غزة ليست القضية الفلسطينية بكل تفاصيلها وقضاياها وثوابتها...!, غزة ليست من الثوابت ولطالما حاولت إسرائيل إخراجها من دائرة الصراع بتأسيس كيانات للفلسطينيين بديلا عن الدولة الفلسطينية فيها لكن كل تلك المخططات فشلت وأصبحت غزة قضية وجع فلسطيني بكل تفاصل الوجع البشري لان معظم مدنها لم تعد صالحة للعيش بعد ان سحقت اسرائيل كافة بنيتها التحتية والحضرية. نعم جرح في الكف الفلسطيني فتح بطريق لم يكن في الحسبان لكنه قد يكون الفرصة التي لاحت لإسرائيل لتحقق من خلال هذا الجرح اهداف استراتيجية تصفي فيها الكثير من قضايا الصراع وتحول القضية الفلسطينية برمتها الي قضية إنسانية فقط ، فعندما تخطئ كل الحسابات تصبح بعض القضايا كل القضايا الا انه يتوجب علينا ان ندرك ان غزة بوجعها وآلمها وفقرها وتشتت سكانها وضياع حقوقهم ليست كل القضايا ولا يمكن الا ان تكون قضية وجع وقضية إبادة أراد المحتل ان يغير من خلالها معالم الصراع مع الفلسطينيين ويصفي قضاياه واحدة تلو الأخرى , نعم غزة جرح غائر في الجسد الفلسطيني وشعبها شعب معذب مكلوم بلا بيوت وبلا مستقبل امن وبلا أي مقومات حياة . شغلت مسألة غزة العالم وكشفت للعالم في ذات الوقت حجم التغول الإسرائيلي على الانسان الفلسطيني وحقوقه السياسية وأولها حقة في تقرير المصير، اشغلت العالم وأصبحت ايقونة الشعوب الحرة لكنها في ذات الوقت أعادت الصراع للواجهة وحل قضيتها بدون حل قضايا الصراع بات كأنه نفخ في الهواء او تأجيل لجرائم اخري قد يرتكبها الاحتلال في فرص اخري.
يبدو ان "مجلس السلام" بات يتجاوز صلاحياته في موضوع غزة ويدخل على قضايا الصراع واهمها قضية اللاجئين الفلسطينيين التي هي من الثوابت ولا حل للصراع دون حلها ، فقد يكون هذا أمر ينذر بأن "مجلس السلام" قد يصدر قرارات بتفكيك قضايا اخري كالقدس والحدود والمياه والثروات الطبيعية مثلاً غير قضية الاونروا التي أنشئت بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرار 302 الصادر في 8 ديسمبر عام 1949لتنفذ برامج إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الذين طردوا من ارضها وتناسلوا في مخيمات اللجوء في انتظار العودة لديارهم ,وكانت الاونروا قد بدأت عملها رسميا في الأول من مايو أيار عام 1950واستمرت في عملها بانتظام وشفافية على مدار 75 عاما ما كان له الأثر الكبير في تحفيف معاناة اللاجئين في كافة مناطق النزوح. لم يكن مفاجأ اعلان "مجلس السلام" بانه " لا مكان للأونروا في غزة الجديدة " لان هذا قد يكون من أهم رغبات إسرائيل التي أغلقت مقرات الاونروا في القدس وقطعت عنها المياه والكهرباء بمنطقة الشيخ جراح ومنعت منذ أكثر من عام دخول أي مساعدات خاصة للأونروا وبالتالي لم تعد الأونروا تمارس نشاط تقديم المساعدات الاغاثية للنازحين الفلسطينيين في مخيمات النزوح في القطاع حتي ان إسرائيل لم تحترم مقرات الاونروا التي طالتها الحرب ودمرت إسرائيل معظم مدارسها ومقراتها اثناء الحرب بل وصدرت اتهامات من المستويات الأمنية الإسرائيلية بان العديد من موظفي الأونروا ينتمون الى حماس وان حماس تستخدم مقرات الاونروا لشن هجمات مسلحة وبالرغم من دحض الاونروا هذه المزاعم الا ان إسرائيل ارادت بذلك ان تألب الدول الداعمة للأونروا لوقف مساهماتها المالية لدعم ميزانية الاونروا ما حذا بكثير من الدول فعل ذلك ومنها للأسف دول عربية حتى ان إدارة الرئيس ترامب اصدر مرسوما يضمن استمرار وقف تمويل الاونروا بشكل كامل مواصلة للسياسة التي انتهجها منذ ولايته الاولي عام 2018 وجددها عام 2025. وللأسف يري ترامب رئيس "مجلس السلام "ان نموذج عمل الاونروا يرسخ صفة اللجوء الدائم ويعيق جهود السلام والتسوية السياسية وتتهم ادارته الاونروا بالارتباط بحركة حماس مصدقا بذلك التقارير الإسرائيلية المفبركة التي ترسل للأمريكان واعتبر الاونروا انها تدير نظام مالي فاسد غير قابل للإصلاح وركزت إدارة ترامب على استبدال الاونروا بهيئات جديده لإغاثة وتشغيل الفلسطينيين منها "مجلس السلام" الذي أعلن عن تشكيلة يوم 16 يناير/كانون الثاني الماضي 2025 ، بالإضافة إلى "مجلس غزة التنفيذي" و"اللجنة الوطنية لإدارة غزة" و"قوة الاستقرار الدولية".
ماذا يعني هذا الإعلان الذي لا يمكن بأي شكل من الاشكال قبوله لان من أنشأ الاونروا هو الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرار اممي وهي المخولة بإنهاء عمل الأونروا وبقرار من ذات الجمعية العامة للأمم المتحدة ولا اعتقد ان هذا سيحدث طالما لم تحل قضية اللاجئين ولم تنفذ قرارا الأمم المتحدة ومجلس الامن الصادرة بهذا الشأن . اذا نفذ "مجلس السلام" إعلانه بانه لا مكان للأونروا في غزة الجديدة فهذا يعني ان لا اشراف للأونروا على أي خدمات لللاجئين الفلسطينيين لا القدامى ولا الجدد لان الواقع وتسجيلات الأمم المتحدة تقول ان 2 مليون من مواطني القطاع اصبحوا الان لاجئين بعد ان حرمتهم اسرائيل من ارضهم وبيوتهم ومزارعهم وحقولهم ومصانعهم الي سحقتها مجنزرات وجرافات الاحتلال ونسفها الجيش بمئات الاطنان من المتفجرات على مرأى ومسمع العالم وللأسف مازال يكمل عمليات النسف بعد اكثر من 266 يوم على صدور قرار اعلان وقف اطلاق النار المعلن في شرم الشيح في العاشر من أكتوبر 2025. ان كان "مجلس السلام" سيتولى مهام الاونروا في غزة الجديدة فانه مكلف بتقديم خدمات الايواء والتعليم والصحة والإغاثة وتشغيل للاجئين الفلسطينيين هناك واشك ان يكون "مجلس السلام" لدية القدرة العملياتية او الإمكانيات على فعل ذلك لان هذا يحتاج الي هيئات ومنظمات ويحتاج الى مئات من العاملين من الافراد والطواقم المدربة والمتخصصة ويحتاج الي ميزانيات ضخمة سنويا. ان منع الاونروا من ممارسة مهامها الموكلة لها من قبل الأمم المتحدة كمنظمة من منظمات الأمم المتحدة يعترف بها المجتمع الدولي في الأرض الفلسطينية وتخصص لها الجمعية العامة ميزانيات وإجراءات لتعمل في كافة مخيمات النزوح بسوريا ولبنان والأردن والضفة الغربية ما يتعبر في جهة نظري اعتداء على صلاحيات الأمم المتحدة وبالتالي فهي جريمة أممية يجب ان يتصدى لها المجتمع الدولي حتى يرتدع كل من يفكر في انشاء بدائل للأمم المتحدة او منظماتها التي وجدت لترسي دعائم العدالة الدولية وتحقق الامن والاستقرار والسلم العالمي.
الحقيقة ان هذا الإعلان قد يكون اول ثمار "مجلس السلام" الذي يرأسه الرئيس دونالد ترامب وهي ثمار "خمط "لا يستطيع احد ان يتجرع مرارتها وهو ما يعني ان "مجلس السلام" قد يكون من اختصاصاته ومهامه ليس انهاء الحرب في قطاع غزة فقط بل محاولة تسوية كافة قضايا الصراع دون ان يوضح الخطة الواضحة لذلك ولم يعرف او يعلن المبادئ التي يجب ان ترتكز على أسس حل الصراع وما نلاحظه انه يكتنف مخططات "مجلس السلام" في هذه المرحلة غموض مخيف وخاصة فيما يخص مستقبل القطاع او الضفة الغربية كأرض فلسطينية الان يتم سرقت أجزاء كبيرة منها وضم أجزاء ومساحات واسعة لإسرائيل بطرق مختلفة سواء من قبل المستوطنين او من قبل الجيش الذي يعلن عن مساحات واسعة انها مناطق عسكرية ومن ثم يسلمها للمستوطنين . ان اعلان "مجلس السلام" انه لا مكان للأونروا في غزة الجديدة يعتبر اعتداء على قضايا الصراع التي قد لا يكون من الصواب توكيل "مجلس السلام" لحلها حسب الرؤية الترامبية لان ترامب كان قد أعلن في نهاية ولايته الاولي القدس عاصمة لإسرائيل وان أي حلول يقدمها "مجلس السلام" في إطار رؤية ترامب لحل الصراع يمكن ان يفكك قضايا الصراع واحدة تلو الأخرى ولا يبقي للفلسطينيين أي ثوابت او حتى ولاية على ارضهم التاريخية وقد يجردوا من حلمهم في إقامة دولتهم الفلسطينية وعاصمتها القدس.
Dr.hani_analysisi@yahoo.com
المصدر:
كل العرب