أزمة الأطباء العرب: الإقصاء سياسة رسمية
بقلم: محمد دراوشة
تتراكم في السنوات الأخيرة شواهد مقلقة على واقع غير منطقي يعيشه آلاف الأطباء والطبيبات من المجتمع العربي. أكثر من خمسة آلاف شاب وشابة أنهوا دراسة الطب، اجتازوا الامتحانات، وحصلوا على رخص مزاولة المهنة، لكنهم ما زالوا يقفون أمام أبواب المستشفيات المغلقة، ينتظرون فرصة عمل واحدة لا تأتي. بعضهم يعمل في وظائف لا تمتّ للطب بصلة، وآخرون عالقون في بطالة قسرية، بينما يواصل الجهاز الصحي استيعاب أطباء مهاجرين جدد وتوفير مسارات تخصص لهم بلا عناء.
هذا التناقض الصارخ لا يمكن تفسيره بمنطق الحاجة المهنية. فالجهاز الصحي نفسه يشكو من نقص في الطواقم، ومن ضغط متزايد على الأقسام، ومن فترات انتظار طويلة للمرضى. ومع ذلك، تُهدر طاقات آلاف الأطباء العرب الذين يمكن أن يكونوا جزءًا من الحل، لا جزءًا من المشكلة. ما يحدث هو سياسة انتقائية تُقصي فئة كاملة من المواطنين، وتفتح الباب لآخرين وفق اعتبارات لا علاقة لها بالكفاءة أو الاحتياج أو الطب.
إنّ البطالة الطبية في المجتمع العربي ليست مجرد أزمة تشغيل، بل هي خسارة جماعية شاملة. خسارة لسنوات من التعليم والاستثمار، خسارة لمرضى ينتظرون العلاج، وخسارة لجهاز صحي يحتاج كل يد مؤهلة. ومع غياب المسارات العادلة، يجد كثير من الأطباء أنفسهم مضطرين للبحث عن “واسطة” كحل أخير، في مشهد يعكس انهيار الثقة بالمؤسسات وغياب الشفافية في التوظيف.
شعور شريحة واسعة من المجتمع بأنّ ما يجري هو تمييز مؤسسي ليس وليد اللحظة. فحين تتكرر الأنماط نفسها: إغلاق أبواب، تفضيل مجموعات أخرى، غياب مسارات تخصص، وتجاهل احتياجات المستشفيات، يصبح السؤال مشروعًا حول طبيعة السياسة الصحية القائمة، وما إذا كانت تُدار بمعايير مهنية أم تُغذّيها اعتبارات أخرى.
المطلوب اليوم ليس أكثر من العدالة. فتح مسارات تخصص حقيقية، اعتماد معايير توظيف شفافة، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات الصحية. فالصحة ليست ميدانًا للتمييز، بل حق أساسي، وجهازها يجب أن يكون نموذجًا للإنصاف لا ساحة للإقصاء.
إنّ مستقبل الجهاز الصحي مرهون بقدرته على استيعاب كل طاقاته البشرية، لا بإقصاء الجزء العربي منها. وما لم تتغيّر السياسات الحالية، ستبقى أزمة الأطباء العرب شاهدًا على خلل عميق يحتاج إلى إصلاح جذري، هذا الخلل يسمى بالعنصرية.
المصدر:
كل العرب