قال د. حسام أبو بكر لـ"بكرا" إن التطورات السياسية الأخيرة، بين تقرير القناة 13 عن مساعٍ في محيط رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لشطب القائمة العربية الموحدة، وبين إعلان الجبهة والتغيير والتجمع استعدادهم لإقامة قائمة عربية تقنية مشتركة، تنقل النقاش حول الوحدة العربية من مستوى الحسابات الانتخابية إلى سؤال أعمق: من يملك حق تحديد شرعية التمثيل العربي؟
وأوضح أبو بكر أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بنسبة التصويت أو بعدد المقاعد، رغم أهمية ذلك، بل بمكانة المواطنين العرب داخل الحقل السياسي الإسرائيلي، وبمن يقرر أي حزب عربي يعد شريكًا شرعيًا وأي حزب يتم نزع الشرعية عنه.
من يقرر من يمثل العرب؟
قال أبو بكر إن ما يجري اليوم يضع الأحزاب العربية أمام سؤال واضح: هل يحدد المجتمع العربي بنفسه شكل تمثيله السياسي، أم يترك هذه المهمة للأحزاب اليهودية والإعلام الإسرائيلي ومؤسسات الدولة؟
وأضاف أن أهمية القائمة المشتركة اليوم لا تكمن فقط في منع تراجع التمثيل البرلماني، بل في منع تحويل المشاركة السياسية العربية إلى مسألة مشروطة بموافقة الأغلبية اليهودية.
وتابع أن الخطر الحقيقي هو أن يتكرس تقسيم بين "عربي مقبول" يمكن التعاون معه، و"عربي مرفوض" يتم اتهامه بالتطرف أو إخراجه من دائرة الشرعية السياسية.
وأوضح أبو بكر أن تجربة منصور عباس في السنوات الأخيرة ساهمت في تغيير طريقة تعامل السياسة الإسرائيلية مع الأحزاب العربية. فمن جهة، فتحت هذه التجربة الباب أمام حزب عربي ليكون جزءًا من معادلة تشكيل الحكومة. لكنها، من جهة أخرى، كشفت ثمن هذا الدخول: أن يصبح قبول السياسي العربي مرتبطًا بقدرته على طمأنة الأغلبية اليهودية.
وقال أبو بكر: "لا أحد يعارض الحديث عن الميزانيات والجريمة والبنى التحتية. هذه قضايا يومية ومهمة جدًا. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه القضايا إلى بديل عن الخطاب السياسي الجماعي. عندها تصبح القضية العربية مجرد ملفات خدماتية منفصلة، بدل أن تكون قضية مواطنة ومساواة وحقوق جماعية".
قبول العربي مشروط بطمأنة الأغلبية
وأشار أبو بكر إلى أن إعلان عباس عام 2021 أن إسرائيل "دولة يهودية وستبقى كذلك" لم يكن تصريحًا عابرًا، بل لحظة سياسية مهمة أعادت تعريف شروط قبول السياسي العربي داخل المنظومة.
وقال: "منذ تلك اللحظة، بدأ يتشكل معيار جديد. السياسي العربي المقبول هو من لا يهدد الأسس الفكرية والسياسية للدولة. أما من يربط قضايا المجتمع العربي بالمساواة الجماعية أو بالتمييز البنيوي أو بقانون القومية، فيُقدَّم كطرف مقلق أو راديكالي".
وأكد أن هذا التصنيف لم يعد حكرًا على اليمين الإسرائيلي، بل انتقل أيضًا إلى أوساط في المركز واليسار، وهي أوساط تحدثت لسنوات عن الشراكة العربية اليهودية والمساواة المدنية، لكنها وجدت في نموذج عباس شريكًا أسهل، لأنه لا يتحدى البنية السياسية القائمة بصورة مباشرة.
وقال أبو بكر إن هذا ما يفسر جزءًا من التعامل الإعلامي والسياسي مع عباس بوصفه "العربي المسؤول" أو "العربي البراغماتي"، مقابل تقديم قيادات عربية أخرى، خصوصًا من الجبهة والتجمع، كأنها أسيرة خطاب قومي أو احتجاجي أو رافضة للاندماج.
وشدد على أن المسألة ليست رفضًا للبراغماتية. فالبراغماتية، بحسبه، أداة ضرورية في العمل السياسي. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول البراغماتية إلى شرط للشرعية، وعندما يُطلب من السياسي العربي أن يثبت اعتداله وولاءه كي يتم قبوله شريكًا.
وأضاف: "حين يصبح قبول العربي في السياسة مشروطًا بمدى ملاءمته لتوقعات الأغلبية، لا نكون أمام ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية، بل أمام امتحان دائم للولاء. وهذا امتحان لا يُفرض على الأحزاب اليهودية بالطريقة نفسها".
القائمة المشتركة كإطار حماية سياسي
ورأى أبو بكر أن إعلان الجبهة والتغيير والتجمع استعدادهم لقائمة تقنية مشتركة، ودعوة الموحدة إلى التوقيع الفوري، يجب أن يُقرأ في هذا السياق. فالمطلوب اليوم، بحسبه، ليس فقط اتفاقًا انتخابيًا بين أحزاب، بل موقفًا عربيًا جامعًا يرفض شطب أي حزب عربي، ويرفض في الوقت نفسه تحويل الشرعية السياسية العربية إلى امتياز تمنحه الأغلبية لمن تراه مناسبًا.
وقال إن القائمة المشتركة، إذا تشكلت، يجب ألا تكون مجرد ترتيب تقني لتقسيم المقاعد، بل إطارًا يحمي التمثيل العربي من محاولات الشطب ونزع الشرعية، ويمنع التعامل مع العرب ككتل منفصلة يسهل تصنيفها بين معتدلين ومتشددين.
وختم أبو بكر حديثه لـ"بكرا" بالقول إن اللحظة الحالية تفرض على الأحزاب العربية مسؤولية مضاعفة. فمن جهة، هناك خطر مباشر يتمثل في مساعي شطب الموحدة وفحص إعلان الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية "منظمة إرهابية". ومن جهة أخرى، هناك خطر سياسي أعمق يتمثل في قبول معايير خارجية تحدد من هو العربي الشرعي ومن هو العربي غير الشرعي.
وأضاف: "لهذا السبب، باتت القائمة العربية المشتركة ضرورة. ليس فقط لمنع تراجع التمثيل البرلماني، بل لإرسال رسالة واضحة: العرب لا يحتاجون إلى شهادة حسن سلوك كي يكونوا شركاء شرعيين. مطالبهم المدنية والسياسية ليست تهديدًا للديمقراطية، بل اختبارًا حقيقيًا لها".
المصدر:
بكرا