آخر الأخبار

بير الحمام بين التحريش وخطر المصادرة.. الهواشلة لـبكرا: مهما حرّشوا الأرض لن يقتلعوا أصحابها

شارك

عادت قرية بير الحمام في النقب إلى واجهة المواجهة على الأرض، بعد شروع سلطة أراضي إسرائيل، مطلع الأسبوع، بأعمال تجريف وتحريش في أراضٍ بالمنطقة، وسط احتجاج الأهالي وإقامة خيمة اعتصام وتحركات سياسية وجماهيرية تطالب بوقف الأعمال. وما يجري اليوم ليس مواجهة منفصلة، إذ سبق أن شهدت المنطقة أعمال تحريش مشابهة واحتجاجات واسعة، فيما يعيش سكان القرية منذ سنوات بين غياب الاعتراف الرسمي ومسارات التخطيط والتسوية ومخاطر الهدم ومشاريع البنى التحتية التي تمر في محيطها.

وبدأت الأعمال صباح الإثنين، 3 آب، بالتزامن مع انتشار قوات الشرطة في المنطقة. ووفق مصادر محلية، تشمل خريطة أعمال التحريش مناطق أوسع من بير الحمام، وتمتد إلى النقع والغرة وبير المشاش والزرنوق وخربة الوطن وصولًا إلى أراضي سعوة. وبدأت الآليات عملها في أراضٍ تستخدمها عائلة أبو غنيمة، وسط مخاوف من انتقالها لاحقًا إلى أراضٍ تابعة لعائلات أخرى.

5 الاف نسمة

بير الحمام هي إحدى القرى العربية في منطقة نقع السبع التي لا تحظى باعتراف رسمي كامل. ويقدر عدد سكانها بنحو خمسة آلاف نسمة، في حين يعيش في قرى النقع السبع مجتمعة نحو 30 ألف شخص. ووفق تقرير نشر في نهاية عام 2025، يعاني سكان بير الحمام من نقص حاد في البنية التحتية والخدمات، بما في ذلك شبكات المياه والكهرباء والمؤسسات التعليمية.

غير أن وضع القرية التخطيطي أكثر تعقيدًا من مجرد وصفها بأنها قرية غير معترف بها. فوثيقة تخطيط رسمية تحمل الرقم 625-0711564، أُعدت تحت اسم "حي بير الحمام"، تشمل مساحة تقارب 3,129 دونمًا وتقع شرقي بئر السبع، بين حدود تل السبع ومسار شارع 6 المستقبلي، ضمن منطقة التخطيط التابعة للمجلس الإقليمي بني شمعون. وتظهر وثائق حكومية من عام 2020 أن السلطات كانت قد بدأت بالفعل مسارًا لتخطيط المنطقة، وأن العمل وصل آنذاك إلى مرحلة متقدمة، فيما لم يكن المخطط قد استكمل إجراءات المصادقة في تلك المرحلة.

هذا التناقض بين وجود مسار تخطيطي من جهة، واستمرار عمليات التحريش والهدم والنزاع على الأرض من جهة أخرى، يقف اليوم في صلب احتجاج السكان، الذين يقولون إن تنفيذ أعمال على الأرض قبل إنهاء قضايا الملكية والتسوية يمكن أن يفرض واقعًا يصعب تغييره لاحقًا.

السياسة تجاه اهل النقب

النائب عن القائمة العربية الموحدة وليد الهواشلة، الذي زار بير الحمام مع بدء الأعمال، قال لـ"بكرا" إن التحريش الجاري لا يمكن فصله عن السياسة الحكومية الأوسع تجاه أراضي المواطنين العرب في النقب.

وقال الهواشلة: "هذه الممارسات تأتي ضمن سياسة رسمية تقودها حكومة نتنياهو وبن غفير وتهدف إلى فرض الأمر الواقع ومصادرة الأراضي. مهما حرّشوا الأرض، لن يقتلعوا أصحابها".

وأضاف أن صمود السكان وتمسكهم بالأرض هو العنصر الأساسي في مواجهة هذه السياسات، معتبرًا أن القرية لا تواجه قضية تحريش فحسب، بل صراعًا يتعلق بمستقبل الأرض والمسكن والتخطيط في المنطقة.

والهواشلة هو عضو كنيست حالي عن القائمة العربية الموحدة، وقد برز خلال الدورة الحالية في عدد من الملفات المتعلقة بقرى النقب والبنية التحتية والهدم والتخطيط. وتظهر سجلات الكنيست الرسمية أنه يشغل عضوية الكنيست الـ25 عن الموحدة.

وفي اليوم الأول لبدء الأعمال، قال الهواشلة لـ"بكرا" إنه توجه إلى الشرطة بطلب السماح بإقامة خيمة اعتصام في المنطقة، إلا أن الرد تأخر، مضيفًا أن العمل يجري بالتنسيق مع الأطر الفاعلة في النقب والمؤسسات الحقوقية من أجل بلورة تحرك جماهيري وقانوني.

وقال: "مستمرون بمتابعة هذا الملف بالتنسيق مع الأطر الفاعلة في النقب والمؤسسات الحقوقية، من أجل بلورة تحرك جماهيري وقانوني يساند أهلنا في بير الحمام ويدافع عن حقهم في أرضهم".

خيمة اعتصام

وتحولت خيمة الاعتصام خلال الأيام التالية إلى مركز للحراك الجماهيري في القرية. وفي الخامس من آب، أفادت تقارير بأن الشرطة أغلقت طرقًا مؤدية إلى الخيمة، فيما تحدث مشاركون عن مواجهات واعتداءات خلال محاولة الوصول إلى مكان الاعتصام.

وخلال الاجتماع الشعبي الذي عقد في بير الحمام في اليوم نفسه، رفع الهواشلة من حدة انتقاداته للسياسة الحكومية، وقال لـ"بكرا": "الهدف المركزي للدوائر الحكومية هو مصادرة الأراضي تحت غطاء سياسي متطرف وفرض واقع جديد على حساب حقوق أهلنا وأرضهم".

وأضاف: "نطالب بالوقف الفوري لسياسات الملاحقة والمصادرة وعمليات هدم البيوت، واعتماد حلول عادلة تحفظ حقوق المواطنين في الأرض والمسكن، بدلًا من سياسة فرض الأمر الواقع". وقد نُشرت تصريحات مماثلة للهواشلة خلال الاجتماع الشعبي في وسائل إعلام محلية هذا الأسبوع.

من جهتها، قالت الناشطة هدى أبو عبيد لـ"بكرا" إن أعمال التحريش أثارت مخاوف مباشرة لدى السكان بشأن مستقبل القرية، وإن الأهالي لا ينظرون إلى زرع الأشجار باعتباره مشروعًا بيئيًا منفصلًا عن الصراع على الأرض.

وقالت أبو عبيد إن "سلطة أراضي إسرائيل شرعت بأعمال تشجير على أراضي قرية بير الحمام، في خطوة يقول الأهالي إنها تهدف إلى طمس القرية وتهجير سكانها"، مشيرة إلى أن السكان أقاموا خيمة الاعتصام ووجهوا دعوة إلى الجمهور العربي واليهودي للحضور إلى المنطقة والتضامن معهم.

كما انضم منتدى التعايش في النقب إلى التحركات، ونظم وصول متضامنين إلى القرية يوم الخميس، في محاولة لتوسيع الاحتجاج خارج دائرة السكان المتضررين مباشرة.

ليست الأولى

والمواجهة الحالية ليست الأولى من نوعها في بير الحمام. ففي كانون الثاني 2023 بدأت أعمال تحضيرية لزراعة الأشجار قرب القرية وموشاف نيفاطيم، وسط انتشار واسع للشرطة. وفي تلك الجولة قالت جهات رسمية إن الأرض التي جرت فيها الأعمال كانت مصنفة أرض دولة، بينما قال السكان إنهم استأجروها من السلطات ويزرعونها منذ سنوات. وفي الوقت نفسه، أعلن وزير النقب والجليل آنذاك يتسحاق فاسرلاوف صراحة أن عمليات الغرس مرتبطة، من وجهة نظر الحكومة، بمفهومي "السيادة والحكم" في النقب.

ويقول الأهالي إن هذه السابقة تزيد مخاوفهم من أن يتحول التحريش إلى أداة لتغيير استخدام الأرض ومنعهم من الوصول إليها مستقبلًا، بينما يؤكدون أن أجزاء من الأراضي المتنازع عليها ترتبط بمطالب ملكية وإجراءات تسوية لم تُحسم بعد. ولا يمكن، استنادًا إلى المصادر المتاحة، اعتبار جميع الأراضي التي تشملها عمليات 2026 مطابقة للقطع التي كانت محور المواجهة في 2023، وهو ما يجعل تحديد الوضع القانوني لكل قطعة عاملًا أساسيًا في أي مواجهة قضائية مقبلة.

وتأتي أحداث بير الحمام ضمن أجواء أوسع من التوتر في قرى النقب على خلفية الهدم والتخطيط. وقالت جمعية "كيشِت للمجتمع والثقافة والبيئة"، في موقف نشرته مؤخرًا، إن نحو 50 أمر هدم صدرت خلال شهر تموز وحده في قرى بمنطقة النقب، رغم استمرار عمليات التخطيط والتسوية منذ سنوات، معتبرة أن استخدام أوامر الهدم لا يمكن أن يحل محل التخطيط والحوار وإيجاد حلول متفق عليها مع السكان.

وأكدت الجمعية أن أوامر الهدم لا تمس بالمباني فقط، بل بالعائلات وبقدرتها على تخطيط مستقبلها وبالثقة التي بُنيت على مدار سنوات بين المجتمعات البدوية والسلطات، داعية إلى وقف الهدم ودفع مسارات التنظيم والتخطيط بدلًا من سياسة الإنفاذ وحدها.

وتاريخ بير الحمام مع مشروعات التخطيط والبنى التحتية يمتد إلى سنوات طويلة. فالقرية كانت أيضًا من البلدات التي تأثرت بمخطط مد شارع 6 جنوبًا، وسبق أن توجه سكانها، إلى جانب منظمات حقوقية وتخطيطية، إلى المحكمة ضد مسار الطريق، محذرين من تأثيره على مساكن وأراضي التجمعات البدوية في المنطقة.

متعلق بقدرة المجتمع العربي

اليوم يعود السؤال نفسه بصيغة مختلفة: هل تتجه الدولة إلى تسوية مكانة بير الحمام والتوصل إلى حل تخطيطي يحفظ وجود السكان، أم أن أعمال التحريش والهدم والإخلاء ستسبق مسارات التخطيط وتفرض نتيجة على الأرض؟

الهواشلة يرى أن الإجابة ستتوقف أيضًا على قدرة المجتمع العربي في النقب على تحويل الاحتجاج إلى تحرك سياسي وقانوني واسع. وقال خلال الاجتماع الشعبي: "إننا نعوّل كثيرًا على وعي جماهيرنا في هذه المرحلة الحساسة، فهو السبيل لتجاوز هذه المرحلة المركبة والانتقال إلى مرحلة نستطيع فيها الدفاع عن حقوقنا وتحقيق التغيير المنشود".

وبالنسبة لأهالي بير الحمام، فإن القضية لا تتعلق بعدد الأشجار التي ستزرع أو بمساحة الأرض التي ستجرف هذا الأسبوع، بل بالسؤال الأقدم والأكثر حساسية في النقب: من يملك الأرض، ومن يقرر مستقبلها، وهل تنتهي عملية التخطيط بالاعتراف بالسكان في أماكنهم أم بإعادة رسم المنطقة من دونهم.

بكرا المصدر: بكرا
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا