آخر الأخبار

لا تبدو الانتخابات محسومة ولا توافق على مفهوم الحسم فيها

شارك

أمير مخول – مركز تقدُّم للسياسات

تدخل إسرائيل مرحلة انتخابية صاخبة في ظل حالة غير مسبوقة من الاستقطاب السياسي، تتداخل فيها تداعيات اخفاق السابع من أكتوبر والحرب على غزة، والأزمة الداخلية التي فجّرها مشروع “الانقلاب القضائي”، مع الضغوط الأميركية المتزايدة على حكومة بنيامين نتنياهو. وفي المقابل، تبدو المعارضة عاجزة حتى الآن عن إنتاج أغلبية مستقرة تتجاوز الستين مقعدا من أصل 120، فيما تزداد أهمية الصوت العربي اذا توحّد سعيا لتغيير السياسات وأبعد من هوية الحكام.

اولاً- الحسم في نظر نتنياهو

يتوق نتنياهو الى وضع يستطيع فيه تجاوز الانتخابات بكتلة من 61 نائبا وما فوق من أصل 120 عدد أعضاء الكنيست. وقد نجح بشكل لافت في المحافظة على تماسك كتلة الائتلاف الحاكم مع الصهيونية الدينية والكهانية من جهة ومع الحرديم في المقابل وذلك على امتداد اربع سنوات.

الا ان تقديراته المبنية على استطلاعات رأي معمقة وداخلية، ليست مبشرة له بتحقيق غالبية لائتلافه. بل ما يسعى له حاليا هو استرجاع الليكود للشرائح الملموسة التي كانت تندرج ضمن قاعدته الانتخابية وانزاحت نحو ايزكوت او سموتريتش. وعليه يسعى الى مسارين؛ الأول صراعه مع منظومة الحزب والنواب الحاليين على السيطرة مسبقا على هوية قائمة المرشحين بأن يتاح له بخلاف دستور الحزب ما يسمى التعيين الشخصي لنسبة عالية من المرشحين، وهو اجراء قائم تاريخيا بتعيين عدد محدود جدا كمرشحين دونما خوض الانتخابات التمهيدية. اذ يرى نتنياهو ان نواب حزبه الحاليين من أقصى اليمين وبعضهم كهانيين او اقرب للصهيونية الدينية، بانعدام التمثيل اللبرالي الذي كان من سمات الليكود التاريخي. هذه المسألة قد تكون مصيرية بالنسبة لبقائه في الحكم اذ ان انزياح المصوتين من قاعدته الانتخابية ناتج بالأساس بسبب اخفاقاته منذ 7 أكتوبر 2023، ونتيجة الانقلاب القضائي على منظومة الدولة، وكذلك من طبيعة اعصاء الكتلة الأكثر تطرفا حتى بنظر الليكود.

كما يخشى نتنياهو لاعبا لم يكن يتوقعه وقد يكون الأكثر اثرا، وهو موقف ترامب وادارته، وتصريحات الأخير المتتالية التي تدل على توجه منهجي لمخاطبة الراي العام الإسرائيلي من فوق راس نتنياهو ولاضعافه. فيتنحى نتنياهو ولم يخض المعركة الانتخابية كما صرح ترامب وبالاساس كما يضغط الأخير، فإن سقوط ائتلافه شبه مؤكد بما فيه انهيار في حزب الليكود الحاكم.

في المقابل يسعى الى إقامة حزب يميني بروح الليكود، او ما يعرف بأحزاب التي تدور في مداره برئاسة غلعاد اردان الوزير السابق والسفير في الأمم المتحدة، وهو يحظى بصورة لبرالية وليست كهانية. الغاية من هذا الحزب هي الحصول أصوات الشرائح المنزاحة عن الليكود كي لا تذهب للمعارضة وحصريا الى ايزنكوت الذي يعلو نجمه. في حال نجاح حزب اردان في اجتياز نسبة الحسم قد يشكل الامر انقلابا لصالح نتنياهو. فيما تبقى احتمالات الرهان على غانتس قائمة.

يسعى نتنياهو، أولا الى ضمان كتلة تحظى بما لا يقل عن 52 عضوا وهي كتلة "تعطيلية" كي لا تتمكن المعارضة من تشكيل ائتلاف حاكم بديل يكون بالضرورة في هكذا حال على حزب عربي والمقصود القائمة العربية الموحدة المعنية بلعب هذا الدور. الا ان نتنياهو يملك خطة تقوم على نزع شرعية أي اعتماد لائتلاف صهيوني على حزب عربي، فيما بلوّح منذ فترة بسعيه الى شطب القائمة العربية الموحدة ومنعها من خوض الانتخابات، وكذلك حظر التيار الإسلامي (الجنوبي) الذي تنتمي اليه. في المقابل فإن احتمالات شطب قوائم انتخابية لاحزاب أخرى واردة فعليا وتصب في استراتيجيته لكبت التصويت العربي وزرع اليأس في هذا الجمهور الذي يسعى أولا الى اسقاط حكومة نتنياهو. أي أنه يعترف ان الحركة السياسية العربية حاسمة، ولذلك يسعى لاستبعاد اثرها الجوهري.

في حال حققت كتلة نتنياهو 55 مفعدا في الكنيست، فهذا حاسم بالنسبة له بأن يبقى في الحكم. أي ان المعارضة الحالية وفقا تقديراته ستكون امام وضع لا يمكنها من تشكيل ائتلاف حاكم حتى ولو حظيت بدعم من القائمة العربية الموحدة. في هذه الوضعية من الأرجح أن تعاد الانتخابات وما يعني انه سيبقى رئيس حكومة مؤقته. الاحتمال الاخر هو ان يلزم المعارضة بالتوافق على حكومة وحدة قومية يكون رئيسها ما بين عام او عامين. ومن بعدها يتنحي ويعتزل الحياة السياسية.

تبقى لدى نتنياهو ورقة حسم الانتخابات وهي ارجائها بذريعة الوضع الأمني او افتعال وضع امني، وعندها أيضا سيبقى رئيسا للحكومة الى حين اجراء الانتخابات لاحقا، وهذه المرة في ظل كنيست معطّل اذ حين يحلّ الكنيست نفسه قبل الانتخابات يكف عن ممارسة مهامه.

ثانيا - الحسم عند المعارضة الإسرائيلية:

تراهن المعارضة على كتلة واسعة تضمن اغلبية مطلقة ب61 مقعد، ولا توجد لديها احتمالات حسم غير هذا الإنجاز. فقد حدد رؤساؤها بأنهم لن يعتمدوا على حزب عربي (القائمة العربية الموحدة). يسوّغون هذا الموقف بأن الأمور تغيرت بعد 7 أكتوبر 2023. فيما يبرر البعض مثل ليبرمان هذا الموقف بإقامة تحالف المتجندين للجيش، أي تحالف صهيوني من دون العرب والحريديم لكونهم لا يخدمون في الجيش.

تراهن المعارضة على الموقف الأمريكي هذا من ناحية، كما انها ورغم تصريحاتها العنصرية بأنها لن تقبل حزبا عربيا في الائتلاف، فإنها في حال كانت امام الخيار اما التحالف مع حزب عربي او خسارة الحكم ستختار الحكم وتتنازل عن "مبادئها".

لهذا الغرض تدرك المعارضة بأنها لا تضمن أية اغلبية بين اليهود، ولذلك فإن خشبة الإنقاذ هي الصوت العربي، أي الحصول على أصوات بمئات الالاف من الناخبين العرب مباشرة لصالح أطراف فيها سواء حزب الدمقراطيين برئاسة الجنرال يائير غولان، او حتى لحزب ليبرمان الذي يسعى كسب أصوات حصريا من العرب الدروز نظرا لوجود احد اقطاب حزبه من هذا الجمهور، ويرسحه لوزارة الامن الداخلي والمسؤولة قانونيا عن محاربة الجريمة المنظمة والتي تفتك بالجماهير العربية والتي لها دور وظيفي في تفكيك هذا المجتمع.

حددت المعارضة بأن قدرتها على الحسم منوطة بمدى قدرتها على الحيلولة دون اجتماع الأحزاب العربية في قائمة مشتركة موسعة تحصد ما بين 15-17 مقعدا، بما يعني ان المعارضة ستكون بعيدة عن هدفها بالحصول على اغلبية مطلقة.

بعض اطراف المعارضة مثل ايزنكوت تناور على القدرة على التقارب من اطراف من أحزاب الحريديم حتى ولو انقسمت احزابهم. وهو ما يعزز في حال نجح المسار في توفير اغلبية مطلقة، لكن الامر مستبعدا. يكشف هذا التوجه ان المعارضة متوافقة فيما بينها برفض شراكة حزب عربي بينما ليست متوافقة بصدد التحالف مع حزب من الحريديم.

ثالثا - الأحزاب العربية قد تكون قوة حاسمة

يدور النقاش الجوهري بصدد القائمة المشتركة للأحزاب العربية الأربعة حول صيغتين فإما التأثير داخل منظومة اتخاذ القرار فيما يخص سياسات داخلية تتعلق بجمهورها مثل الجريمة والتخطيط وهدم البيوت والميزانيات وهي أمور جوهرية على جدول اعمال هذا الجمهور، تشكل هذه الصيغة اقرب الى توجه تكنوقراطي في التعاطي مع القضايا المذكورة بينما لا تتدخل في السياسات العامة وحصرا الأمنية.. فيما الاتجاه الاخر وهو الغالبية يسعى الى تغيير السياسات من خارج المنظومة الحكومية وباعتبار تاريخي بأن أي انجاز حققه هذا الجمهور منذ العام 1948 حصل بقدر النضال الشعبي والبرلماني والحقوقي من اجله. بناء عليه يدور نقاش ينبثق منه هل من الأكثر نجاعة قائمة واحدة ام اثنتين. كما ان هذا التوجه يؤكد التزامه بالنضال ضد الاحتلال ومن اجل الحق الفلسطيني.

الموقف الشعبي العارم هو قائمة مشتركة موسعة تشكل وزنا يضمن حقوق الفلسطينيين العرب، ولا يمكن رهنه لنوايا المعارضة او الائتلاف الصهيونيين. هذا الموقف الشعبي يصبح أكثر مصيرياً بعد اكتوبر 2023 والحرب على غزة وعلى شعبنا والمخاطر الوجودية القائمة تجاه الجماهير العربية في الداخل. القائمة المشتركة تشكل أداة حماية لكل مركباتها وكذلك لجمهورها الى جانب هيئات شعبية ومجتمعية أخرى وحصريا لجنة المتابعة العليا.

بناء على الموقفين المتنازعين بين الأحزاب العربية فإن نقطة الحسم هي للغابية أوسع تمثيل برلماني ناتج عن وحدة وقائمة مشتركة موسعة تبعث الامل في مواجهة الفاشية الحاكمة، ولدى القائمة الموحدة هي الانضواء تحت الائتلاف الحكومي التالي. كلا التوجهين يقول بضرورة اسقاط حكومة نتنياهو الحالية.

فيما القناعة الاوسع بأن القائمة المشتركة الموسعة هي الأكثر ضمانة لكل الخيارات في التخلص من الحكومة الحالية. فعليا بالنسبة للمجتمع العربي الفلسطيني في الداخل فإن الحسم هو بمجرد الوحدة طريقا لاسقاط حكومة نتنياهو بين غفير سموتريتش. كما أن هذه الصيغة قادرة أيضا على مخاطبة الراي العام الإسرائيلي ومواجهته نزعات الفاشية وفرض بديل سياسي شامل.

في الخلاصة؛ هناك مؤشرات لاحتمالية تغيير في انتخابات الكنيست واسقاط حكومة نتنياهو، الا انها ليست محسومة ولا يوجد أي طرف من الكتل الثلاث قادر على حسمها وفقا للمعطيات الحالية. فيما لا يزال نتنياهو وحكومته يتفوقون على المعارضة في البدائل للحفاظ على حكمهم حتى من خلال شطب أحزاب عربية او إقامة أحزاب ظل تمنع انزياح ناخبين من قاعدته الانتخابية او ارجاء الانتخابات كلياً.. بينما القائمة المشتركة للأحزاب العربية المعنية بالكنيست هي الأكثر ضمانا لخدمة قضايا جمهورها وقضايا شعبها.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا