قال الخبير في شؤون المجتمع العربي، محمد دراوشة، في حديث خاص لموقع "بكرا"، إن فشل الأحزاب العربية في التوصل إلى قائمة وحدوية لا يشكّل مجرد تعثّر في المفاوضات، بل "إخفاقًا سياسيًا وأخلاقيًا"، معتبرًا أن الأحزاب وضعت مصالحها التنظيمية الضيقة فوق المصلحة العامة في لحظة سياسية حساسة.
وأضاف دراوشة أن الجمهور العربي كان ينتظر من الأحزاب خطوة تعكس نضجًا سياسيًا ومسؤولية وطنية، لكنه تلقّى رسالة معاكسة قائمة على التعنّت والأنانية والانفصال عن نبض الشارع. وقال إن هذا السلوك ضرب الثقة بين الأحزاب وجمهورها، وأظهر أن القيادات الحزبية "لا ترى الناخب، بل ترى مقاعدها فقط".
ورغم لهجته النقدية، رأى دراوشة أن الباب لم يُغلق بالكامل أمام الأحزاب العربية، مؤكدًا أن أمامها فرصة أخيرة لاستعادة جزء من ثقة الجمهور إذا بادرت إلى تغييرات ملموسة قبل تركيب القوائم. وأشار إلى أن هذه الخطوات يجب أن تشمل الاعتراف بالأخطاء، وفتح المجال أمام وجوه جديدة ذات حضور مجتمعي ومهني، وإعادة النظر في آليات اختيار المرشحين، بما يضمن تمثيلًا جغرافيًا وديمغرافيًا أكثر توازنًا.
معالجة قضايا المجتمع العربي
وشدّد دراوشة على أن تقديم برنامج عمل مهني وشفاف، يعالج قضايا المجتمع العربي بوضوح، قد يعيد جزءًا من الثقة المفقودة. لكنه حذّر من أن تجاهل هذه الخطوات سيؤدي إلى خسارة ما تبقى من الرصيد الشعبي للأحزاب، خاصة في ظل وجود خيارات أخرى أمام الناخب العربي.
وقال دراوشة إن الناخب العربي لم يعد يشعر بالتزام مطلق تجاه أحزاب لا تبادله الاحترام السياسي، موضحًا أن الساحة باتت مفتوحة أمام خيارات متعددة، من بينها قوائم عربية جديدة، أو قوائم عربية يهودية مشتركة، أو التصويت لأحزاب يسارية، إضافة إلى خيار الامتناع أو المقاطعة.
وأضاف أن الأحزاب العربية لم تعد "الخيار الطبيعي" كما كانت في السابق، بل أصبحت خيارًا من بين خيارات عديدة، معتبرًا أن هذا التحول يعكس تغيرًا جوهريًا في وعي الناخب العربي.
وتوقع دراوشة أن يصبح ظهور قوائم جديدة في الساحة العربية احتمالًا واقعيًا جدًا، بل وضروريًا في نظر كثيرين، بسبب الفراغ السياسي الذي خلّفته الأحزاب التقليدية. وقال إن الجمهور يبحث اليوم عن خطاب جديد، ووجوه جديدة، وبرامج أكثر مهنية، وتمثيل أكثر عدلًا للشرائح والمناطق المختلفة داخل المجتمع العربي.
واعتبر دراوشة أن الأخطاء التي ارتكبتها الأحزاب خلال مفاوضات الوحدة كانت بنيوية، وليست مجرد تفاصيل تفاوضية. وقال إن الأحزاب تعاملت مع الوحدة كصفقة مقاعد، لا كمشروع سياسي، وتجاهلت المزاج الشعبي الذي يطالب بالوحدة منذ سنوات، وفضّلت الحسابات الفئوية والحزبية على المصلحة العامة، إضافة إلى غياب الشفافية في طريقة اتخاذ القرار.
خفض نسبة التصويت
وحذّر دراوشة من احتمال انخفاض نسبة التصويت في المجتمع العربي، قائلًا إن جزءًا من الجمهور يشعر بأن المشاركة السياسية فقدت معناها في ظل الأداء الحزبي الحالي. وأضاف أن أصواتًا كثيرة قد تنتقل نحو قوائم جديدة أو أحزاب يسارية تتقاطع مع قضايا المجتمع العربي.
وقال إن الناخب العربي لم يعد يصوّت بناءً على الهوية فقط، بل بناءً على الجدوى، مؤكدًا أن هذا التحول يجب أن تفهمه الأحزاب جيدًا.
وفي رسالته للأحزاب العربية، قال دراوشة: "لقد خذلتم جمهوركم، وأضعتم فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة. ومع ذلك، فإن أمامكم فرصة أخيرة إذا بادرتم إلى تغييرات حقيقية قبل تركيب القوائم".
وأضاف أن الاعتراف بالأخطاء، وتجديد الوجوه، وتقديم برنامج مهني، قد يعيد جزءًا من الثقة المفقودة، أما الاستمرار في النهج الحالي فسيُخرج الأحزاب تدريجيًا من المشهد السياسي.
أما رسالته للناخب العربي، فكانت أن يفكر بحرية ومسؤولية، وأن يمنح ثقته لمن يحترم قضاياه ويقدّم برنامجًا حقيقيًا، لا لمن يكتفي بالشعارات. وقال إن الساحة السياسية مفتوحة، وإن القرار النهائي يبقى بيد الناخب وحده.
المصدر:
بكرا