية، قد لا يجد وقتًا لمناقشة قضية عامة. والمجتمع الذي يستهلك طاقته في محاكمة أفراد، قد يفقد طاقته لمساءلة المؤسسات.

وهنا تصبح المسألة أكبر من «الترند».

إنها مسألة إدارة الانتباه.

فالانتباه في العصر الرقمي أصبح ثروة ومن يستطيع أن يقرر أين يذهب انتباه الملايين يمتلك سلطة لا يستهان بها.

ولذلك فإن أخطر ما في الترند ليس أنه يجعل قضية ما مشهورة وإنما أنه يستطيع أن يجعل قضية أخرى غير مرئية.

فما لا نتحدث عنه لا يعني أنه غير موجود وما لا يظهر في قائمة الأكثر تداولًا لا يعني أنه أقل أهمية.

وقد تكون المفارقة الكبرى في عصرنا أن المجتمع أصبح يمتلك حرية غير مسبوقة في الكلام، لكنه بدأ يفقد تدريجيًا حرية اختيار الموضوع الذي يستحق الكلام.

لقد كان الإعلام القديم متهمًا بأنه يتحكم في عقول الناس عندما يختار لهم ما يقرؤون.

أما اليوم فقد يبدو المشهد أكثر ديمقراطية: الجميع يستطيع أن ينشر، والجميع يستطيع أن يعلق والجميع يستطيع أن يصنع ترندًا.

لكن الديمقراطية في إنتاج المحتوى لا تعني بالضرورة الديمقراطية في إنتاج الوعي.

فالخوارزمية لا تسأل: هل هذه القضية مهمة؟

بل تسأل :هل ستجعل المستخدم يبقى؟

وهنا تبدأ إعادة تشكيل الذائقة العامة.

الأكثر إثارة يصبح أكثر حضورًا، والأكثر غضبًا يصبح أكثر انتشارًا والأكثر استفزازًا يصبح أكثر تداولًا بينما قد يصبح الأكثر عقلانية هو الأقل مشاهدة. لكن علينا أيضًا أن نكون منصفين: المنصات لم تصنع وحدها هذه الظاهرة ،نحن جزء منها. نحن الذين نضغط ونشارك ونعلق ونمنح الخلاف العابر عمرًا أطول مما يستحق ونرفع شخصًا إلى السماء صباحًا ثم نحوله إلى مادة للسخرية مساءً.

ولهذا فإن إصلاح المشهد لا يبدأ فقط من الإعلام، ولا من المنصات وإنما من المتلقي نفسه. المجتمع الواعي ليس المجتمع الذي لا يصنع ترندات و إنما المجتمع الذي يعرف أن ليس كل ما يظهر في قائمة الترند يستحق أن يحتل مساحة في عقله.

فهناك قضايا تستحق الغضب وأخرى تستحق السؤال وأخرى تستحق التحقيق وأخرى لا تستحق أكثر من أن تمر كما جاءت. ونحن بحاجة إلى استعادة وظيفة الصحافة المهنية؛ لا لكي تعود وصية على الجمهور وإنما لكي تستعيد دورها في ترتيب الأولويات العامة. فالصحافة الحقيقية لا تقول للناس فقط ماذا حدث وإنما تساعدهم على فهم لماذا حدث ومن المسؤول وما النتائج وماذا بعد.

وهذا هو الفارق بين المعلومة والوعي. إننا لا نعاني اليوم من نقص المعلومات بل من فائضها ولا ينقصنا ما نقرأه بل ينقصنا أن نعرف ما الذي يستحق أن نقرأه. لذلك ربما لم يعد السؤال الحقيقي في زمن الترند: من يصنعه؟

السؤال الأخطر هو: من يقرر ما يستحق أن نفكر فيه؟

فإذا تركنا الإجابة للخوارزمية فلن تختار لنا بالضرورة ما هو أهم وإنما ما هو أكثر قابلية للاستهلاك. وفي زمن أصبح فيه الجميع قادرين على صناعة الضجيج ربما تكون أكثر أشكال الحكمة ندرة أن نعرف متى نصمت ومتى نسأل ،ومتى نوجه أعيننا بعيدًا عن الترند ،نحو ما يصنع مستقبلنا فعلًا.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا