آخر الأخبار

إسرائيل تتدحرج نحو عزلة خانقة. بقلم: محمد دراوشه

شارك

إسرائيل تتدحرج نحو عزلة خانقة. بقلم: محمد دراوشه

لم تكن تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في الأمس مجرّد تعليق عابر في سياق الحديث عن الاتفاق مع إيران، بل كانت جرس إنذار سياسي لإسرائيل قبل أن تكون رسالة لأي طرف آخر. فحين يقول فانس: “ثلثا الأسلحة الدفاعية التي حمت إسرائيل خلال الأشهر الثلاثة الماضية صُنعت بأيدٍ أمريكية ودُفعت من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين”، فهو لا يقدّم معلومة تقنية، بل يضع إصبعه على حقيقة باتت واشنطن نفسها تعترف بها: إسرائيل اليوم تعتمد على الولايات المتحدة اعتمادًا شبه كامل، عسكريًا وماليًا وسياسيًا.

لكن الأخطر لم يكن في هذا الاعتراف، بل في التحذير المباشر الذي وجّهه فانس لبعض الوزراء الإسرائيليين الذين هاجموا ترامب واتفاقه مع إيران، حين قال: “لو كنت عضوًا في الحكومة الإسرائيلية، فلن أهاجم الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم كله”. هذه الجملة وحدها تكشف حجم التحوّل في المزاج الأمريكي تجاه إسرائيل، وتكشف أن واشنطن لم تعد ترى في إسرائيل الدولة التي تحظى بإجماع دولي أو دعم تلقائي كما كان الحال لعقود.

فانس لم يتحدث بلهجة خصم، بل بلهجة حليف ضاق ذرعًا بسلوك حكومة يمينية متطرفة، مليئة بالوزراء الفاسدين قانونيًا وأخلاقيًا، وتصرّ على إدارة صراعاتها بمنطق القوة وحدها. ولهذا جاءت عبارته الأكثر قسوة حين قال: “إن مشكلة إسرائيل ليست دونالد ترامب، ومن يعتقد أن أكبر مشكلته هي رئيس الولايات المتحدة فعليه أن يستيقظ ويشم رائحة الواقع”. هذه ليست نصيحة سياسية، بل صفعة دبلوماسية تقول للإسرائيليين: مشكلتكم الحقيقية هي أنكم لا ترون حجم العزلة التي صنعتموها لأنفسكم.

التحليلات الأمريكية خلال الأسبوع الأخير، من Politico وABC News وThe Atlantic، تتفق على أن إسرائيل أصبحت عبئًا سياسيًا على واشنطن، وأن استمرار الاحتلال، وسياسات الحكومة اليمينية، والتصريحات التحريضية لعدد كبير من الوزراء، جعلت إسرائيل في موقع المتهم أمام الرأي العام العالمي. أحد المحللين في Politico كتب أن إسرائيل أصبحت “الدولة التي تحتاج إلى أمريكا أكثر مما تحتاج أمريكا إليها”، بينما وصف خبير في The Atlantic الوضع بأنه “أخطر لحظة في علاقة واشنطن بتل أبيب منذ نهاية الحرب الباردة”.

هذه ليست مبالغات إعلامية. هذه قراءة واقعية لمشهد دولي يتغيّر بسرعة. أوروبا باتت أكثر انتقادًا لإسرائيل من أي وقت مضى. دول كثيرة تتعامل معها كدولة احتلال بلا شرعية أخلاقية. وحتى داخل الولايات المتحدة، يتزايد الضغط الشعبي والإعلامي على الإدارة بسبب الدعم غير المشروط لإسرائيل. فانس نفسه قال في مقابلة أخرى: “أنتم دولة من تسعة ملايين نسمة… لا يمكنكم قتل طريقكم للخروج من كل مشكلة أمنية”، وهي جملة تختصر حجم التململ الأمريكي من النهج العسكري الإسرائيلي وسياسة الحرب الدائمة التي تتبناها حكومة نتنياهو.

إسرائيل اليوم ليست إسرائيل الأمس. لم تعد “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” كما كانت تروّج لنفسها. لم تعد “الاستثناء الأخلاقي” في نظر الغرب. ولم تعد “الحليف الذي لا غنى عنه”. بل أصبحت دولة تُحرج حلفاءها، وتُضعف صورتهم، وتدفعهم للدفاع عن سياسات لا يمكن تبريرها أمام شعوبهم.

هذه ليست دعوة للتعاطف مع الفلسطينيين، رغم أن ذلك واجب أخلاقي وإنساني. هذه دعوة للاسرائيليين للتعاطف مع مستقبلهم إذا أرادو مستقبلاً في المنطقة. ليسألوا أنفسهم: ماذا سيحدث عندما تتعب أمريكا؟ ماذا سيحدث عندما يصبح الدفاع عنكم عبئًا انتخابيًا؟ ماذا سيحدث عندما تجدون أنفسكم بلا غطاء دولي، وبلا شرعية، وبلا أصدقاء؟

الشرق الأوسط يُعاد تشكيله. تحالفات جديدة، مصالح اقتصادية، مشاريع طاقة، ممرات تجارية، تفاهمات إقليمية. الجميع يتحرك. الجميع يقرأ التحولات. الجميع يعيد التموضع. إلا إسرائيل، التي ما زالت تتصرف كأن العالم سيبقى إلى الأبد مستعدًا لحمايتها مهما فعلت.

تصريحات فانس ليست حادثًا عابرًا. إنها مرآة. مرآة تعكس حقيقة أن إسرائيل تتجه نحو عزلة دولية غير مسبوقة، بسبب حكومة لا ترى أبعد من أيديولوجيتها، ولا تفهم أن العالم تغيّر، وأن الاحتلال أصبح عبئًا، وأن القوة وحدها لم تعد لغة مقبولة.

إن كنتم تخشون على مستقبل دولتكم، فابدأوا بمحاسبة حكومتكم، وسياساتها الاحتلالية والقمعية والحربية. فالعالم لن ينتظركم طويلًا.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا