د. يوسف جبارين
لا شك أننا كمجموعة قوميّة في البلاد نعيشُ بمرحلة حرجة، وأننا مستهدفون بشكلٍ صارخ وعلنيّ وغير مسبوق. مظاهر الفاشيّة والاعتداءات العنصريّة بحق المواطنين العرب الّتي نشهدها على نحو متكرر في السّنوات الأخيرة، المواقف والتصريحات العنصريّة الّتي تغلغلت إلى الـ "مينستريم" الإسرائيليّ، النّظر إلى العربيّ بعين الرّيبة والشك والعداء، بالإضافة إلى إرهاب المستوطنين واعتداءاتهم الدّمويّة على كلّ ما هو فلسطيني، كلّها ليست أمورًا عابرة وعشوائيّة، بل هنالك مؤسّسة حاكمة تغذّي كل هذا. هنالك حكومة تتبنّى خطابًا رسميًّا معاديًا لـ 20% من المواطنين وتراهم في خانة الأعداء، وهنالك ائتلاف حاكم يستثمر بالسياسات العنصريّة والإقصائيّة والاحتلالية. بكلمات أخرى، الفاشيّة ليست مجرّد حقيقة مجتمعيّة في إسرائيل، بل هي حقيقة سياسيّة، حكوميّة ومؤسساتيّة.
حكومة نتنياهو-بن غفير-سموتريتش الّتي عبّر أعضاؤها في أكثر من مناسبة عن أنّهم يخوضون حربًا على عدة جبهات، بحيثُ كانت "الجبهة الدّاخليّة" إحدى السّاحات الأساسيّة الّتي انصبّت نحوها الأنظار ومورس ضدّها القمع السّياسيّ، الاعتقالات الإداريّة والاعتقالات التّعسفيّة، والتّحريض العلنيّ وحرمان المواطنين العرب من الحقوق الدّيموقراطيّة الأساسيّة، مثل الحق في التّعبير والحق في التّظاهر. هذا إضافةً إلى حرمان المجتمع العربيّ من الميزانيات بما في ذلك تلك الّتي كانت مخصصة له، والهدم المنهجيّ للبيوت والمنازل، وخاصة في النّقب حيث تم تدمير قرى كاملة. كما وقطعت حكومة نتنياهو-بن غفير-سموتريتش أيضًا شوطًا كبيرًا في إنقلابها القضائيّ والسياسيّ في نظام الحكم في الدولة، وتمثّل هذا بتشريعات استبداديّة في البرلمان، باستبدال شخصيات في مناصب مركزيّة في المؤسسات المختلفة بشخصيات أخرى مسيانيّة، ترعرعت على كراهيّة العرب وعلى الأفكار الكهانيّة.
من نافل القول أن استمرار هذا الائتلاف الحاكم يشكّل خطرًا وجوديًا علينا جميعنا، خاصةً وأنّ قادة هذا الائتلاف يصرحون علانية بأنّهم ينوون استكمال ما بدأوه في هذه الدورة، بل وتعميقه أكثر، في الدّورة البرلمانيّة القادمة. نحن مجتمع عربيّ أصلاني متشبث في أرضه وفي بلاده، ويسعى إلى تعزيز انتمائه وبقائه في وطنه بهامة مرفوعة، في وضعيّة تتطلب منّا أكبر قدر من المسؤوليّة: مسؤوليّة عدم الاستخفاف بالمخاطر المحدقة بنا، والّتي تهدف إلى ضرب مكانتنا السّياسيّة والاجتماعيّة والحقوقيّة.
أشهر قليلة تفصلنا عن الانتخابات البرلمانيّة، وازاء هذه الانتخابات، علينا أن نكون على دراية عميقة بقوّتنا النوعيّة والكميّة وقدرتنا على ترجمة هذه القوّة إلى قوّة سياسيّة برلمانيّة من خلال الذّهاب بنسب غير مسبوقة إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات القادمة. نحنُ مجتمعٌ حيّ، فعّال، مبادر، عامل، متعلّم وقادر، ومن أولويات المرحلة القادمة أن نتعاطى مع أنفسنا ومع قوّتنا الفعليّة بجديّة أكبر. نحنُ لسنا ضلعًا قاصرًا، ولسنا مجتمعًا دون هويّة أو بوصلة.
المخاطر والصّعوبات الجمّة المحدقة بنا تتطلّب منّا الوحدة والتكاتف والتعاضد. الفاشيون لا يفرقون بين أطياف وأحزاب وأفراد المجتمع العربيّ. بالنّسبة لهم، جميعنا مستهدفون. في نظرهم نحن جميعًا "طابورٌ خامس" و"خطرٌ قريب". الرّد على الفاشيّة والفاشيين يكون من خلال الوقوف وقفةً واحدة في وجههم، والتّشبث بوحدة الصّف بديلًا عن التّشرذم والتّفرّق. المهمّة الأكثر إلحاحًا في هذه المرحلة هي لجم خطر الفاشيّة، ونحن، أبناء وبنات المجمع العربي في الجليل والمثلث والنقب والساحل، بوسعنا المساهمة مساهمة كبرى لدرء هذا الخطر، بل والانتصار عليه.
ومن المهم التّشديد على أنّ منع عودة هذه الحكومة هو خطوة أولى فقط، خطوة أولى في الطّريق أوّلًا للحفاظ على أنفسنا وعلى منجزاتنا الجماعيّة الّتي حققناها كمجتمع على مدار عقود، ومن ثمّ العمل بشكلٍ حثيث، مهنيّ ومسؤول، وقرع كل الأبواب والمحافل الممكنة لمعالجة قضايانا الحارقة: آفة الجريمة والعنف في مجتمعنا، قضايا شبابنا وتحصيل حقوقهم ببناء حياتهم بكرامة في بلداتهم، معالجة قصايا التعليم، الصّحة، السّكن، الخدمات الاجتماعية، وغيرها.
في ظل الأخطار المحدقة، لا نملك رفاهية القعود جانبًا والانتظار، بل علينا تجنيد كافّة طّاقاتنا كمجتمع، بالتعاون مع المهنيين، وخاصة من أهالينا من الجيل الشّاب، لتعزيز حراكنا الجماعي. نحن نحتاج إلى تعزيز الثّقة بمؤسساتنا التمثيليّة الجماعيّة، لجنة المتابعة العليا، لجنة رؤساء السّلطات المحليّة والأحزاب السياسيّة والكتل البرلمانيّة. نحن في خضم محنة جماعية، والخلاص لا يمكن أن يكون بأي شكل من الأشكال خلاصًا فرديًا، بل هو خلاصٌ جمعيّ، خلاصٌ مجتمعيّ، نعمل فيه سويةً لترجمة حراكنا الجمعيّ إلى قوة مؤسساتيّة، قوة سياسيّة، قوة مهنية، قوة اقتصادية، وقوة دوليّة تعمل جميعها جنبًا إلى جنب لإحداث التغيير السياسيّ المنشود.
الخطوة الأولى في هذا المسار هي إعادة بناء القائمة المشتركة بناءً على برنامج عمل تكون في صلبه قضايا مجتمعتنا العربيّ وحقوقنا الجماعية ومكانتنا السّياسيّة، بالإضافة الى قضيّة السّلام وإنهاء الاحتلال. هنالك حقيقة دامغة ومدعّمة باستطلاعات الرّأيّ وأيضًا بما نسمعه يوميًا من أهلنا: القائمة المشتركة هي مطلبٌ شعبيّ وجماهيريّ واسع! القائمة المشتركة من شأنها أن ترفع نسبة التصويت في المجتمع العربيّ، ومن شأنها أن تؤثّر تأثيرًا ملموسًا على خارطة الأحزاب السياسية وعلى مبنى الائتلاف الحاكم بعد الانتخابات. هذه حقائق لا جدال حولها، وهي تتطلب منّا أكبر قدر ممكن من المسؤوليّة لتذليل العقبات من أجل إعادة تشكيل القائمة المشتركة. ونحتاجُ بلا شك إلى مراجعةٍ جديّة لتجربة القائمة المشتركة، لمعرفة أين أصبنا (وأصبنا في كثير من المواضع والأماكن) وأين أخفقنا (وكان هنالك أيضًا إخفاقات عديدة).
نحن، في الجبهة الديموقراطيّة للسّلام والمساواة، عبّرنا منذ اللّحظة الأولى عن رغبتنا بإعادة تشكيل القائمة المشتركة وعن استعدادنا لتذليل العقبات من أجل هذا الهدف، وكنّا أوّل من طرح شعار "وحدتنا أوّلًا". سنجتهد قدر الإمكان لتحقيق الوحدة وندعو كل القيادات السياسيّة وكل القيادات المجتمعيّة والأهليّة لأن تكون شريكة ببناء هذه القوّة السياسيّة.
نحن قوّة، وبوحدتنا نكون أقوى.
المصدر:
كل العرب