لم تكن رغد حسين عاشور، ذات السبعة عشر عامًا، تحمل في صباحها الأخير سوى حقيبة طالبة تستعد لاختبار الثانوية العامة، وقلقًا صغيرًا يشبه قلق كل الطلاب قبل الامتحان. خرجت من بيتها في غزة وهي تفكر في الأسئلة، في الوقت، وفي حلمها المؤجل منذ سنوات: أن تصبح طبيبة.
لكن الطريق إلى قاعة الامتحان توقف عند شارع أحمد عبد العزيز، غرب مدينة غزة. هناك، قرب مول الرحاب في حي الرمال، استهدف قصف إسرائيلي مركبة مدنية في منطقة تعج بالناس، بالطلبة، بالمارة، وبالعائلات التي تحاول أن تمارس شيئًا من الحياة وسط مدينة أنهكها الخوف.
نقلت طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني جثمان فتاة وثلاثة مصابين إلى مستشفى السرايا الميداني. بعد وقت قصير، عرفت العائلة أن الفتاة هي رغد. لم تصل إلى الامتحان. لم تفتح ورقة الأسئلة. لم تكتب اسمها على الدفتر. بقي مقعدها فارغًا، كما بقي حلمها معلقًا في الطريق.
كانت رغد الابنة الوحيدة لوالدتها بين خمسة أشقاء. كبرت يتيمة الأب منذ طفولتها المبكرة، بعدما فقدت والدها في مصر إثر مضاعفات صحية خلال رحلة جمع فيها بين الدراسة والعلاج. لم تعرفه كما يعرف الأطفال آباءهم. عرفته من الصور، من حكايات أمها، ومن حلم ظل حاضرًا في البيت: العلم هو الطريق الذي لا يجب أن ينقطع.
لهذا تمسكت رغد بدراستها. كانت ترى في الثانوية العامة بابًا واسعًا نحو مستقبل آخر، مستقبل لا تحدده الخسارة ولا يحاصره الخوف. حلمت بكلية الطب، لا كاختيار مهني فقط، بل كاستكمال لطريق والدها الذي انقطع مبكرًا. كانت تقول لعائلتها إنها تريد أن تحقق معدلًا يؤهلها لدراسة الطب، وأن تجعل أمها تفرح بعد سنوات طويلة من التعب والفقد.
في الليلة التي سبقت مقتلها، جلست رغد مع عائلتها وصديقتها المقربة إسراء مروان. تحدثت وضحكت وراجعت تفاصيل صغيرة من يوم الامتحان. لم يكن في ذلك المساء ما يوحي بأن صباح اليوم التالي سيحمل نهاية قاسية. كانت فتاة في عمر الأحلام، تفكر في العلامات، في المستقبل، وفي اللحظة التي ستعود فيها إلى البيت لتخبر أمها كيف كان الامتحان.
لكن صباح الاثنين بدّل كل شيء.
دون انذار مسبق
يقول شهود عيان إن القصف وقع دون إنذار مسبق، في وقت كانت المنطقة تشهد حركة نشطة. طلبة يتوجهون إلى مدارسهم، عمال في طريقهم إلى أعمالهم، وسكان يقصدون الأسواق والمستشفيات. كان شارع أحمد عبد العزيز، كعادته، شارعًا للحياة اليومية، لا ساحة للموت.
قال يوسف شعبان، وهو من سكان المنطقة، إن المكان المستهدف يقع في شارع حيوي يستخدمه الناس للوصول إلى حاجاتهم الأساسية. تساءل كيف يمكن لمنطقة مكتظة بالمدنيين والنساء والأطفال أن تتحول في لحظة إلى هدف.
وقال محمد جندية إن السكان فوجئوا بالقصف وهم في المكان. سقط ضحايا بين قتلى وجرحى، بينهم نساء وأطفال. وأضاف أن الناس يعيشون منذ أشهر تحت الخوف المستمر، ولا يعرفون كيف يواصلون حياتهم في مدينة تفقد أبناءها كل يوم.
وسط هذه الأرقام، يظهر اسم رغد كقصة كاملة لا كخبر عابر. كانت طالبة، ابنة، أختًا، وصديقة. كانت أمها تنتظر نجاحها كما ينتظر الإنسان تعويضًا بسيطًا عن سنوات طويلة من الوجع. كان البيت يستعد ليوم الامتحان، لا ليوم الوداع.
رحلت رغد قبل أن تصل إلى قاعة الامتحان. تركت دفاتر لم تكتمل، وكتبًا مفتوحة، وحلمًا كان قريبًا بما يكفي ليصبح ممكنًا. تركت أمًا فقدت زوجها من قبل، ثم فقدت ابنتها الوحيدة وهي في طريقها إلى مستقبلها.
في غزة، لا يموت الناس وحدهم. يموت معهم ما خططوا له، وما انتظروه، وما حاولوا حمايته من الانهيار. رغد عاشور لم تكن رقمًا جديدًا في حصيلة الضحايا. كانت مشروع طبيبة، وذاكرة أب، وفرحة أم، ومقعدًا شاغرًا في امتحان كان يجب أن يكون بداية حياة لا نهايتها.
ويأتي مقتل رغد في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة، رغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في تشرين الأول/أكتوبر 2025، ومع تفاقم الأوضاع الإنسانية واتساع دائرة الخسائر بين المدنيين.
في ذلك الصباح، لم تخسر عائلة عاشور ابنتها فقط. خسر الصف طالبة. وخسرت غزة حلمًا صغيرًا كان يحاول أن ينجو بالعلم.
المصدر:
بكرا